منتصف القرن الثامن عشر قررت القيصر كاترين الثانية (بروتستانتية معتدلة) جعل عاصمة روسيا القيصرية (سانت بطرسبورج) مركز إشعاع ثقافي على مستوى العالم. فوطدت جذور بلادها مع عمقها الثقافي المسيحي الأرثوذكسي، واستضافت فى بلاطها كبار المثقفين والفنانين الأوروبيين، على مختلف مذاهبهم ودياناتهم، مسيحية كانت أم مسلمة.
إدراكًا منها لما يمكن أن يمثله تراجع المسيحية في الشرق الأوسط من خسارة ثقافية للأرثوذكسية فى مواجهة ثقافة التعصب السائدة في الدولة العثمانية آنذاك، دخلت الحرب ضد السلطان العثماني، فضمت شبه جزيرة القرم، وحولت البحر الأسود إلى بحر أرثوذكسي، وشرعت فى تحرير سوريا الكبرى، بالاستيلاء على بيروت، ثم أعلنت جملتها الشهيرة أن «سوريا الكبرى» هي مفتاح البيت الروسي.
اتسمت العلاقة بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية بقدر كبير من العداء وحروب امتدت لثلاثة قرون. فسقوط القسطنطينية بيد القياصرة يعني تمددهم من وسط آسيا إلى البلقان، ووصولهم إلى المياه الدافئة (البحر المتوسط) والسيطرة على الأماكن المسيحية المقدسة بفلسطين. بينما ترى بريطانيا فى استمرار الدولة العثمانية (رجل أوروبا المريض) حائط صد منيعًا ضد أطماع روسيا فى التوغل بنفوذها السياسي داخل أوروبا، وكذا حماية مستعمراتها وأمنها فى الهند، لحين تقسيم الدولة العثمانية بما لا يؤثر على التوازن الدولي بين القوى العظمى، بعيدًا عن روسيا.
ولهذا لعبت فرنسا وبريطانيا دورًا فعالًا في دفع عشرات الحروب، التى اندلعت بين روسيا والدولة العثمانية لتحجيم أطماع الأولى وإضعاف كيان ونفوذ الثانية.
منتصف القرن التاسع عشر أجبر القيصر الروسي (نيقولا الأول)، السلطان العثماني، على التراجع عن قرار منح الامتيازات للكاثوليك فى فلسطين بضغوط فرنسية، وتنحية الرهبان الكاثوليك، على أن يصبح الرهبان الأرثوذكس هم أصحاب الكلمة العليا فى الأماكن المقدسة المسيحية بالقدس، بحيث تكون لهم حرية التصرف بمفتاح كنيسة المهد فى بيت لحم، وبالنجم الذي وضعه الأرثوذكس في المكان المفترض لولادة المسيح، وطلب عقد اتفاقية تعلن بوضوح أن جميع المسيحيين فى الديار المقدسة تحت الحماية الروسية.
آنذاك وبمكيدة بريطانية فرنسية اندلعت الحرب بين روسيا والدولة العثمانية فى أوروبا بمنطقة البلقان، حينما احتلت روسيا رومانيا، التابعة للنفوذ العثماني، لحين إقرار السلطان بحقوق الأرثوذ كسي فى كنيسة القيامة بفلسطين. قام الفريقان بحشد قوات ضخمة على جبهات القتال، وعلى جبهتي الدانوب والقوقاز، واستطاع القائد العثماني (عمر باشا) أن يلحق هزيمة كبيرة بالروس على نهر الدانوب، ودخول رومانيا. وفى جبهة القوقاز ساند الزعيم الشيشياني «الإمام شامل» القوات العثمانية.
تحالفت تونس ومصر مع السلطان العثماني فى الحرب ضد روسيا، وتوسع التحالف بعد عامين ليشمل بريطانيا وفرنسا، والذى تمكن من اقتناص القرم من براثن روسيا بعد احتلال دام 80 عامًا منذ كاترين الثانية. وقد أرسل (عباس باشا الأول) والي مصر، أسطولًا بحريًا مكونًا من 12 سفينة حربية وقوات برية قوامها 20 ألف جندي. التاريخ يعيد نفسه بأحداث أكثر غرابة؛ فالرئيس بوتين يسير اليوم على خطى كاترين الثانية، بعد أن ضم القرم سنة  2014، وعادت معها سيفاستوبول، مدينة المجد الروسي، ومقر الأسطول البحري الروسي فى البحر الأسود، إلى البيئة الروسية، وقام بتحرير سوريا عام 2017، لكن ليس من الإمبراطورية العثمانية هذه المرة، بل من براثن جهاديين تقودهم بريطانيا وفرنسا وأمريكا. تعلم بوتين من درس الاتحاد السوفيتي؛ فقد كان من أهم العوامل الاستراتيجية، التى ساعدت على انهياره، إبان الحرب الباردة مع أمريكا، أنه امتلك أقوى الجيوش البرية فى العالم، لكنه لم يمتلك أساطيل بحرية مثل أمريكا، ولذلك نجح القيصر الجديد فى تحقيق حلم كاترين الثانية بالتمدد فى البحر المتوسط (المنطقة الدافئة).
فبعد قاعدة طرطوس البحرية، إرث الاتحاد السوفيتي فى سوريا، تمكن بوتين من تأسيس قاعدة حميميم الجوية فى اللاذقية لأول مرة فى تاريخ القياصرة على المتوسط. وبدأ حلم التمدد على شواطئ ليبيا يراود بوتين مؤخرًا، وربما يجد ضالته فى الاتفاقية المبرمة مع القاهرة، والتى تتيح استخدام البلدين القواعد الجوية لكليهما.
بعد أن تمكن السلاح الروسي من سد الفراغ الاستراتيجي، الذي خلفه قرار أوباما بتجميد التعاون العسكري مع مصر، وهو ما فتح باب المنطقة على مصراعيها لبيع السلاح الروسي من العراق واليمن إلى السعودية والإمارات.
أما تركيا التي دخلت منظومة صراع الحضارات مع أوروبا بعد فشلها فى تنظيم انقلاب عسكرى يطيح بأردوغان، وسحب ألمانيا قواعدها العسكرية من قاعدة إنجرليك التركية (المقر الجنوبي لحلف شمال الأطلسى)، وتجميد طلب عضوية تركيا فى الاتحاد الأوروبى، ودعم أمريكي لانفصال كردى بدولة كردستان الكبرى، فقد تمكن بوتين من استقطاب تركيا للمعسكر الروسي الإيراني القطري بفعل سحر أنابيب الغاز الممتدة لشوارع أوروبا.
وبالتأكيد لن يجد أردوغان أفضل من الانضمام إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (النواة لحلم استعادة نفوذ الاتحاد السوفيتي)، بقيادة روسيا، التي تسعى لتحييد نفوذ أنقرة فى القوقاز، أو على أقل تقدير إيجاد مساحة مشتركة للنفوذ التركي – الروسي على هذه الأراضي، تضمن لكلتا الدولتين مصالحها الجيوسياسية.
فهل تصبح روسيا فى وقتنا الحالى القوة التي تحمي جميع الشعوب الواقعة بين ضفاف البحر الابيض المتوسط، وتصبح رقمًا صحيحًا فى معادلة القدس؟ وهل سينجح القيصر الجديد فى توسيع غرف البيت الروسي (سوريا الكبرى) ويتجاوز أحلام كاترين؟.
الاربعاء 20 دجنبر 2017./ 01 ربيع الثاني 1439 هج