ما من شك ان الدستور المغربي لسنة 2011 قد نص على المنهجية الديمقراطية في الفصل 47 الذي يقضي ان الحزب الذي يتصدر الصف الاول في الانتخابات التشريعية يعين منه الملك رئيسا للحكومة . و هذا الاخير يقترح اعضاء الحكومة للملك الذي يتمتع بصلاحية القبول او الرفض . و قد استفاد من هذه المنهجية حزب العدالة و التنمية. و كان الاتحاد الاشتراكي الحزب الوحيد الذي طالب بها سنة 2002 بعدما تصدر الصف الاول في الانتخابات التشريعية المجراة سنة 2002 وأصدر في  شانه بلاغ عن المكتب السياسي انداك و الذي مفاده ان لا مناص للخروج عن المنهجية الديمقراطية . و على اثر ذلك تم تعيين السيد جطو وزيرا اولا تكنوقراطيا ، و رغم ذلك ارتأى الاتحاد المشاركة في حكومته رغم ان مصلحة الحزب تقتضي الرجوع الى المعارضة إلا انه فضل المصلحة الوطنية سعيا منه لمواصلة الاصلاحات التي اسست لها حكومة التناوب التوافقي برئاسة الكاتب الاول الاستاذ اليوسفي .

و ابتدءا من تاريخ استقالة اليوسفي من الحزب و اعتزال السياسية ،   بدأت الازمة لتشمل جميع المجالات حيت التراجع عما اسسته حكومته من انجازات ، و يتعلق الامر بالتخفيف نسبيا لتلك المطالب التي تنادي بها الاحزاب ذات التوجه اليساري بدءا بتعديل الدستور و اصلاح الحياة السياسية و دمقرطتها . و من تم بدأت عجز حكومة جطو بسبب تشكيلتها حيت غاب عنها الانسجام حول برنامج سياسي موحد ، و لذلك اصبحت في تطبيق التوجهات و التعليمات الملكية التي همت كافة المجالات سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا و دينيا ، الامر الذي يعكس الحضور القوي للمؤسسة الملكية باعتبارها الفاعل الاكبر و الاقوى في الحياة السياسية نتيجة العجز الحكومي و عدم القدرة على تحقيق الهدف المتوخى منه في ظل سياق سياسي ملائم و تحولات دولية و اقليمية و وطنية متأزمة في جميع المجالات .

و في سنة 2011 جاءت حكومة بنكيران بعدما تصدر حزبه الصف الاول في انتخابات 2011 و تم تعيينه رئيسا للحكومة في ظل دستور شكل تحولا نوعيا في تاريخ الدساتير المغربية سواء ما يتعلق بالصلاحيات الواسعة التي خولها للحكومة و رئيسها و للمعارضة التي اصبحت هي الاخرى تتمتع باختصاصات واسعة تؤهلها لكي تصبح شريكا اساسيا في الحكم ، و ذلك في سعي واضح من المشرع المغربي لتفعيل دورهما في بناء حياة سياسية ديمقراطية تستند الى المؤسسات و القانون و مبدأ الحقوق و الواجبات و المسؤولية و المحاسبة و الحكامة الجيدة .

لكن الاشكال الذي حصل هو انه بعد استنفاد ما اسست له حكومة اليوسفي من اوراش في مختلف الميادين و اصبحت الازمة تتخذ منحى اخر و بدأت الهوة تتسع بين دستور متقدم و حكومة معارضة و نخب سياسية مأزومة و لم يعد المغرب يتوفر على المناخ السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي الذي يؤهله لكي يفعل احكام و مقتضيات الدستور الجديد . و اكتر من ذلك شرعت الاحزاب السياسية في التخلي عن دورها التأطيري المنصوص عليه في الفصل 7 من الدستور و كانت النتيجة عدم توفرها على المكونات و التنظيمات و الهياكل و البرامج و القيادات و الاطر و النخب لم تستطع تدبير خلافاتها الداخلية بحكمة و عقلانية و كيف و الحالة هاته ان تكون في مستوى مقاصد المشرع المغربي و اهدافه التي اقرها في الدستور الجديد و تجسد طموح المواطن في حياة سياسية تنافسية حقيقية . و هكذا فبعد انسحاب الاحزاب عن دورها فتح المجال للعدالة و التنمية لتتوغل في المجتمع بواسطة اجنحتها الدعوية تشتغل في صفوف الطبقات الفقيرة باسم الدين و بأعمال البر و الاحسان ، الامر الذي استقطبت معه انصارا و متعاطفين ينضبطون للتصويت في حين اصبحت الفئات التي كانت تتعاطف مع القوى الديمقراطية الحية التقليدية التي تعتمد عليها خاصة في صفوف الطبقات الوسطى تقاطع التصويت لصالحها إلا قليلا .

