بعد‭ ‬أن‭ ‬نجحت‭ ‬ثورة‭ ‬الياسمين‮..‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬ساعدها‭ ‬كي‭ ‬تأتي‭ ‬بالجديد‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬تعرفه‭ ‬الشعوب‭ ‬المعتادة‭ ‬على‭ ‬التنقيب‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬معقول‭ ‬للعيش‮…‬‭ ‬والعيش‭ ‬الكريم‭ ‬إذا‭ ‬أمكن‮!‬

هكذا‭ ‬حصل،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬انتهت‭ ‬كل‭ ‬الاستعصاءات‭ ‬ووجد‭ ‬اليميني‭ ‬واليساري‭ ‬والليبرالي‭ ‬والمتدين‭ ‬والعلماني‭ ‬والملحد،‭ ‬أرضية‭ ‬للتوافق‭ ‬داخل‭ ‬حضن‭ ‬الثورة،‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬الوطن‭ ‬للجميع‭ ‬والحرية‭ ‬للمعتقد،‭ ‬صار‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬الناس‭ ‬أن‭ ‬يعودوا‭ ‬إلى‭ ‬الثورة‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬لكن‭ ‬الفارق‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الثوريين‭ ‬لم‭ ‬يبحثوا‭ ‬عن‭ ‬الاستبداد‭ ‬ليقتلوه‮..‬ولا‭ ‬عن‭ ‬الثورة‭ ‬ليجددوا‭ ‬دماءها‭ ‬ويسخنوا‭ ‬أطرافها‭ ‬بزيت‭ ‬الزيتون‭ ‬البلدي‮..‬ولا‭ ‬عن‭ ‬دولة‭ ‬البوليس‭ ‬ليطعموها‭ ‬شعاراتهم‭ ‬ويفرضون‭ ‬عليها‭ ‬التوبة‭..‬
الثوار‭ ‬اليوم،‭ ‬انصرفوا‭ ‬إلى‭ ‬الحرية،‭ ‬يعزلون‭ ‬تاريخها‭ ‬وينظرون‭ ‬إلى‭ ‬حوَلها‭ ‬المفاجئ‭ ‬وإلى‭ ‬عطبها‭ ‬وتعتعتها‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬إلى‭ ‬شبابها‭ ‬وربما‭ ‬أبنائها‮..‬‭ ‬
في‭ ‬حين‭ ‬عاد‭ ‬الشعب‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬إلى‭ ‬الشارع،‭ ‬ليسأل:لكن‭ ‬أين‭ ‬الرغيف،‭ ‬أليس‭ ‬من‭ ‬حقنا‭ ‬أن‭ ‬نجوع‭ ‬عندما‭ ‬تكمل‭ ‬الثورة‭ ‬شهرها‭ ‬التاسع،‭ ‬وتلد‭ ‬وطنها‭ ‬الجديد،‭ ‬نحن‭ ‬والآخرون‭ ‬معا؟

سمعنا‭ ‬في‭ ‬التفسير‮:‬‭ ‬النخب‭ ‬السياسية‭ ‬لم‭ ‬ترتق‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬التطلعات‭ ‬والانتظارات‭ ‬ولم‭ ‬تلامس‭ ‬المشاغل‭ ‬الحقيقية‭ ‬للناس،‭ ‬لهذا‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬ثورة‭ ‬الحرية‭ ‬والكرامة‭ ‬أهدافها‭ ‬المنشودة‭ ‬‮..‬
وخرج‭ ‬من‭ ‬يصفر‭ ‬‮«‬إنذارا‭ ‬إلى‭ ‬خطورة‭ ‬الفجوة‭ ‬القائمة‭ ‬بين‭ ‬السياسيين‭ ‬والشعب‮»..‬
وليس‭ ‬في‭ ‬التفسير‭ ‬ما‭ ‬يحيلنا‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬الثورة‭ ‬لكي‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إليه‭ ‬العيون‭ ‬اليقظة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬بلد‭ ‬لم‭ ‬يمر‭ ‬بالعاصفة،‭ ‬ويدثر‭ ‬بالألوية‭ ‬الحمراء‮..‬

