اتجه عصيد مؤخرا نحو إسقاط تجربة بن كيران على تجربة التناوب التوافقي التي قادها عبد الرحمن اليوسفي، و هو إسقاط وصل حد تخوين الرجل و اتهامه بخيانة الديموقراطية- أي عبد الرحمن اليوسفي- مستندا على ما سماه بوهم التحالف مع السلطة أو المخزن، و هو تحليل لا يمكن إلا أن نقف عنده بالكثير من التأمل و الكثير من التدقيق، و إذا كانت هناك من خيانة فهي خيانة عقل أحمد عصيد لمنهج التحليل الواقعي المرتكز على الوقائع كما هي و كما حدثت من خلال وضعها في سياقها التاريخي الصرف سواء منه السياسي أو المؤسساتي.

لنطرح السؤال مع عصيد هل ما حرك اليوسفي و معه ” جيش” من المناضلين و الشباب و النقابيين و رجالات الدولة و الحزب، و معه تراكم حركة تحرير شعبية لو كان وهم التحالف مع السلطة هو ما يحركه لما كان تاريخ المغرب بالشكل الذي هو عليه اليوم؟!

لنعد لسنة 1997 بل قبلها من خلال عودة المنفيين و إطلاق سراح المعتقلين السياسيين و خطاب الحسن الثاني عن السكتة القلبية وصولا للانتخابات و دخول القصر في تفاوض مع اليوسفي حول مستقبل المغرب و حول فتح الآفاق نحو الانتقال الديموقراطي السلمي و السلس حول السلطة يجنب البلد الانهيار، و هو لم يكن تحالف بل كان توافق بين القصر و المعارضة ممثلة آنذاك في الاتحاد الاشتراكي بأدرعه وتاريخه و توهجه و تجذره داخل المجتمع في تلك الفترة، كان توافق سياسي حول إنقاذ المغرب و تجنيبه السكتة القلبية التي لو كانت قد حدثت لكان المغرب قد دخل اما في حالة فوضى و انهيار كامل للدولة أو في تجربة استبدادية تعيد مرحلة السبعينات و تحييها.

عصيد و جزء كبير ممن يعتبرون أنفسهم بالمثقفين لولا تجربة الانتقال الديموقراطي و التناوب التوافقي لما وجد مساحة من الحرية اليوم ليقول ما يريد لكانت القوى المتطرفة قد فرضت عليه اعتزال القلم و ” التفكير”.

الوهم الحقيقي هو وهم الاعتقاد أن هامش الحرية الكبير الحالي خاصة حرية الاعتقاد أو المعتقد و حرية عبادة الله او إله باكوش و حرية الكتابة كانت ستحقق لو حرك اليوسفي و من كان معه آنذاك هو وهم التحالف مع السلطة، و لكان متهما هو وأفكاره بالخيانة.
الخيانة الحقيقية هي خيانة التاريخ نفسه و تشويهه أملا في وهم لن يتحقق.
الخيانة الحقيقية هي اختلاق وقائع غير موجودة خدمة لوهم معين.
الخيانة الحقيقية هي تحريف التاريخ و تقديمه للأجيال الحديدة بشكل مشوه.
الخيانة الحقيقية هي الاعتقاد أن التخندق في خندق ضرب الرموز الوطنية- عبد الرحمن اليوسفي- قد يحقق المجد.
الخيانة الحقيقية هي أن يخون المثقف دوره و يقوده وهم الصعود للهاوية.

 

السبت 06 يناير 2018./ 18 ربيع الثاني 1439.هج