الى جانب الاغلبية من المواطنين و منهم المثقفين الذين فقدوا الثقة في السياسة و تبتعد عن الاحزاب السياسية الديمقراطية بالأساس . و هكذا اصبح التصويت اما بالشراء و اما باسم الدين . و بها تتفوق على بقية الاحزاب الاخرى كيف ما كانت مرجعيتها . و لهذا اخدت الازمة السياسية تتسرب الى المشهد السياسي و زادها الخطاب الشعبوي استفحالا و من تم انتشر الفساد و الارهاب و اختلاس المال العام و البطالة في صفوف الشباب حاملي الشواهد العليا . و برزت ظاهرة الاحتجاج في مختلف مدن المملكة و اخترقت الاحزاب من طرف عناصر لا علاقة لها بالانتماء الحزبي. و في هذا الصدد فقد تعمدت السرد التاريخي لإبراز اسباب الازمة التي اندلعت بشكل واضح بعدما تصدر حزب العدالة و التنمية الصف الاول في الاصوات المحصل عليها في الانتخابات التشريعية المجراة في اكتوبر 2016 حيت عين السيد بنكيران وزيرا اولا للمرة الثانية إلا انه بسبب الازمة عجز عن تشكيل الحكومة حيت استغرقت مشاوراته مدة ستة اشهر و لم يتم إلا بعد مخاض عسير ولم يتم الخروج منه إلا بعد تعيين جلالة الملك السيد العثماني رئيسا للحكومة في نفس الحزب ، و بعد مخاض عسير تشكلت الحكومة في خضم الازمة السياسية .

و اخير جاء ملك البلاد ليشير في خطاب العرش يوم 30/07/2017 ليوجه انتقادا للمسؤولين و المواطنين في القطاع العام حول القصور في ادائهم للمسؤوليات المنوطة بهم ، و كذلك الاحزاب السياسية ، و كان خطاب جلالته اشارة قوية للحكومة و الاحزاب و الاعضاء في المؤسسات المنتخبة من الجماعة الترابية الى البرلمان ، و المجتمع المدني و جميع المواطنين . و كان الهدف من الخطاب تنبيه الجميع للقيام بالواجب الوطني و تفضيله على المصالح الشخصية ، و لم يقف جلالته عند حد الانتقاد و ربط المسؤولية بالمحاسبة بل جاء بخطاب امام البرلمان في دورة اكتوبر من السنة الحالية ليعلن ان المغرب سيعرف زلزالا سياسيا . و بالفعل فقد افصح جلالته ربما في خطابه عن المراد بالزلزال السياسي ، ذلك انه بعد مضي اسبوع او اسبوعين – من اقالة بعض الوزراء و اعفاء بعض الولاة و العمال و رؤساء الجهات و بعض المسؤولين من مهامهم .

و جاء في قراره القاضي بتعيين العثماني  رئيسا للحكومة ليلقي عليه عبئا تقيلا . و كان لزاما عليه ان يفتح مشاورات مع الاحزاب السياسية لتعويض مناصب الوزراء المعفى عنهم بوزراء اخرين . و هذه المهمة ليست بهينة و ستعرف بدورها مخاضا عسيرا لأنها جاءت في ظرفية تاريخية يواجه فيه المغرب تحديات داخلية و خارجية . و يبدو ان القرار الملكي ربما جاء ليكشف عما الت اليه الامور في البلاد الذي يتجه نحو ازمة حول تشكيل الحكومة من جهة و تقتضي من جهة اخرى مضاعفة الجهود للخروج منها بأقل تكلفة لئلا يسقط المغرب في منزلق سياسي لا تحمد عقباه ، و ذلك بهدف الحفاظ على الامن و الاستقرار اللذين يتمتع بهما المغرب يحسد عليه .

و يبدو مما لاشك فيه ان الرأي العام الشعبي قد استأثر بالإشارات التي جاءت في الخطابين الملكيين المشار اليهما اعلاه و يبقى السؤال المطروح في شأنهما حول المراد بالزلزال السياسي لكن لما جاءت قرارات جلالته بإقالة بعض الوزراء و اعفاء بعض الولاة و العمال و رؤساء الجهات و غيرهم من مناصبهم اقتنع اغلبية المغاربة انها اجراءات تقويمية في مجال حقوق الانسان و ترسيخ دولة الحق و القانون و تأسيس المفهوم الجديد للسلطة مبني على علاقة جديدة بينها وبين المواطنين في اطار الديمقراطية . و على نهج الحوار و التشاور كأسلوب جديد لحل النزاعات و اشراك الفرقاء السياسيين و الاجتماعيين ليساهم الجميع في انطلاقة مبنية على احترام الحقوق و الالتزام بالواجبات . و اعطاء الدفعة الواجبة لنمو الاقتصاد الوطني بإشراك المواطنين في تنمية مستديمة مبنية على التكافل و التضامن . و من اهدافه ايضا التخفيف من افة الفقر و سد النقص في تزويد المواطنين بوسائل العيش الكريم في كافة ربوع المملكة و قد وقف جلالته على حقيقة الاوضاع التي تعاني منها الفئات العريضة من المواطنين . حيت التهميش بدءا من البنية التحتية و مجالات اجتماعية كالصحة و التعليم و غيرهما . و كذلك الرسائل التي يتلقاها من المواطنين اثر زياراته المستمرة لبعض مناطق البلاد . و تتضمن معاناتهم من البؤس و الظلم و جور الاحكام القضائية التي تهضم حقوقهم . و اعتقد ان اغلب المطالب التي تضمنتها تتعلق بوسائل العيش كرخص النقل او الشغل ، على كل ان جلالته توقف على المعاناة و الظلم و الفقر و الهشاشة بمناسبة تفقده مناطق المملكة شخصيا .كما انه ادرك خطورة الفساد الذي استشرى في البلاد بواسطة التقارير التي يتلقاها من مصادر متعددة و كثرة الفضائح التي تثار بين الفيئة و الاخرى . و اخطر هذه الامور الاختلاسات للمال العام و هدرها و تكديس الثروات من طرف اقلية و استعمال المال في جميع الاستفتاءات الشعبية . و اعتقد ايضا ان جلالته ادرى بجميع المشاكل التي تعوق التنمية للبلاد و تأهيلها و عرقلة المسلسل الديمقراطي ، و كذلك معرفته لما يجري داخل الاحزاب السياسية و بصفة عامة فهو اعلم بالصالح و الفاسد و العادل و الظالم . و في نظري فان قراراته التي جاءت في هذه الظرفية  هي ثورة ضد كل اشكال التخلف و موعد كبير مع التاريخ الذي ارتأى ألا يتخلف عنه المغرب كما كان في السابق ، ثورة في مجالات الحياة اليومية للمواطنين . و للإشارة فما زالت ظواهر اخرى يجب القضاء عليها كالرشوة في الادارة و القضاء و الجماعات ، اما بالنسبة للسياسة الخارجية فقد كتف زياراته للبلدان الافريقية و دول اخرى غير افريقية حيت تم ابرام اتفاقيات تهم المجال الاقتصادي و كذلك حشد الدعم لقضية الوحدة الترابية . و يبدو ان تحقيق هذه الاهداف تتطلب الانخراط في جميع المبادرات الملكية و غير الملكية التي تهدف الى اصلاح شمولي و تغيير جدري من اجل تقدم شامل لتجاوز جميع السلبيات و الاختلالات التي تعوق التقدم الشامل للبلاد للارتقاء به الى الدولة المعاصرة و بناء مجتمعي حداتي ديمقراطي متفتح .

هذا و لتحقيق ما ذكر فان الامر يقتضي الاجماع على اختيارات سياسية و اقتصادية و اجتماعية تعكس طموح الجماهير الشعبية و تستجيب لمطالبها في اطار المصلحة العامة للوطن . تأتي هذه الاختيارات استجابة للمبادرات الملكية و غير الملكية الايجابية تدشينا لمرحلة من النشاط السياسي الوطني يتميز بمد الجسور و تمتينها بين الملك و بين القوى الحية في البلاد كما هو الشأن لما كان عليه الامر بين المرحوم محمد الخامس و الحركة الوطنية التي كانت تدفع بالمبادرات السياسية في الكفاح الوطني من اجل الاستقلال حيت تتم في جو من التشاور و التعاون و تأتي ايضا هذه الاختيارات من اجل بعت الحس الوطني لدى الشعب في المجال السياسي الذي يعرف التشرذم و الركود و تعبئته من اجل القضية الوطنية . و اذا استطاع المغرب تحقيق هذه الاهداف فلا شك ان الدولة المعاصرة في المغرب ستغدو معاصرة بالفعل زمانيا و حضاريا . و يسترجع بذلك زمام الريادة ليس على صعيد المغرب العربي فحسب بل على الصعيد الافريقي و العربي و تضاهي الدول الغربية ايضا ، اما الحداثة السياسية فتتطلب كشرط اولي وجود طبقة سياسية معترف بها تلعب دور لما اصطلح عليه في الفقه الاسلامي بأهل الحل و العقد تتوفر فيهم شروطا للاضطلاع بهذه المهمة كذلك للدفع بالاختيارات المشار اليها لبناء الدولة المعاصرة و دينها الاسلام حيت تم دسترت قيم الاسلام و فلسفته للحكم ، خاصة ان الدولة الاسلامية ، دولة مدينة و ليست دينية حيت ان الاسلام لم ينشأ دولة دينية لا شرقا و لا تاريخا و تميز ما بين الدين و الدولة فلا يجوز للحكومة ان تتدخل في شؤون الدين خدمة لأغراض سياسية ، كما لا يجوز للفقهاء و رجال الدين التدخل في الشؤون السياسية .

و اعتقد ان الاختيارات المذكورة ستساهم بشكل وافر لضمان الامن و الاستقرار و الحد من الاحتقان الشعبي الذي يتجلى في المظاهرات و الاحتجاجات السلمية احيانا و المتوترة احيانا اخرى كوسيلة للمطالبة بحقوقهم المشروعة التي يجب معالجتها بالحوار بدل من القمع و المحاكمات كما يجري في الحسيمة و الصويرة و زاكورة في الوقت الذي يجب ايجاد حلول لأسبابها بالحكمة و الموعظة الحسنة طبقا لما جاء في كتاب الله.

 

وارزازات : الخميس 20 ربيع الاول 1439 هج /07 دجنبر 2017.