كما وعدت اصدقائي ساتولى تباعا ابتداء من اليوم تدوين بعض الملاحظات التي سجلتها خلال زيارتي الأخيرة للندن، بطريقة تتجاوز المسح الوقاءعي العابر.وابدا اليوم بركاءز السياسة التي شكلت معملا للتماسك الاجتماعي fabric of social cohesion.
في هذا البلد.

الحلقة الأولى :الباص. التغطية الصحية والسكن البلدي.
The bus. The NHS and the council flat.

هذه الركائز الثلاثة كانت على رأس أولويات الحكومة العمالية التي تشكلت إثر الانتخابات التشريعية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وأصبحت من يومها مشتركا سياسيا ومكتسبات قومية لا تتجرأ اية حكومة -أو تحالف حكومي- كيفما كان لونه المساس بها .

.تداول العماليون والمحافظون على الحكم عشر مرات من وقتها .تغيرت السياسات والتوجهات بدواع مذهبية ايديولوجية عقب كل تغير في أغلبيات مجلس العموم الذي تتشكل على أساسه الحكومات لكن هذا socle ،هذا المشترك الكبير يبقى ثابتا يتطور في التفاصيل دون أن يمس البنية العامة المستبطنة بقوة في كل البرامج المعلنة والمطبقة.

وتفصيل هذه الركائز الثلاثة الصانعة للتماسك الاجتماعي في حدوده الدنيا الضرورية والمعقولة هي كما يلي :

الباص :

يرمز الى أولوية ومركزية النقل العمومي بالنسبة لما يسمونه هناك دون عقدة لغوية the working people فات الشعب العاملةولذلك تم الحرص على أن يكون مريحا،نظيفا صالحا و في المتناول. وفوق هذا وذاك أن يربط دون تمييز مجالي بين مختلف أحياء المدينة ،بين ارقاها وأكثرها تواضعا. الخطين 51و18 اللذين كنت استعملهما بكثرة خلال زيارتي نموذجان واضحان عن ذلك. الأول يربط منطقة الولسدين (متواضعة)بمنطقة هيوستن (في مركز المركز).
بذلك لن تشعر عبر وسيلة النقل العام من حيث حالتها ومن حيث خطوط تحركها في المجال باي تمييز مجالي طبقي مهين.
بعد هذا المشترك المعقول والمرشح لا بأس أن يتحرك القادرون أن أرادوا على متن الرولز رويس أو البنتلي أو ما شابههما.

التغطية الصحية :

ويطلق عليه the national health service إوبالتقصير NHS وهو رمز مكتوب على كل سيارات الصحة العمومية الإسعافية بلونها الأصفر المخطط بالأحمر.

استحداث الخدمة الصحية العمومية ؛المعممة والإجبارية التي حررت الشعب العامل من مخافة وقلق المرض كانت من أكبر الإنجازات العمالية في بلد الليبرالية الأول، بلد آدم سميث وريكاردو،بلد دعه يعمل دعه يمر . نظام شامل متقدم يستفيد منه اليوم ملايين الناس دون قيد أو شرط غير الحاجة إليه. زرت مستشفيات منها تلك التي كان يعالج فيها ابن عمي في قلب منطقة Paddington, Saint Mary Hospital ولم أشعر إطلاقا بما استبطنه عقلي المتعود على أن يرادف بين المستشفى العمومي والتدهور والخصاص. هو مستشفي لا يمكن أن تميزه في شيء عن المصحات الخاصة الأكثر تطورا وتجهيزا.
أحد الاصدقاء أكد لي أن كبار الفنانين أجروا عملياتهم الجراحية هناك مقابل عوض تبرره بالطبع وضعيتهم الاجتماعية.

