الشاهد الغائب والشهيد الحاضر …عمر بنجلون* بقلم : مصطفى المتوكل الساحلي

 

قال تعالى : (وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون) سورة الزمر

…إنه من الشهداء الذين سيشهدون على ماكان في زمنهم وما تعرضوا له  مع غيرهم من الناس من أجل مستقبل  أفضل  لهذا الوطن ..

إنه من الذين  استشهدوا في سبيل إعلاء راية الحق والعدل والحرية والمعرفة …

إنه من الذين لايخشون في الله لومة لائم ولا لئيم ولا حافد ولا تكفيري …كان مجسدا  للقاعدة الاتحادية الإيمانية ” الإرهاب لايرهبنا , والقتل لايفنينا , وقافلة التحرير تشق طريقها بإصرار”  ..إن خلفيات إختطاف وإغتيال الشهيد المهدي بنبركة هي نفسها بالنسبة لشهيد الطبقة العاملة والاعلام والقوى الوطنية التقدمية عمر بنجلون …

إنهم أرادوا أن يقتلوا المهدي الرمز فاستشهد الجسد وبقيت الروح حية في صدور كل محبيه وكل الوطنيين  الديموقراطيين .. فأصبحنا  كلنا مهدي بقيادة  عمر بنجلون المرشد الصادق ورفاق دربه .. إنهم يريدون  إسكات وإقبار   كل أصحاب وإخوة   ومحبي عمر وكل من إستشهد وضحى على نفس السبيل , طريق حب وعشق الوطن ..انهم يسعون لإرهاب  من تسول له نفسه أن يسير على نهج  رواد الوطنية والتقدمية و الحرية والكرامة سواء كان مصدرها  الوحي  .. أو كان  منبعها من الإنسان الوفي المنحاز للحق والمدافع عن قضايا أخيه الإنسان  على الأرض من أجل أنسنة كل شيئ بأن يتهذب العقل ويتشبع بالمعارف  وتتطهر النفس من كل أشكال التخلف والظلامية والرجعية والكراهية  ..ولتكون الأرض جنة لكل سكان الوطن وخاصة الفقراء والمستضعفين والمظلومين ..

إن  التاريخ الحقيقي الذي يعرفه جيدا المطلعون والمؤرخون  الموضوعيون  يوثق بروعة  لتفاصيل حياة ونضال وتضحيات وصمود وقيادة عمر للقوات الشعبية  ..وإن من “يحرفون الكلم عن مواضعه” ويزورون ويفترون ,  والذين كانوا يخالفونه الرأي أو كانوا ضده و ناصبوه العداء تلزمهم توبة لا كراهية بعدها ,  وعودة إلى الجادة وطهارة كبرى من أفكار أساءت لرسالات السماء واجتهادات وابداعات الإنسان التي طورت المعارف و العلوم    و…

..إن كل من عرف عمر وعاصره  أو قرأ محاضر البحث وملفات محاكماته سيجد نفسه  أمام بطل ومناضل ومثقف ومؤمن كبير قل نظيره إن لم نقل انعدم مثيل مطابق له بعد استشهاده ..وسيقول كل  من كانت في قلبه مثقال ذرة من إيمان بالحق إنه  من الرجال المؤمنين  الذين  صدقوا ما عاهدوا الله عليه ..

إن خطاب الخالق الموجه للناس كافة والمؤمنين خاصة يفسر لنا أن الإختلاف والتدافع الموضوعي  عندما يتحول إلى صراع بغيض , ثم إلى تسلط وتجبر وطغيان وظلم يتسبب في المظالم والإستبداد والإساءة والفتن التي لعن الله موقظها ..

إن ما تعلمناه من التاريخ تعلق الأمر بالجوانب المشرقة فيه أو المظلمة يجعلنا  نفهم معانى الإبتلاء , بوجود الشدة والرخاء ..والنجاح والفشل ..والعدل والظلم ..والنصر والهزيمة ..والعلم والجهل …فتكون كل اجتهادات وتجارب وخبرات  الأمم والحضارات والديانات منارات لنا ..نشهد بوجودها بشهادة من عاشوها ووثقوها ..

قال تعالى : (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) آل عمران 

إن الذين بحثوا عن كل المبررات والتأويلات لقتل  الحسن والحسين رضي الله عنهما  لم يفلحوا في تضليل إلا الذين في قلوبهم مرض ..كما أن في زماننا  شهداء بالحق ومنهم عمر  فشل شهود  الباطل وهم قتلة بنجلون ومن وراءهم في تزييف الحقائق وسيحملون وزر ما فعلوا وما روجوا له ووزر من اعتقد به إلى ان تقوم الساعة  ..

عمر آمن بالحق وناضل وضحى واستشهد من أجله .. والرفاق والاصدقاء الاوفياء لعمر ..الذين عاصروه وعاشروه وناضلوا معه أو الذين سمعوا عن فتوحاته التقدمية الفكرية والنضالية  المحبة للحق والناس أحبوه وأحبوا الأمكنة التي يناضل ويفعل فيها , وجعلوه جزءا من حياتهم يستضيؤون بفكره ونضاله في وقت “الرخاء ” كما في وقت الشدة ..في زمن النهضة كما في زمن الرداءة ..

لقد عانى  الشهيد  من معاول هدم من كان يسعى لتعطيل مساره النضالي نقابيا وسياسيا واعلاميا وحقوقيا منذ أوائل الستينات ..لكنه غادر هذا العالم  فلم يكتب له أن يعيش ليرى معاول الهدم تطال كل شيئ  جميل ومفيد في الاخلاق و السياسة والتربية و…

إن لكل زمن ومرحلة شهودها وشهداؤها  ومنهم المهدي شاهد وعريس شهداء الستينات ..وعمر شاهد وعريس شهداء السبعينات ..ونحن نشهد الله والناس جميعا ان تضحياتهم ونضالهم وعملهم كان كما قال الزعيم والقائد الملهم الراحل عبد الرحيم بوعبيد “…اننا نشعر جميعا باطمئنان على ان ما اسديناه من اجل الوطن ليس هو الكمال ولكن الذي اسديناه خرج من صميم الفؤاد  طاهرا نقيا يريد خذمة الشعب والامة والمصلحة العامة  ”  ونقول كما قال القائد المجاهد سي عبد الرحمن اليوسفي وهو يؤبن بوعبيد  “اننا لجهادك لمواصلون وبما ضحيت من اجله لمتشبثون ولثراتك النضالي  لحافظون “

 قال تعالى ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) سورة الأحزاب

 

تارودانت الخميس  21 دجنبر 2017./ 02 ربيع الثاني 1439 هج.