انتشرت الأحاديث في الآونة الأخيرة وخاصة في الخطاب الإعلامي بل وعقدت الندوات والمؤتمرات عن «تجديد الخطاب الديني» وذلك كوسيلة لمناهضة الإرهاب وحماية الشباب وضمان عدم انزلاقه نحو الجماعات المتطرفة التي استفحل أمرها أخيراً. ودخل كل المتخصصين، وغير المتخصصين، في الموضوع ليدلي بدلوه دون تحديد معنى العبارة «تجديد الخطاب الديني». ماذا يعني «تجديد»؟ وما الفرق بينه وبين «تحديث»؟ وماذا يعني الخطاب؟ وما الفرق بينه وبين القول؟ وماذا يعني الديني؟ هل هو العقائد أم الشعائر؟ وهل هو العبادات أم المعاملات؟ هل هو خطاب العامة أم خطاب الخاصة؟ الخطاب التداولي أم خطاب العلماء؟ وهل هو الخطاب الديني الإعلامي الأكثر تأثيراً على الناس أم الخطاب العلمي الحامل للتراث القديم وعلومه؟ هل هو الخطاب الإعلامي الذي تحول فيه الدين أحياناً إلى «بيزنس»، ينقصه صدق القائل، وتصديق المقول؟ وأحياناً يكون أقل من ذلك، مجرد منافسة بين مذهبين أو طائفتين، وكل منهما تعبير عن عصره.

وإذا كان الخطاب يتكون من ثلاثة مستويات: اللغة، والفكر، والشيء الذي يُشار إليه، فتجديد الخطاب يعني أولاً تجديد اللغة عن طريق الانتقال من جانبها الثابت إلى جانبها المتحرك، من الحقيقة إلى المجاز، ومن الظاهر إلى المؤول من أجل تجنب الوقوع في الحرْفية. وهو ما قام به الفلاسفة من قبل. وبدلاً من التفسير الحرفي للنصوص يمكن التحول إلى فحوى الخطاب. فالخطاب ليس باللفظ وحده ولكن أيضاً بالإشارة. وقد استعملت هذه اللغة في فهم النص الديني.

والخطاب لفظ ومعنى. ومجموعة الألفاظ هي مجموعة المعاني أي الأفكار. فالأجزاء تكوّن الكل. وبظهور الشيء الذي يشير إليه اللفظ تكتمل عناصر القياس الأربعة: الأصل، الفرع، العلة، الحكم. وتُعرف علة الفرع بالتجربة. فإذا ما تشابهت علة الأصل التي تعرف بالاستنباط وعلة الفرع التي تعرف بالاستقراء اكتمل القياس بتعديّة الحكم من الأصل إلى الفرع لتشابه بينهما في العلة، وهكذا يكون تجديد الخطاب الديني، وإعادة تحديد كثير من المعاني عن طريق المنفعة والضرر وفهم المقاصد.

ويكون التجديد عن طريق التركيز على مقاصد الشريعة التي من أجلها وضعت الشريعة. وضع الشريعة ابتداء أي الأسباب الأولى التي من أجلها وضعت. وهي المحافظة على الحياة ضد المرض والانتحار وحوادث الطريق والإعدام. حتى القصاص لا يتم إلا بعد العفو أو الفدية من أهل القتيل. والعقل أي العلم ضد الجهل والأمية. فأول آية في القرآن الكريم تدعو إلى القراءة، والدين أي الحق المطلق الذي لا نسبة فيه. يتطور ثم يكتمل. والعِرض أي الشرف والكرامة وحقوق الإنسان. والمال أي الثروة الوطنية وتنميتها. وهذه المقاصد الشرعية الخمسة متضمنة في الخطاب الديني. وقد سمى القدماء حقوق الإنسان حقوق الآدمي في مقابل تكليفاته، فلا واجبات بلا حقوق. والفكر الديني المسموع يركز على الواجبات دون الحقوق.

ويكون تجديد الخطاب الديني عن طريق انفتاحه على العالم وليس انغلاقه بمزيد من التحريمات. وما لم ينزل فيه حكم بالتحريم يكون على البراءة الأصلية. والخطاب الديني الحالي يبدو لدى البعض وكأنه قائم على التحريم. والحكم الطبيعي هو حكم بالبراءة، فالأشياء في الأصل على الإباحية. والمندوب والمكروه حكمان متروكان لحرية الإنسان، إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل. ولا يوجد حكم بالوجوب إيجاباً أم سلباً إلا اثنان، الواجب والمحرم. وقد يتحول السلب إلى إيجاب في لحظات الضرورة. فالضرورات تبيح المحظورات.

والأحكام الفقهية متعددة لأن الحق متعدد. فلا استبعاد ولا تكفير لأحد. والخطأ له أجر، والصواب له أجران. وتتعدد المذاهب الفقهية دون تكفير أي أحد منها. لا في العقائد ولا في الأحكام الشرعية. واليوم للعصر ضروراته وظواهره مثل بعض الأمور العملية كالحرية والاستقلال والعدالة الاجتماعية. وهذا هو مضمون مقاصد الخطاب الديني وما تحتاجه الأمة. ومضمون الخطاب الديني القديم بالنسبة للعصر مضمون مغترب في بعض الأحيان قد يُستغل للتعمية والتغطية على الواقع الاجتماعي. ولقد أتى الإسلام أول مرة تحولاً في منظومة القيم الاجتماعية مثل العبودية واللامساواة. واليوم إن لم يهتم الخطاب الديني بالمضمون الاجتماعي، الحرية والاستقلال والوحدة والتنمية فإنه قد يصير خطاباً دينياً من غير مضمون عملي، أو قد يكون خطاباً دينياً مغترباً عن العصر. ويكون تجديد الخطاب الديني في هذه الحالة بتجاوز اغترابه عن أحوال العصر.

 

الثلاثاء 12 دجنبر 2017./25 ربيع الاول 1439 هج .