بما أنّ الدولة مؤسَّسةٌ من اصطناع الناس، اهتدوا إليها ككيانٍ جامع يوفِّر الأمن، ويرعى الحقوق، ويصون المصالح العامّة؛ وبما أنّ المصير إليها اقتضى الاتفاقَ عليها والتوافق على قواعدها ، فإنّ معنى ذلك أنها قائمةٌ على اجتهادٍ بشريّ، وإرادة إنسانية، وأنها مصروفةٌ لأداء وظائف دنيوية، في المقام الأول، وأنه إنْ كان لها من وظائف دينية فهي، قطعاً، ليست وظائف نبويّة، بل تُصْرَف على الوجه الذي يَحْفظ للجماعة والأمّة وحدتها واستقرارها وحقوقَها الدنيوية، إذ ليس لها (الدولة) من تكليفٍ دينيّ بنصٍّ شرعيّ، وكلُّ إصرارٍ على تكليفها بما ليس في عداد وَلاَيتها الاجتماعية (الدنيوية) ليس من الدين في شيء، وليس في تعاليم الدين ونصوصه ما يشهد له، وإنما هو من المُضافات الاجتماعية التي يحاول فرضَها من يبحثون لأنفسهم – من وراء الدين- عن دورٍ سياسيّ في الدولة والمجتمع! وسيانٌ إن كان هؤلاء يقدّمون أنفسَهم بوصفهم «رجالَ دين» حريصين على إنفاذ أحكامه، وحمْلِ الدولة والسلطة على الانتظام تحت سقف الأحكام تلك، أو كانوا من رجال الحكم، أو كانوا في جملة معارضات سياسية تُطِلُّ على الشأن العامّ من وراء حجاب الدين؛ فهؤلاء جميعاً -على ما يُمايز بينهم- يجمعُهم الزّعمُ أنّ الدينَ ميزانُ الدولة ومرجعُها ومصدرُ مشروعيتها، مثلما يجمعُهم إسقاط صفات الإنسانيّة، الاجتماعيّة، الدنيويّة، النسبيّة عن الدولة!

أحكامُ الدين، وخاصةً أحكامُ العقيدة، ثابتة لا تتغيَّر أو لا يطرأ على إلزاماتها تعديل، وإن كانت هي تلْحظُ إمكانَ المرونةِ في تطبيقها؛ أمّا سياسات الدولة فمتغيّرة لأنها تدور على المصالح الدنيويّة، وهذه متغيّرة وتتأثّر بظروف المكان والزمان والإمكان وما تُلقيه هذه من أحكام على الإرادة الإنسانيّة. لذلك لا مناص من التمييز بين القانون المتعاليّ، الذي ينُصُّ عليه الوحي، و(بين) القوانين النسبيّة التي تضَعُها الدولة وهي تدبير مصالح الجماعة الاجتماعية التي قامت فيها. وكلُّ ردٍّ لهذه إلى ذاك تخليطٌ غيرُ مشروع وتهجينٌ غيرُ مقبول بين ما هو بشريّ وما هو إلهيّ ! قانون الدين (الشريعة) غيرُ قوانين الدولة؛ مصدرُ الأوّل إلهيّ، ومصدرُ الثانيّة إنسانيّ. أمّا من يزعُم إمكان الاستغناء عن المصدر الثانيّ، بإقامة نظام الدولة على الشريعة وما شرعه المصدرُ الأوّل (الإلهي)، باسم «الحاكمية» أو «وَلاية الفقيه»، فإنما يتجاهل أنّ من يحكُم في الدولة – في حالِ «الحاكمية» هذه – ليس ربَّ العالمين ولا رسوله الكريم وإنما بشرٌ يتأوّلون النصّ – فيخطئون أو يصيبون – وتتحكم المصالحُ والأهواءُ بقراراتهم و، بالتالي، فإنّ حكم هؤلاء ليس «حكماً إلهياً» كما يدَّعون، بل هو حكمٌ بشريٌّ صرف. هذا إلى أنّ من يحكمون «باسم الله»، لم يفوّضهُم الله أن يحكموا باسمه، أو أن ينوبوا عنه! حتى الأنبياء والرسل، في الأديان التوحيدية، لم يكونوا نوَّاباً لله في الأرض، وإنما كانوا مبلّغين لرسالاته إلى الناس.

