لعله – قرار تأديب حشد من رجال السلطة – التفعيل الإجرائي الجزائي الأول، ذو قوة كبيرة للمفهوم الجديد للسلطة، في تطبيقاته الأكثر ملموسية.

ولعله أيضا نقطة الالتقاء، كما ورد في التعليل المقدم من طرف وزير الداخلية، ما بين الدستور والتفعيل الميداني للمفهوم الجديد للسلطة هذا..عبر ربط المسؤولية بالمحاسبة…
وقد ورد بالتنصيص، في كلام عبد الوافي لفتيت، ترتيب الجزاءات ضد عدد كبير من رجال وأعوان السلطة، من الوالي إلى القائد، حديث واضح عن »تفعيل للمبدأ الدستوري لربط المسؤولية بالمحاسبة في حق كل من ثبت في حقهم تقصير في القيام بواجباتهم ومسؤولياتهم المهنية«، كان من جرائه، أي الترتيب العقابي،» مقترحات إجراءات تأديبية في حق المسؤولين المعنيين…«.

وبالرغم من أن الكلام المباح لا يعلل بأي علاقة سببية بين الريف وبين القرارات المتخذة، فإن الرجة أو الذبذبات العميقة لما كشفته أحداث الحراك، وضعت من جديد المفهوم الجديد للسلطة على عقارب الساعة الراهنة.
ولهذا يبدو لنا أن العقوبات التي اتخذت في حق أزيد من 180 رجل سلطة، بمثابة الفصل الثاني في مسلسل الزلزال الذي أحدثته حركية الريف……

والواضح أن الفصل الأول، تم تنفيذه على مستوى المسؤولية السياسية، فكان منها، ومما أثار دينامية واسعة، في أوساط الرأي العام المتابع للحياة السياسية.. كان فصلا سياسيا بشكل يكاد يكون حصريا..
الفصل الثاني، انتقل بنا إلى ما يتعلق بالحياة الإدارية ..
والإدارة هي الدولة في شكلها المادي، والتعبير الملموس عن وجودها..

(1) لحظة تعيدنا إلى خطاب العرش الأخير والذي ربط فيه الملك بين الإدارة وأعوانها الترابيين وغيرهم، وبين الاستثمار..
وقد كرس فيه الملك خطاب الحقيقة والنقد القوي وهو يتعرض للإدارة والاستثمار وجعلهما محط انتقاد حاد.
ومن فقرات الخطاب التي يحيلنا إليها الجمع بين تقرير جطو حول الاستثمار، والقرارات حول الإدارة كما قالها الملك:

أ-” ضعف الإدارة العمومية (…) على سبيل المثال، فإن المراكز الجهوية للاستثمار تعد، باستثناء مركز أو اثنين، مشكلة وعائقا أمام عملية الاستثمار …

ب – لوضع حد لهذا المشكل، فإن العامل والقائد، والمدير والموظف، والمسؤول الجماعي وغيرهم، مطالبون بالعمل، كأطر القطاع الخاص أو أكثر، وبروح المسؤولية وبطريقة تشرف الإدارة، وتعطي نتائج ملموسة، لأنهم مؤتمنون على مصالح الناس..”.
ليست الصدفة وحدها التي جمعتهم ولا تلاقي خواطر الأجندات.. بل هو التوازي في خدمة المواطن وخدمة المستثمر في الوقت نفسه..وجدلية الترابط في المسؤولية وفي المرفق العمومي..

(2) الاستقبال وما تفرع عنه من قرارات، إذا كان لا يمكن تجاهل سياقه الدستوري الجديد منذ 2011، فإنه يمثل لحظة تعيدنا إلى »الأصل النظري« للسلطة الجديدة، سواء من خلال رسالة 9 يناير 2002. حول ا الاستثمار ومفهومه الجديد المعلن عنه في الدار البيضاء…، والذي وضع فيها ملك البلاد خطوطه العريضة في الخطاب الذي وجهه جلالته يوم 12 أكتوبر 1999 بمدينة الدار البيضاء، إلى مسؤولي الإدارة الترابية وأطر الإدارة المركزية وممثلي المواطنين.

قد لا نجازف بالخطأ إذا سلمنا أن هاته الإجراءات هي الأولى من نوعها، كما ونوعا وأسبابا، منذ إقرار هذا المبدأ.. وإن سبقته عملية إعادة هيكلة وانتشار واسعة، كانت من أكبر عمليات إعادة الانتشار في تاريخ المملكة.
وهو ما يعني أن الأمر أبعد من ..هيكلة أو تغيير في الموارد البشرية بقدر ما صار يتطلب عملية محاسبة تعطي للمسؤولية معنى….

من المحقق أن الأمر لا يرقى في صك الاتهام إلى فساد معلن، لكن من حق البلاد أن تخاف منه، كما قالت تقارير للأمم المتحدة عندما يتعلق الأمر بالدولة وأدواتها:»عندما يأوي بلد ما فساداً مستشرياً يغشى النظام السياسي برمّته ويتستّر عليه، أو عندما يتم الاستيلاء على أدوات عمل الحكومة الأساسية، ما يسفر عن تطويع حقيقي للدولة لأغراض أخرى بما يعود بالمنفعة المادية على عدد قليل من شبكات النخبة. ولذا، يشكّل هذا النوع من الفساد الحادّ مخاطر أمنية من نوع مختلف…..”.

 

الاربعاء 13 دجنبر 2017./ 26 ربيع الاول 1439 هج.