سمعنا‭ ‬في‭ ‬التفسير‮:‬‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬درس‭ ‬ومراجعة‭ ‬منوال‭ ‬‮-‬أي‭ ‬نموذج‭ ‬‮-‬‭ ‬التنمية،‭ ‬الذي‭ ‬ثبت‭ ‬فشله،‭ ‬وعدم‭ ‬فتح‭ ‬الملفات‭ ‬الهيكلية‭ ‬وإصلاحها‭ ‬لاسيما‭ ‬التشغيل‭ ‬والتعليم‭ ‬والصحة‭ ‬والنقل‭ ‬والصناديق‭ ‬الاجتماعية‮..‬
أقوى‭ ‬نقابة‭ ‬عمالية‭ ‬في‭ ‬خارطة‭ ‬المغرب‭ ‬الكبير‭ ‬ودول‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وربما‭ ‬إفريقيا،‭ ‬عادت‭ ‬إلى‭ ‬الأرض،‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬العمال،‭ ‬لكي‭ ‬ترفع‭ ‬أي‭ ‬لبس‭ ‬بين‭ ‬الغضب‭ ‬وبين‭ ‬الثورة‭ ‬البروليتارية‮..‬
‭ ‬وقال‭ ‬نور‭ ‬الدين‭ ‬الطبوبي،‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للاتحاد‭ ‬التونسي‭ ‬للشغل،‭ ‬‮«‬إنه‭ ‬يرفض‭ ‬كل‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬تحت‭ ‬جنح‭ ‬الظلام‭ ‬والتي‭ ‬تتحول‭ ‬لاعتداء‭ ‬على‭ ‬الممتلكات‭ ‬الخاصة‭ ‬والعامة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬السرقة‭ ‬والنهب‭ ‬والتخريب‮»‬،‭ ‬وأضاف‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬حث‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬على‭ ‬الإعلان‭ ‬الفوري،‭ ‬عن‭ ‬الرفع‭ ‬من‭ ‬الأجر‭ ‬الأدنى‭ ‬ومنح‭ ‬العائلات‭ ‬المعوزة‭ ‬ومعاشات‭ ‬التقاعد‭ ‬الضعيفة،‭ ‬وإيلاء‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬العناية‭ ‬بالشباب‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬المستويات‭.‬
كما‭ ‬دعا‭ ‬الجميع‮«‬‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التعقل‭ ‬نظرا‭ ‬لحجم‭ ‬المسؤولية‭ ‬الموكلة‭ ‬إليها،‭ ‬خاصة‭ ‬خلال‭ ‬الفترات‭ ‬الصعبة،‭ ‬وتغليب‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬منطق‭ ‬المصالح‭ ‬الضيقة،‭ ‬مؤكدا‭ ‬أن‭ ‬الاتحاد‭ ‬لا‭ ‬يدعم‭ ‬الأشخاص‭ ‬بل‭ ‬يدعم‭ ‬الخيارات‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬إضفاء‭ ‬النجاعة‭ ‬والتعامل‭ ‬بحكمة‭ ‬مع‭ ‬القضايا‭ ‬الحارقة،‭ ‬ودعم‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي،‭ ‬واستنباط‭ ‬الحلول،‭ ‬ورسم‭ ‬الآفاق‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬المحيط‭ ‬الخارجي‭ ‬والداخلي‭…‬‮…‬

‬واضح‭ ‬إذن‭ ‬أن‭ ‬العمال‭ ‬اتحدوا‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬يعلنوا‭ ‬عن‭ ‬قيام‭ ‬الساعة‮…‬،‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬دكتاتورية‭ ‬البروليتاريا،‭ ‬كمرحلة‭ ‬متقدمة‭ ‬من‭ ‬مراحل‭ ‬إسقاط‭ ‬البرجوازية‭ ‬المتعفنة‭ ‬والرأسمال‭ ‬التبعي‭ ‬وآخر‭ ‬عملاء‭ ‬الظلامية‭ ‬المتحدين‭ ‬مع‭ ‬الليبرالية‭ ‬المتوحشة‮..‬
أبدا،‭ ‬فقد‭ ‬جاؤوا‭ ‬ليذكروا‭ ‬الجميع‭ ‬بما‭ ‬قد‭ ‬نسمعه‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬بلاد‭ ‬تسير‭ ‬بإيقاعها‭ ‬البطيء‭ ‬حول‭ ‬الحكامة‭ ‬أو‭ ‬حول‭ ‬النجاعة‭ ‬أو‭ ‬حول‭ ‬تدهور‭ ‬الإدارة‮!‬
وخرج‭ ‬نواب‭ ‬الجبهة‭ ‬الشعبية‭ ‬ليفسروا‭ ‬لنا،‭ ‬نحن‭ ‬الذين‭ ‬اعتقدنا‭ ‬بأن‭ ‬الثورة‭ ‬تأتي‭ ‬بأسباب‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الفهم،‭ ‬‮«‬أن‭ ‬الخلاف‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬والتونسيين،‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬قانون‭ ‬المالية‭ ‬2018‭ ‬وما‭ ‬رافقته‭ ‬من‭ ‬إجراءات،‭ ‬لأنه‭ ‬خلاف‭ ‬حول‭ ‬خيارات‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬بالأساس‮»…‬‭.‬
‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬الثورة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ضرورية‭ ‬هنا‭ ‬أيضا‭ ‬لكي‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬حديث‭ ‬يقوله‭ ‬أي‭ ‬قائد‭ ‬دولة‭ ‬عن‭ ‬فشل‭ ‬النموذج‭ ‬التنموي،‭ ‬بدون‭ ‬فتح‭ ‬الباب‭ ‬على‭ ‬مصراع‭ ‬طويل‭ ‬وعريض‭ ‬من‭ ‬الالتباسات‭ ‬الإقليمية‮..‬
الغنوشي‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬التونسيين‭ ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬يتعلمون‭ ‬الديمقراطية‭ ‬ويتدربون‭ ‬عليها‮…‬‭ ‬كدليل،‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يظهر،‭ ‬أن‭ ‬الاستبداد‭ ‬ليس‭ ‬مدرسة‭ ‬لتعلم‭ ‬الديموقراطية‮..‬
‭ ‬وأن‭ ‬الثورة‭ ‬عادة‭ ‬لا‭ ‬تأخذ‭ ‬الوقت‭ ‬الكافي‭ ‬لتلقين‭ ‬الناس،‭ ‬توازن‭ ‬السلط‭ ‬وتدبير‭ ‬الاختلاف‮…!‬
وقد‭ ‬تخشى‭ ‬الثورة،‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬لو‭ ‬خرج‭ ‬الشعب‭ ‬كما‭ ‬أول‭ ‬مرة،‭ ‬من‭ ‬الديموقراطية‭ ‬نفسها‭ ‬من عودة‭ ‬أعدائها‭ ‬ولتعود‭ ‬الثورة‭ ‬المضادة‮..‬
هذا‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬منصف‭ ‬لمرزوقي‭ ‬مباشرة‭ ‬بعد‭ ‬نجاح‭ ‬الديموقراطية‭.‬
‭ ‬فقد‭ ‬عبر‭ ‬المنصف‭ ‬المرزوقي‭ ‬عن‭ ‬خشيته‭ ