قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل سفارة الولايات المتحدة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بهذه المدينة عاصمة لإسرائيل، خطوة جديدة في مسار تغيير خرائط العالم العربي والشرق الأوسط تحديدا لمصلحة الكيان الصهيوني .

ومن غير شك، فإنه من خلال استعراض الوقائع السياسية والعسكرية لربع قرن الأخير، وتحديدا منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، يستنتج أن مخطط اليمين الأمريكي والإسرائيلي، له خارطة طريق، تجعل من الأحداث العربية وقودا لها، تستغلها لتغذي مسارها وأحيانا تدفع أو تشجع هذه العاصمة العربية أوتلك لاتخاذ قرار أو مبادرة تنسجم وهذا المخطط.

اليوم، العالم العربي، ولنقل تلك الدائرة العربية المحيطة بفلسطين في أقصى وأقسى حالات تمزقها وضعفها . لقد تم تخريب وتدمير العراق وسوريا، وتحييد شبه مطلق لمصر، وزرع كل بذور الفتنة بين مكوناتها، وجعل لبنان منهكا بفعل موجات غزو إسرائيلية.ودول الخليج بدوله الست، تم اختزال وجوده في هواجس أمنية، من داخله، ومحيطه، وفرضت عليه سياسة ابتزاز مالي فظيع، لم يشهد لها التاريخ مثيلا، وأرغم على شراء أسلحة تستنزف إمكانياته المالية بشكل مريع . أما فلسطين، محور الصراع، فإنه تم تقطيع أوصالها بالاحتلال وبالاستيطان، بموازاة مفاوضات، شكلت -في واقع الأمر- غطاءً لخارطة طريق واشنطن وتل أبيب .

هذه صورة العالم العربي العاجز ، عن اتخاذ موقف فعال ملموس، حِيال قرار ترامب .فما كان للرئيس الأمريكي،أن يدرج وعده بنقل السفارة إلى القدس أثناء الحملة الانتخابية ولا أن ينفذ هذا الوعد، إلا ليقينه وعلمه، بأن المنطقة العربية، لم تعد تحتمل سوى إنتاج مواقفَ ناعمة بدل إجراءات وقرارات حازمة. وحتى الجامعة العربية،التي مر على تأسيسها سبعة عقود، هاهي اليوم، مجرد هيكل بلا روح، واجتماعات لا طائل من ورائها..

إن من بين أبرز عوامل هذه الصورة العربية، بل وحقيقتها الأساسية، غياب الديمقراطية في جل دول العالم العربي، وعدم الاحتكام إلى صناديق الاقتراع بكل نزاهة ومصداقية، كي تعبر الشعوب عن إرادتها. لقد تمسك رؤساء أغلب الأنظمة العربية بكراسي الرئاسة، حتى وجدوا أنفسهم بحالات مقتل بشعة أو أسرى داخل قصورهم …والعديد من الأنظمة العربية، ترى أن لا جدوى من الأحزاب والتعددية وأن حقوق الإنسان مجرد بدعة، وبذلك أفسحت المجال للفتاوى، تمتح من آبار التخلف والجهل…

ماكان لترامب ومعه إسرائيل، أن يعيثوا في الأرض العربية إهانة لأمة،وانتهاكا لكرامة، واغتصابا لحقوق، لو كان الحكام العرب بالفعل، تعبيرا صادقا عن إرادة شعوبهم، وامتثالا للديمقراطية، وتشبثا باستقلالية القرار، وحماية للثروات من أي استغلال أجنبي…

إن فلسطين،وعاصمتها القدس، بحاجة اليوم، لموقف عربي غير متخاذل، يستند بل ينبثق من حالات الغضب العارم، التي تعبر عنها الشعوب إزاء قرار ترامب . أما بيانات الشجب والاستنكار والأسف و…و… فليست سوى مجرد تشجيع إسرائيل ومن يدعمها، على التمادي في مخططها في خارطة الطريق، التي تسعى إلى تحويل العالم العربي إلى دويلات مغلوبة على أمرها وسوق كبيرة للاستهلاك، وعواصم تُماثل شباكا آليا لسحب الأموال متى شاءت هذه الأمريكا وإسرائيل.

 

الجمعة 08 دجنبر 2017./ 21 ربيع الاول 1439 هج