التأم الأسبوع الماضي في أبوظبي المؤتمر السنوي لمنتدى تعزيز السلم بحضور مئات من كبريات الشخصيات السياسية والفكرية والعلمية من مختلف الديانات والجنسيات ، وتداول في هذه الدورة موضوع «السلام العالمي والخوف من الإسلام» في أفق الاستراتيجية التي تبناها المنتدى، منذ تأسيسه برعاية إماراتية كريمة، لمواجهة التطرّف في جذوره الثقافية العميقة، وفي روافده المتعددة.

ومن الجلي أن هذا الموضوع يحيلنا إلى الإشكالات العصية التي تواجهها العلاقات بين المسلمين وغيرهم منذ عقود، بحيث يتعين الإقرار بأن «الإسلام» أصبح مشكلاً كبيراً للعالم نتيجة للتجاوزات والجرائم التي ترتكب ظلماً باسمه، وقد أصبح، أحياناً، صوت الاعتدال والانفتاح ضعيفاً غير مسموع.

ومن هنا أهمية المبادرات التي بلورها المنتدى في السنوات الأربع الأخيرة لبناء خطاب بديل قابل للتواصل مع الآخرين ومهيأ للإسهام في الحوار القيمي الكوني الراهن، دون الانسياق إلى مسلك الخصام والصراع الذي يتلبّس أحياناً بغطاء علمي وبحثي، في حين أنه يعكس هواجس ومصاعب التعايش الديني والمدني في عالم تسمه في كل أرجائه التعددية العقدية والفكرية. ولقد عبر العلامة الشيخ عبدالله بن بية، رئيس المنتدى، عن طبيعة المنهجية المطلوبة حالياً في التعامل مع هذه الإشكالات باستخدام صورة «الإطفاء»، أي اعتماد نموذج «عامل الإطفاء» الذي لا ينحاز ولا يحاكم، بل إن ما يهمه هو إنقاذ الناس وإنهاء الحرائق.

ولا يكفي القول إن الإسلام ليس مسؤولاً عن تنامي الشعور العدائي له في الغرب، وهي حقيقة موضوعية لا غبار عليها، ولا القول إن عموم المسلمين بريئون من الاتهامات الموجهة لهم زوراً – فهم أول ضحايا التطرّف والإرهاب والعنف – بل لا بد من التعاطي مع هذا الواقع الجديد بالمسؤولية الواجبة والفاعلية المطلوبة.

ومن هذا المنظور، تتعين الإشارة إلى أن مقولة «الإسلاموفوبيا» تعني أمرين متمايزين هما من جهة مشاعر الخوف من الإسلام المتنامية في الشارع الغربي كما تفيد الدراسات الميدانية الأخيرة، ومن جهة أخرى العنصرية المتزايدة ضد المسلمين بما يبرز في إجراءات التمييز والإقصاء والنظرة العدائية التي تستند لمحض الاختلاف الديني. والمفهوم الأول يتم التعامل معه بأدوات التواصل والحوار والإبلاغ، والمفهوم الثاني لا بد من مواجهته بأدوات القانون والقيم، باعتباره لا يختلف في شيء عن أنماط العنصرية المجرمة بالتشريعات الدولية، شأنها شأن نزعة العداء للسامية التي تعني النظرة العدائية والتمييزية ضد اليهود.

وفي السنوات الأخيرة، ظهر في الأدبيات الغربية جدل واسع حول مفهوم «الإسلاموفوبيا» الذي رأى فيه البعض حاجزاً مرفوضاً ضد حق نقد الدين الإسلامي على منوال غيره من الديانات، بما يعني حماية «التطرّف الأصولي» وانتهاك مبدأ العلمانية الذي هو مرتكز الحريات العمومية في المجتمعات الديمقراطية (باسكال بروكنز، رمي براغ، ميشال أونفري…).

والحقيقة أن الإسلاموفوبيا لا تعني نقد الدين الإسلامي الذي يعود في تقليده المعرفي إلى العصور الإسلامية الأولى، وقد تعامل معه المسلمون في الغالب بمنطق النقاش والجدل، كما أن النقد الاستشراقي لم ينظر إليه بصفته عنصرية ضد المسلمين، فالإسلاموفوبيا من حيث هي نزعة عنصرية تتلخص في كراهية المسلمين والتمييز ضدهم لمجرد كونهم يعتنقون الإسلام ديانة، بما يتمثل في عدة ظواهر نشير إلى ظاهرتين أساسيتين منها: أولاً: اختزال الإسلام في التصورات الراديكالية العنيفة التي لا تشكل سوى أقلية مرفوضة في التقليد الإسلامي، بما يعني انتهاك المبدأ التأويلي البديهي الذي يعني تجاوز النص لمقاربات فهمه الظرفية وتبني النظرة الجوهرانية الأحادية لمعاني ودلالات الكتب المقدسة التي لم يعد أحد يقول بها بخصوص المدونة اليهودية- المسيحية.

ثانياً: إضفاء الصبغة الإسلامية على الملفات الاجتماعية المترتبة على أوضاع الجاليات المسلمة، في حين أنها تتعلق بإشكالات الاندماج الوطني التي تعرفها أغلب دول العالم راهناً وفق رهانات وإيقاعات متباينة ولا علاقة لها بالدِّين الإسلامي في ذاته. إن النتيجة التي يفضي إليها هذا التصور هي الحكم على المسلمين بعدم القابلية للاندماج في وسطهم الوطني، في حين أنهم في غالبيتهم المطلقة مستوعبون في النسيج الأهلي لبلدانهم مع الاحتفاظ بخصوصياتهم الثقافية المشروعة.

وقبل أشهر حذر الفيلسوف الكندي «تشارلز تايلور» من أن يتحول المسلمون إلى «يهود العصر الحاضر»، معتبراً أن الانزلاق من التحامل الدوغمائي على الدين الإسلامي إلى العنصرية ضد المسلمين يبدو هو الاتجاه المتنامي حالياً في أوروبا والغرب عموماً.

وحسب منتدى تعزيز السلم أنه أراد قطع الطريق أمام المتطرفين من الجهتين، ونجح عملياً في استمالة الوجوه العاقلة والحكيمة من الطرفين.

 

 

الثلاثاء 19 دجنبر 2017./30 ربيع الاول 1439 هج .