“الترامبية كفلسفة سياسية وتأثيرها على العلاقات الدولية المعاصرة” هو موضوع محاضرة ألقيتها في منتدى العلاقات العربية والدولية في الدوحة هذا الأسبوع. وبدأت بسؤال حيوي:

هل فهم الرأي العام الأمريكي والعالمي -ونحن معهم- حقيقة سرّ نجاح ترامب والمنطق السياسي الذي يستند إليه وإصراره على تجاوز كلّ ما متواتر في السياسة ؟ ، أم أنّنا نسقط عليه أحكام قيمة حالت دون فهم متروّ لعلاقته مع الفكر اليميني المتطرف في الولايات المتحدة؟.

مرّ عامان ونصف عام منذ إعلان ترامب ترشيحه للرّئاسة، وكثيرون يتوقّعون فشله أو تراجعه عن سياساته المثيرة للجدل – إن لم نقل إنها عنصرية وإقصائية – ولا ترى في وجه أمريكا سوى اللون الأبيض، أو انكشاف خيوط الدور الخفي للكرملين في تمهيد الطريق لفوزه بالانتخابات، واحتمال توجيه الاتهام إليه من قبل الكونغرس. تساقط ستّة عشر منهم الواحد تلو الآخر خلال عام 2016، وبقي ترامب الملاكم الوحيد في حلبة الحزب الجمهوري الذي زكّى ترشيحَه المؤتمرُ القوميُ للحزب رسميا في صيف عام 2016 وإنْ كان دخيلا على عالم السياسة ودون رؤية سياسية مفصّلة.

وتضع قرارات ترامب ومواقفه غير الدبلوماسية واشنطن حاليا في مستويات غير مسبوقة من المجازفة بمصالحها الاستراتيجية. وتجعل زعماء العالم غير قادرين على التنبّؤ بما سيفعله لاحقا في ظلّ ميوله إلى الانفعالية والمزاجية وأحيانا تبنّي قرارات متناقضة مع مواقفه المعلنة.

إذن، التحليل العقلاني باردُ المزاج لظاهرة ترامب حسب النظرية السياسية يقتضي الابتعاد عن الأحكام والتقييم لقراراته والاقتراب بدلا من ذلك من النظرية السياسية التي تمنحه الزخم بالتلويح بأنّه المعارض للمؤسّسة السياسية في واشنطن، وأنه سيجفف المستنقع، ويعيد عظمة أمريكا باستخدام القوة كما قال عند إعلان استراتيجيته الجديدة للأمن القومي الأمريكي قبل أسبوع. هناك حاجة لتفكيك الخطاب الترامبي حسب منطلق البحث من الداخل إلى الخارج I قبل تحديد سياق المرجعيات الفلسفية والايديولوجية في اتجاه معاكس من الخارج إلى الداخل.

ركّزت في المحاضرة على أربعة محاور رئيسية:

أولا، الأضلاع النظرية لما يمكن اعتبارها فلسفة سياسية ترامبية حتّى وإنْ بدتْ ارتجالية ومزاجية وأحيانا متضاربة بين موقف وآخر. وقد وصف البعض التصويت لصالح ترامب في انتخابات الرئاسة بمثابة تصويت على “التفاهة والبوقية” Trumpery and Trumpiness كملخّص لسياسة انفعالية ومترنّحة.

ثانيا، استراتيجية التّرويج للترامبية وكيف يهندس ترامب تصوّراته الذاتية ويبني خطابه السّياسي حولها على أنّها واقع قائم، ويبقى السّجال مفتوحا حول علاقته مع الحقيقة واقترابه أحيانا من الأخبار الزائفة fake news.

ثالثا، تأثير هذه الرؤية السياسية الجامحة على مكانة أمريكا في العالم أو ما يعرف ب American exceptionalism أو الاستثناء الأمريكي.

والمحور الرابع هو إلى أيّ حدّ تفرض هذه الترامبية جموحها على العلاقات الدولية المعاصرة وطبيعة المسار الذي يسعى ترامب لتكريسه في التعامل مع الدول الأخرى وفي مقدمتها الدول العربية بين الخليج والمحيط. وأنهيت بتحليل عشر عشر ركائز رئيسية تشكل قوام سياسته الخارجية لترامب إزاء مختلف الدول العربية في المستقبل.

 

الجمعة 29 دجنبر 2017./ 10 ربيع الثاني 1439.هج