والحقُّ أنّه إذا كانت كتُبُ الوحي دساتير، فهي دساتير دينية لا دساتير سياسية، لأنها تشرِّع لأمور الدين وتضع لها المبادئ والأحكام العامة، بينما تترك لمعتنقيها أن ينظّموا أمور دنياهُم بما تقتضيه مصالحهم. إنّ شعاراً سياسياً -ديماغوجياً- من قبيل شعار «القرآن دستورنا» فيه قدرٌ فاضحٌ من التلاعب السياسي بمقام النصّ القرآني. القرآن الكريم كتابٌ في العقيدة والشريعة، وليس كتاباً في السياسة ونظام الحكم، تماماً كما أنه ليس كتاباً في الكيمياء أو الفيزياء أو المعلومات، والذين يُقحمونه في السياسة يتطاولون على مقامه، ويحسبون -عن خطإٍ في التقدير- أنّ في الاختباء وراءَه منعاً لهم من النقد والمحاسبة، وخلعاً لعصمةٍ مزعومة عليهم، وبالتالي، استيلاءً على ما يُعَدّ مُلْكاً للجماعة والأمّة: أي الحق في اختيار الحاكم الشرعي الذي يختلف عن «أمراء الاستيلاء»، في أنه يقع عليه الاختيار برضا الجماعة. هذا إنْ نحن أخذنا نموذج نظام الدولة التقليديّ في الإسلام، أمّا إن كان الحديث يجري على نظامٍ سياسيٍّ حديث، فلا مكان في هذا النظام إلاّ للاتفاق والشرعية الدستورية، وحيث المبدأ الحاكم (هو) أنّ الشعب مصدر السلطة. وحينها، لا مهرب لأيِّ مسؤولٍ في الدولة من المحاسبة والمساءَلة من المؤسسات الدستورية، بتعلّة أنه يطبِّق الشرع أو أنّ حكمَه «حكمُ الله» لا يُطعَن فيه !

دساتيرُ الدول، إذاً، وقوانينُها وتشريعاتُها من الأمور العقلية التي تعود إلى المصالح، لا من الأمور الشرعية المنصوص عليها في الوحي؛ وهي من وضع المواطنين المنتمين إلى الدولة، أي أنها وضعيّة: مبلوغٌ إليها لغايةِ تحقيق المصالح المادية والمعنوية (الدنيوية). والمواطنون أولئك، بما هُم مصدرُ كلِّ سلطة، يختارون جسماً سياسياً، من بينهم، يختص بالتشريع ووضع القوانين والاتفاق على قواعد دستورية، نيابةً عنهم. وليس معنى ذلك أنه على المشرِّعين فقط أن لا يحفلوا، في التشريع، إلاّ بالمنظومات الوضعيّة، وأن يتجنّبوا ما سواها من أحكام، بل يَسَعهم -أيضاً- أن يستفيدوا من تعاليم الدين ومبادئه ونصوصه في كلّ ما من شأنه أن يجعل من التشريع نظاماً مناسباً للمصالح العامة. وإلى ذلك فإنهم سيُلْفون أنفسهم مدعوين إلى العودة إلى المنظومة الشرعية، كلّما تعلّق الأمر بتشريعٍ يتَّصل بالشأن الدينيّ. بل نحن نعرف، على التحقيق، أن الكثير من القوانين الحديثة في دول العالم مُشْتقٌّ من الشرائع الدينية، وداخلٌ دخولاً سَلِساً في منظومة القوانين العامّة. على أنّ المسؤولين في الدولة -وفي جملتهم الحكّام- ليسوا، كالأنبياء، معصومين من الأخطاء، وبالتالي، يقعون تحت طائلة المساءلة والمحاسبة، شأنهم في ذلك شأن المواطنين كافة. وأجهزة الدولة المختصة (القضائية، والأمنية، والرقابية الإدارية، والتشريعية) هي مَن يُخوِّلُها القانون مساءَلتهم. أما لماذا ذلك، فلأن الدولة ليست كياناً دينياً، بل كيانٌ اجتماعيّ – سياسي محكوم بنظامٍ قانونيّ من وضع المجتمع.

 

الاربعاء 19ربيع الاول 1439 هج / 06 دجنبر 2017.