وبعد هذا المشترك الذي يفي بالغرض لا بأس أن يقصد من يشاء من القادرين إلى المصحات الخاصة في هارلي ستريت التي يقصدها أغنياء الخليج للعلاج أن هم أرادوا ذلك أو رفضوا الانتظار في waiting lists.
قوائم الانتظار بالنسبة لبعض العمليات الجراحية المعقدة مثلا .
بذلك تم إرساء الركيزة الثانية الصانعة للتماسك الاجتماعي .

التماسك الاجتماعي :

وناتي إلى الركيزة الثالثة للتماسك الاجتماعي والتي حررت الناس من جشع المضاربين وطمع greed المنعشين العقاريين وملاكي السكن الخاص .ما يسمى هناك بال landlords.

يتعلق الأمر بالسكن الاقتصادي المعروف بال council flats الذي تبنيه وتشرف على اكريته وصيانته وتعهده البلديات بصفة كاملة ومباشرة ..

والمثير للانتباه والجدير بالملاحظة على هذا الصعيد انه يشكل في أقل التقديرات نصف السكن المتاح في البلد وهو موجود مبثوث في كامل التراب الحضري دون تمييز مجالي .على سبيل المثال يستفيد صهري من هذا السكن في منطقة saint Jones wood وهي من أرقى المناطق وأكثرها قربا من الويسط اند في القلب النابض للندن . هذا السكن موجود أيضا على سبيل المثال أيضا بمنطقة ال north Hampstead مكان سكن موظفي السيتي (مركز الأبناك العالمي ) والحي الذي عاشت فيه السيدة تاتشر سنوات طويلة.
بذلك ضمن العماليون ركنا ركينا في سياسة التماسك الاجتماعي .

بعد ذلك لا بأس أن يقصد القادرون أن هم أرادوا السكن الخاص الباهظ التكاليف- اقتناء أو كراء- في ما يسمى لدى السوسيولوجيون الحضريين بال gated communities المجموعات المسورة في منطقة الريشموند الراقية .
بعد المشترك المريح والمعقول لا بأس أن يتنافس القادرون على الرفاه الزائد. فهو لن يربك معمل التماسك الاجتماعي .

وبالنسبة للشعب العامل فإن البلديات تتكفل بدعم المضطرين إلى الكراء في سكن خاص بما لا يرهق كاهلهم ووفق دخلهم .

وانا أقف واصف هذه الرافعات الأساسية للتماسك الاجتماعي تذكرت جون راولز ،الفيلسوف الأمريكي الراحل مجدد نظريات العقد الاجتماعي حينما ميز في كتابه الرائد الصادر في بداية السبعينيات the theory of justice نظرية في العدالة-حينما بين بين الفوارق التي لا تكون مدعاة للشعور بالظلم والمهانة وتلك التي تولد في النفوس هذا الشعور بالظلم والمهانة.

إذا تنقلت في باص مريح يجوب كل مناطق المدينة دون تمييز مجالي وعولجت في مستشفى عمومي بالمجان بتغطية صحية شاملة واستفدت من سكن بلدي لائق ومقدور على تكاليفه (انظر الصورة المرفقة لنموذج عن هذا السكن في حي Ladbroke Grove حيث يسكن أحد اقاربي) إذا استفدت من هذه ال الرافعات فمن المؤكد أنه لن يظيرك أو يحطم معنوياتك أو تشعر بالظلم والغبن أن ترى أحدا يمتطي البينتلي أو آخر يقصد مصحة خاصة للعلاج أو ثالثا يسكن حيا مسورا.

تلك هي الثورة الاجتماعية التي حققتها الحكومة العمالية بعد الحرب العالمية الثانية وأصبحت مشتركا سياسيا ومكسبا متقاسما يتنافس المحافظون والعماليون للمحافظة عليه وتطويره كما نرى خلال جلسات الأسئلة الشفوية في مجلس العموم كل يوم أربعاء.

 

الحلقة القادمة:بريطانيا والبريكست :ماله وما عليه

 

السبت 16 دجنبر  2017./ 28 ربيع الاول 1439هج .