(1)
إضافة إلى الأسلحة الفتاكة التي حاربت منذ عدة عقود أي إصلاح أو تغيير في الإدارة المغربية، ونعني بها أسلحة البيروقراطية، والرشوة، واستغلال النفوذ، هناك أمراض مزمنة أخرى فتكت / تفتك الجسد الإداري في المغرب، رغم العلاجات المتعددة الصفات التي وصفت لها أو التي واجهتها منذ بداية عهد الاستقلال ( عقد ستينات القرن الماضي) وحتى اليوم.

ومن أخطر هذه الأمراض»المحسوبية» رفيقة استغلال النفوذ في الإدارة المغربية، والتي اتخذت أبعادا مختلفة جعلت منها بوابة أخرى لإفساد الإدارة و قوانينها، يدخل منها الأصدقاء و الأقرباء، فدون ما تجنيه «المحسوبية» في المساحة «الوظيفية» الواسعة، داخل الإدارة من امتيازات معنوية و مادية، تجني امتيازات أخرى، تضاعف في المردودية و التأثير ما تجنيه الإدارة المغربية كاملة في هذه المساحة، إذ يتم توظيف «الكبار» في الإدارة العمومية بالشركات الخاصة التابعة لوصايتها، و في مؤسسات الدولة و الهيئات الدولية السامية للاستفادة من الامتيازات الوظيفية التي «تشرعها» هذه «الشركات» و «الهيئات» ب «انفتاح» كبير على فئة المقربين، و الذين يعيشون في دائرة الضوء.

وإن المتتبع لحالة «المحسوبية» في الإدارة المغربية، انطلاقا من عهد الاستقلال و حتى الآن ، يدرك بسهولة أنها- كالرشوة و البيروقراطية واستغلال النفوذ- اتخذت شكلا بنيويا واكب هذه المرحلة، لتصبح جزء من تاريخها. فالإعلام اتهم / يتهم العديد من «شركات الدولة»، وإدارات مؤسساتها العمومية بأنها تصرف «امتيازات» و «حوافز» لبعض الموظفين و العاملين، بلا داع و بلا معايير، و لا تخدم هدفا محددا و لا ترتبط بإنتاجية أو مردودية، بقدر ما ترتبط ب «الزبونية» التي تلتف حول المدراء و المسؤولين و الوزراء.

وعلى مستوى الإدارة الحكومية، تؤكد العديد من المتابعات الصحفية، إن ما تعرفه وزارة الاقتصاد و المالية و مصالحها الداخلية و الخارجية وحدها من حوافز و امتيازات «لموظفي المحسوبية»، يتجاوز بكثير كثلة الأجور لهذه الوزارة. هناك عددا كبيرا من المسؤوليات التي أحدثت خارج هيكلة هذه الوزارة، بغرض تمكين بعض «المسؤولين» من العلاوات الممنوحة إلى حد أن بعضهم ليست لهم أية مسؤولية في الأسلاك الإدارية.

لقد حولت المحسوبية والزبونية القطاع العام، في مرحلة من مراحل تاريخه إلى عبء على الميزانية العامة، حينما جعلته مصدرا للحصول على الامتيازات والعلاوات و التعويضات من خلال الأجور المرتفعة لذوي المناصب العليا، ومن خلال «التعويضات» الخاصة للأطر الكبرى بالمؤسسات، وأيضا من خلال إهدار المال العام بالنهب.
أن المغرب صرف الملايير من الدراهم لإنشاء قطاع عام ليكون عاملا في التنمية، و لكنه بسبب «الزبونية و المحسوبية، والبيروقراطية والرشوة» أصبح عبئا على الميزانية العامة، كما أصبح قسطا كبيرا منه، على لائحة الخوصصة «الرمزية»… وتلك هي المصيبة / الطامة الكبرى.

(2)
ومن أخطر هذه الأمراض أيضا «الغطرسة» وهي فعل إجرامي آخر، متجذر في الإدارة المغربية حتى النخاع، ومن الناحية التاريخية أصبنا بهذا المرض من البلاد الأوروبية، حيث تسرب إلى مجالاتنا الإدارية والسياسية والاقتصادية، وأصبح «المتغطرسون « يلعبون أوراقهم الفاسدة على ساحة الإدارة والأحزاب والمؤسسات الاقتصادية.

وإذا كانت البلاد الأوروبية قد انتبهت مبكرا إلى خطورة هذا «المرض» / الغطرسة، و إلى تأثيره في السلوكات العامة، فعالجته بالعلم و المعرفة، ومنعت وصوله إلى النخب التي تطمح إلى قيادة التجمعات الإدارية و السياسية و الاقتصادية، و التي تطمح إلى امتلاك القرار السياسي، فإننا على عكس من ذلك، تركنا المجال مفتوحا للإدارة و للمؤسسات المرتبطة بها من أجل انتشار هذا المرض / الغطرسة، و تحويله معولا فاعلا في منظومة الفساد.

فقد عملت الأحزاب و الحركات السياسية و الإدارات العمومية بأوروبا و أمريكا، في وقت مبكر، على مناهضة الغطرسة، و على تأسيس نظريات «النضال السياسي» القائمة على سلامة المناضل العقلية و السلوكية، وسلامة سريرته السياسية من الفساد كما من الاستغلالية و الغطرسة، اذ أبعدت كل مريض نفسي لأسباب خارجية أو داخلية عن العمل الإداري أو السياسي، و عن مراكز المسؤولية والقرار، فأصبحت كل الأمراض غير السوية، كالغطرسة و الاستغلالية و انفصام الشخصية، أمراض محظورة على الإداريين، و السياسيين ورجال القرار و رجال الدولة.

مع الأسف الشديد، أن مرض الغطرسة الخبيث، مازال حاضرا بقوة إلى جانب الأمراض الأخرى بإدارتنا و أحزابنا و كافة مؤسساتنا الفاعلة، فهناك على أرض الواقع، المئات من المصابين الذين»يمارسون غطرستهم داخل المؤسسات الحزبية و النقابية و بالإدارات العمومية على مرأى ومسمع من الجميع دون أن نعتبرهم خطرا علينا أو على مصيرنا الوطني، مع أنهم، هم الخطر نفسه الذي يهدد وجودنا الحضاري و المؤسساتي.

(3)
ومن الأمراض الفتاكة بإدارتنا مرض «الانتهازية»، وهو ظاهرة قديمة جديدة، تواجدت هي الأخرى بكل الفترات بالإدارة المغربية و ترعرعت داخل التجمعات السياسية و الثقافية في تاريخنا القديم كما في تاريخنا الحديث.

وفي القاموس الإداري أو السياسي، تأتي الانتهازية، لتشرح معنى شبه موحد : انتهز الفرصة في إدارتك أو محيطك أو في حزبك أو في نقابتك، كن محتالا أو ندلا أو عديم الأخلاق، فثمة مهارة انتهازية.

وفي كل المجتمعات تنشأ الانتهازية عند بعض الأفراد، نتيجة إصابتهم بكبت دفين، أو بإحباطات معمقة، فنجدها في مجتمع المقهورين والجائعين، و في مجتمع الزعماء و الوزراء والسياسيين و النقابيين على السواء… .

و الانتهازية مرض لا يفرق بين الخاص و العام ، أو بين الأغنياء و الفقراء، ما دام هدفه واحد، وهو الطمع و الشماتة واخذ حق الآخرين بغير حق.

ولأن «الانتهازية» على هذا المستوى من الخطورة، صنفها الفلاسفة و المفكرين و علماء النفس، في درجة الأمراض الفتاكة، التي تتناسل و تتنقل من جيل إلى جيل، ومن فترة إلى فترة، و لكنها في فترات الضعف، وفي فترات الهوان تتوسع وتمتد لتصبح خطرا حقيقيا يهدد الأمة في ثقافتها الوطنية و في سلامتها.

بالنسبة لنا نحن المغاربة، كانت الانتهازية بخطورتها حاضرة باستمرار في إدارة و سلطات الماضي، و مازالت حاضرة معنا في إدارة و سلطات الحاضر، تهددنا بألف سلاح و سلاح.

في الفترة الاستعمارية اللعينة، سلمت «الانتهازية» المغرب و خيراته للمستعمر، وقامت مقامه في المحافظة على مصالحه ورعايتها. سيطرت على مناصب السلطة، سخرت ما تملكه من معرفة و ثقافة و سلطات، لخدمة ورعاية المستعمر و مصالحه و ثقافته.

كانت الانتهازية في الماضي، تحصل مقابل عمالتها للإدارة الاستعمارية على امتيازات بعض الأراضي و الشركات و البنوك و مخازن الأغذية… وكانت تشكل بأموالها الحرام «طبقة الخونة و المتاجرين في الأعراض».

و في الفترة الراهنة، وبعدما سلمت الانتهازية الجديدة نفسها و ضميرها إلى الشيطان، وركبت الممكن و المستحيل من أجل تأمين مصالحها ومكتسباتها القديمة و تحقيق أهدافها و مصالحها و مطامحها و مطامعها، ركبت الأحزاب و الحكومات و النقابات و الحركات و الجمعيات والمنظمات، كما ركبت البنوك و الإدارات و المؤسسات الاقتصادية و الخدماتية لتغذية نهمها وجوعها وغرورها.
و في الفترة الراهنة، كما في الفترة السابقة، حصلت الانتهازية بالتحايل و الفساد وانعدام الضمير على الأراضي و الشركات و الأسهم و الأموال و الامتيازات مقابل الخدمات التي قدمتها / تقدمها للفساد و المفسدين، وللذين لا يريدون للمغرب أن يكون دولة الحق والقانون. ولا أن يكون دولة ذات سيادة، و لا أن يكون وطنا بكرامة.

الانتهازية في الماضي لم تخف وجهها كما لم تخف خيانتها، فقد ارتدت من اجل مصالحها ثياب القواد و الباشوات و الشيوخ و الوسطاء، و باعت ضميرها للشيطان، وتجردت من كل كرامة، لتحقق مكاسبها ولترضي غرورها.

و الانتهازية الجديدة في مغرب اليوم، طورت آلياتها و أساليبها وارتدت كل الأقنعة من أجل تغذية منظومة الفساد و السيطرة على الإدارة العمومية، و على الامتيازات و الأموال، ومن أجل تحويل الفضاء المغربي، إلى مرتع للفساد و المفسدين، بعيد عن الإصلاح وعن روح المواطنة والديمقراطية.

هكذا تحول مرض «الانتهازية» إلى «نظام» في منظومة الفساد، نظام يمد رخص النقل، وسيارات الأجرة، و مساكن الدولة، و الضيعات الفلاحية، و مقالع الرمال، وشواطئ السياحة ورخص الصيد البحري في أعالي البحار، وأملاك الدولة لفئات اجتماعية معينة، أما بحكم موقعها الرمزي، أو بحكم علاقتها أو قربها من السلطة.

وبسبب «هذا النظام» اغتنت الاولغارشيات المحلية، و سيطرت على ثروات و خيرات الأقاليم والجهات، وعطلت مسيرتها التنموية بعدما عبدت لها الطريق لتراكم الأموال، والانتقال بيسر من اقتصاد الريع إلى ريع السياسية لتتبوأ المسؤوليات في الأحزاب و البرلمانات و المجالس المحلية، بعدما عبأت من أجل ذلك الأموال الحرام لشراء الذمم و فساد العمل الديمقراطي و تعطيل فاعليته السياسية و الإنمائية.

إن نظام الانتهازية، وما حصل عليه من امتيازات في نظر الباحثين والمؤرخين، هو عنوان بارز لمرحلة استمرت طويلا في المغرب، ناسجة شبكات عنكبوتية من أصحاب المصالح و اللوبيات، مكرسة لمغرب الميز والتفاوت و الحيف، وليصبح للمخزن اليد الطولى في الرسم و التخطيط لأنجع طريقة لاستنزاف خيرات الوطن، ومنحها لأناس لا يحتاجون لها بقدر ما يحتاجون لنفوذ و سلطة و حماية، ليتحولوا إلى مواطنين فوق القانون. و في مقابل الامتيازات التي تمنح للانتهازيين يصبحون أداة طيعة في يد السلطة، ينفذون أوامرها، مشكلين شبكة من الولاءات و الاستخبارات لها مهام متعددة، لعل أهمها صنع خرائط سياسية على المقاس الذي تريده منظومة الفساد.

(4)

ليست وحدها هذه الأمراض التي تكاثفت ضد سلامة الإدارة المغربية، وحولتها إلى بؤرة منتجة للفساد و المفسدين، في وفت يتعاظم دورها في التنمية. بل هناك أمراض باطنية أخرى، كشف عنها البنك الدولي في تقريره الشهير لعام 1996، ومنها على الخصوص: القصور المؤسساتي والضعف الديمقراطي و انعدام التوازن بين الفئات و الهياكل، وهي الأسباب الأساسية للتعثرات التي عرفتها البنية التقويمية، و ضعف الاستثمارات في البلاد خلال العشرية الأخيرة من القرن الماضي. وكذلك خلال هذه الفترة من الألفية الثالثة، فلهذه الأمراض و الأمراض التي سبق ذكرها تعود مرجعيتها للتخلف والضعف التي تعصف بالإدارة المغربية في الزمن الراهن،حيث أعطى البنك الدولي ومؤسسات عالمية أخرى، وصفا دقيقا لمعاناة المستثمرين مع إدارة تنخرها الأمراض البيروقراطية و الرشوة واستغلال النفوذ والمحسوبية و الغطرسة و الانتهازية و الزبونية وغيرها.

و في نظر العديد من الباحثين والملاحظين والإعلاميين المغاربة، أن القصور المؤسساتي و الأمراض، التي ترهق الجسد الإداري المغربي، لا تعود فقط إلى الأسباب ذات الطابع القانوني ولكنها تعود أساسا لعدم نجاعة الجهاز القانوني، وقلة النصوص الزجرية و تعقيدها.

و تعود هذه الأمراض أيضا في نظر هؤلاء الباحثين ، إلى أسباب أخرى، منها فساد العمل السياسي، الذي يجيز لنفسه استعمال «المال الحرام» من أجل ممارسة السلطة أو التعاطي معها من داخل المؤسسات الإدارية و المؤسسات المنتخبة، ومنها فساد الممارسة الاقتصادية، التي أجازت لنفسها استعمال أسلحة الرشوة للدخول إلى «الأسواق» و»الصفقات» والمعاملات العقارية والسياحية و الصناعية و غيرها.

و في نظر الفقهاء، ورجال الدين و المصلحين المغاربة، أن الأسباب الجوهرية لتفشي هذا القدر المهول من الفساد على الجسد الإداري المغربي، يعود بالدرجة الأولى، إلى تصدع القيم الأخلاقية في المجتمع العام، و انحدار الحس الوطني في تدبير الشأن العام، في ظل تنامي الأنانية و الفردانية و البركماتية وغياب الوازع الديني، بين غالبية المسؤولين و العاملين في الإدارة المغربية.

 

الخميس 28 دجنبر 2017./09 ربيع الثاني 1439.هج