الثقافة نوعان: ثقافة مغطاة بطبقة من الزيف والمصالح ومغطية للواقع الذي تنشأ فيه وساترة عليه، وثقافة كاشفة لهذا الواقع ومميزة له. وهو تعريف الحقيقة عند الفيلسوف مارتن هيدجر. الأولى طريق الغابة الذي تتداخل فيه فروع الأشجار فتحجب الضوء عنه. والثانية وجود فتحة في هذا التشابك للفروع فيدخل منها الضوء الطبيعي وتنير الطريق. فيرى السائر فيه إلى أين يسير. والثقافة المغطاة تعني أيضاً الثقافة المغطّية التي تستبدل بالواقع الحقيقي واقعاً مزيفاً. تستبدل بالأشياء الكلمات، الأشياء التي يشعر بها الناس كالفقر والجوع والعري والمرض، والكلمات التي تفرزها الثقافة المغطية فوق هذه الأشياء بدعوى تفسيرها وشرحها بل وحلها عن قريب كحقن مسكنة ضد آلام العيش مع الأشياء.

والثقافة المغطية هي الثقافة الغطاء التي تتستر على الحقيقة، هي الثقافة التي تفرز كلاماً غير مفهوم، وبالتالي غير مسموع، ولكنه قد يملأ الصحف والمجلات. فلا يرى الناس شيئاً. والمرئي أكثر بلاغة من المسموع. والأشياء أكثر إقناعاً من بدائلها.

والثقافة سواء غطت الواقع لتعمية بعض الناس عنه، أو أنارته وكشفته لوعي الناس به، لها وظيفة. الأولى لتثبيت الواقع الثقافي وعدم تحريكه. فليس في الإمكان أبدع مما كان. والثانية تحريك الواقع إلى ما هو أفضل منه. الأولى تعطي معلومات غزيرة، معلومات عالمة أو حكايات من السير الذاتية. قد تحلل أحدث المؤلفات في الخارج في أحدث الموضوعات المثارة في الخارج مع أسماء أعلام يسمع بها الناس لأول مرة. ولا صلة بين هذه المعلومات والواقع المعيش.

ومعظمها عن الخارج، عظمته وتقدمه وإبداعاته مقابل جهلنا وتقليدنا وتخلفنا! وتتم الترجمة من الآخر إلى الأنا مما قد يعطي الآخر إحساساً بالتفوق والعظمة، ويرسخ في الأنا إحساساً بالتخلف والدونية. فتنشأ عند الآخر عقدة عظمة، وعند الأنا عقدة نقص. ويُصاب الأنا بصدمة حضارية لأنه مهما حاول اللحاق بالآخر عن طريق الترجمة فإنه لن يستطيع لأن معدل إبداع الآخر أسرع بكثير من معدل لحاق الأنا به. فتتسع المسافة بين الاثنين، والأنا يظن أنه يلحق. فيصاب بالصدمة الحضارية. ويقبل وضعه الحتمي في التاريخ.

ولما كان ما يقرب من 40% من شعب مصر أمّياً لا يفهم هذه الثقافة العالمة. فإنه يتجه إلى ثقافته الشعبية التقليدية أو في الأمثال العامية. فالمقصود منها تثقيف الشعب. تهتم بالكم وليس الكيف. تملأ الصفحات بالأحبار، والبرامج التلفزيونية بالحوارات غير المفهومة فيتحول المشاهدون إلى المسلسلات التركية أو الأفلام الهندية. وقد يفقد الإعلام دوره في رفع وعي المواطنين، وإنارتهم بالثقافة التي تعبر عن حاجاتهم. وتكثر الألفاظ المعربة والأسماء الأجنبية وهما من مستلزمات الثقافة العالمة المتعالمة مع بعض صور أصحابها بالشعور والذقون والشوارب، وهي الصور المألوفة في الثقافة الشعبية القديمة التي تبعث على التبجيل والاحترام.

والكل يبكي على غياب الثقافة الناقدة والعقل الناقد. وقد كانت وظيفة العقل، في فترات مختلفة من تاريخ ثقافتنا، تكاد تقتصر على التبرير وليس النقد. فإذا قام أفراد قلة بالنقد فربما اتهموا بالإلحاد وبأنهم لا يعرفون معنى الحداثة، وضد المجتمع المدني. والثقافة المغطاة تبين واجبات المواطنين من دون المطالبة بحقوقهم. والنقد ليس مساساً بالأشخاص بالضرورة، بل هو كشف للأوضاع التي تستحق النقد من منظور عقلاني، موضوعي، لا غير. أما ثقافة الكشف فإنها هي التي تبين أوضاع المحرومين، سكان العشوائيات وسكان المقابر مقارنة بساكني التجمعات والأحياء الجديدة.

 

الاحد 17 دجنبر 2017. /  30 ربيع الاول 1439 هج.