على الرغم من أنّ للانتهازيَّة نصاباً سيكولوجيّاً فرديّاً تقترن فيه بمعنى الأنانيّة، وبنرجسيّة مَرَضيّة، وبالحرص على امتلاك الأشياء امتلاكاً حصْريّاً والاستحواذ عليها؛ ومع ما فيها من إفصاحٍ عن غريزة الشهوة بما هي جوهر قانون الطبيعة، على قول سبينوزا، إلاّ أنّ تجلّياتها الاجتماعيّة أشدُّ خطورةً من تعبيراتها الفرديّة الجزئيّة، لأنها أشدُّ فتكاً بالنظام الطبيعيّ الاجتماعيّ والمدنيّ الذي أقامه الناس «على أنقاض» النظام الطبيعيّ.

ولا تنحصر مشكلة الانتهازيّة، في نطاق المجتمع، في أنّ الأفراد المصابين بها يضعون – أنفسهم بأفعالهم التي يأتونَها- موضع تناقضٍ مع مصالح المجموع الاجتماعيّ فحسب، وإنما تمتد تأثيراتُها السلبيّة إلى أبعد من ذلك بكثير: إلى الصيرورة – مع الزمن وفِعْل التراكُم- جزءاً من نظامِ قيم المجتمع، أو أقسام اجتماعيّةٍ عريضة منه، ممّا يتولّد من ذلك اختلالٌ اجتماعيٌّ خطر يهدّد المنظومةَ الاجتماعيّة برمّتها! يشبه انتقالُ الانتهازيّة من الحيّز الفرديّ إلى الحيّز الاجتماعيّ انتقالَ أفعال انتهاك السِّلم المدنيّة من حيّز الأفراد (السرقات، الاغتصاب، الاعتداء البدنيّ، القتل الفرديّ…) إلى حيّز الجماعات والمجتمع (الحرب الأهليّة مثلاً)! وما كان يمكن علاجُه علاجاً موضعيّاً، بحسبانه حالةً فرديّةً وربما معزولة، يعتاصُ على العلاج حين يضرب جسمَ المجتمع العامّ ! وما أغنانا عن القول إنّ نقْل الموضوع من الحيّز الشخصيّ إلى الحيّز الاجتماعيّ يستجرّ تغييراً في زاوية النظر، كما في جهاز المفاهيم الذي نقارب به الظاهرة.

يضعُنا التفكير في الانتهازيَّة، كظاهرةٍ اجتماعيّة، أمام حقائق خمس مترابطة لا مجال للفصل بينها:

أولاها، أنّ علاقةً ما تنشأ بين الانتهازيَّة والمصلحة الخاصّة، فتؤسِّس الأولى على الثانية من دون أن تَرُدَّ الثانيةُ إلى الأولى ضرورةً. وبيانُ ذلك أنه ما من فِعْلٍ من أفعال الانتهازيَّة ليس مبناه على تحقيق مصلحةٍ خاصّة وتعظيمها، فمن دون المصلحة الخاصّة لا وجود لشيء اسمه الانتهازيَّة، إذْ ليس سبيلُ الأخيرة إلى المنفعة العامّة، ولا من ديناميةٍ أخرى تدفعُها إلى غير تحصيل البُغية الذاتية. وهي في مسعاها إلى ذلك، تقتنص ما يمكن اقتناصُه من فرص من غيرِ أن تطرح على نفسها سؤال المشروعيّة الأخلاقيّة في الذي تبغيه. لكنّ المصالح الخاصّة ليست، دائماً، انتهازيّة أو يُؤْتَى إليها من طريقٍ انتهازيّ؛ فهي قد تكون مشروعة إنْ لم يكن مبناها على الإضرار بالمصلحة العامّة، أو هي تكون مشروعة إن كانت قانونيّة، أي إنْ سلّمت الجماعة الوطنية بالحقّ فيها وفي حيَازتها. والتمييزُ هذا ضروريٌّ لئلاّ يختلط المعنيان في الإدراك، ولئلاّ يُفْهم من تداخُلها أنّ الدولة الحديثة تستثني الحقوق الخاصّة والفرديّة من نظام حمايتها.

وثانيتها، أنّ الانتهازيَّة تعبيرٌ عن نقصٍ فادح في الوعي بأولوية المصلحة العامّة، بل حتى في الوعي بها كمصلحة عامّة تُجاوِز حدود الأفراد لتشمل النطاق الإجماليّ للجماعة الاجتماعيّة والسياسيّة (الشعب، الأمّة، الدولة).

والانتهازيَّة، بالمعنى هذا، تضع نفسَها في مقابل المصلحة العامّة، بل تنتهكها انتهاكاً صارخاً لأنها بكلّ بساطة تتمسّك بمنفعةٍ خاصّة غير مشروعة، أي غير قانونيّة لا تعترف بها الجماعة للفرد.

وهكذا ليس في الأخلاق الانتهازيَّة مكانٌ للمجتمع والجماعة الوطنيّة، لأنها أخلاق فرديّة (أو فئويّة) أنانيّة مغلقة تتأبّى الخضوع للأخلاقية العامّة، كما حللّها هيغل، بما هي من الأساسات في تحديد ماهية الدولة. وإن شئنا استخدام مفردات فلاسفة العقد الاجتماعيّ، قلنا إنّ الانتهازيَّة فعْلٌ بشريّ ينتمي إلى ما قبل قيام المجتمع السياسيّ (= الدولة)، أي إلى حالة الطبيعة l’état de nature !

وثالثتها، أنّ الانتهازيَّة لا تمثّل، فحسب، سعْياً محموماً، أو مَرَضيّاً، نحو تحصيل مصلحةِ خاصّة (فرديّة أو فئويّة)، والتمسُّك بها في وجه المشروعيّة المجتمعيّة والأخلاقيّة العامّة، بل تزيد على ذلك بكونها لا تتحرَّج في أن تتطاول على مصالح الآخرين؛ ليس فقط المصالح العامّة، التي تضع نفسَها في مقابلها، بل المصالح الخاصّة للآخرين (المشروع منها – أي القانونيّ – وغير المشروع)، حيث تميل إلى الاستحواذ عليها كلاًّ أو أبعاضاً ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً ! ولذلك تَرْكَب الانتهازيَّةُ إلى غاياتها الخاصّة السُّبُلَ المتاحَة كافّة، ولا يتردّد أصحابُها في توسُّل الكذب والتدليس والحيلة والمغافلة، مبررين لأنفسَهم أفعالهم باعتبار الغاية المنشودة: المصلحة.

ورابعتها، أنّ الانتهازيَّة تعبيرٌ عن نقصٍ حادّ في الاندماج الاجتماعيّ في المجتمعات التي تفشو فيها الظاهرة؛ وبيانُ ذلك أنه كلّما سادت البنى الاجتماعيّة الانقساميّة والفئويّة، وتغلّبت مصالحها الضيّقة على المصلحة الوطنيّة الجامعة؛ وكلّما تضاءلت مفاعيلُ رابطة المواطنة وتزايدتْ، في المقابل، ظواهرُ التفلُّت الفرديّ والفئويّ من موجِبات الرابطة تلك، طفت على السطح مصالحُ متفلّتة من كلّ ضابطٍ اجتماعيّ جماعيّ. يحدث ذلك، عادة، في المجتمعات التي لم ترسَخ فيها بعْدُ، وبما يكفي، علاقات الاندماج والمواطنة على النحو الذي تكون به الجماعةُ جماعةً وطنيّة وسياسيّة، والتي لم تَسُدْ فيها بعدُ الأخلاقيّةُ العامّة بحسبانها نظاماً للسلوك الجمْعيّ الذي يُدمج الأفراد والفئات في كيانيّة عليا جامعة. وعلى هذا، فالانتهازيَّةُ قرينةٌ على ضَعْف الولاء للوطن والجماعة والدولة، وشكلٌ من أشكال الانفصال (أو الانشقاق)، الفرديّ والفئويّ، عن هذه البنى. وهي، بهذا المعنى، أشبه ما تكون بظواهر أخرى نظيرٍ مثل التي تُدعى – في لغةِ السياسة- بالخيانة الوطنيّة أو بالانشقاق السياسيّ، أو التمرُّد على الدولة والجماعة الوطنيّة!

وخامستها، أنّ تجذيف الانتهازيَّة ضدّ تيّار المصلحة العامّة، والدولة والشعب والأمّة، والانغماس في الولع بالمصلحة الخاصّة – وإنْ كانت غير مشروعة ولا قانونيّة – ليس قرينةً على أنها تُرادِف (النزعة) الفردانيّة، كما قد يُظَنّ، ذلك أنّ هذه ثَمرةٌ لتكوُّن الجماعة السياسيّة والدولة الوطنيّة ونظام المواطنة الحديث، وليست نقضاً لها كما هي حال الانتهازيَّة، والحال أنّ الأخيرة تقع – عمليّاً- في موقعِ ما قبل الروابط الجمْعيّة هذه التي أشرنا إليها. وإذا كانت الحريّة ما يميّز الفردانيّة!

تأسيسياً على معطيات الحقائق الخمس السابقة يمكن القول إنّ الانتهازيَّة، وإنْ كانت مَرَضاً من أمراض السيّاسة والعمل السياسيّ، ظاهرةٌ سابقة للسياسة بمعناها الحديث، كفاعليّةٍ اجتماعيّة منظمة في إطار المجتمع السياسيّ، وبالتالي فهي تنتمي إلى ما يمكن أن ندعوه باللاّ شعور الطبيعيّ، أي بذلك اللاّ شعور الذي تُسْتَأنَف قيم ما يسمّيه فلاسفة السيّاسة بحالة الطبيعة؛ السابقة وجوداً للسيّاسة والدولة.

 

الثلاثاء 12 دجنبر 2017./ 25 ربيع الاول 1439 هج.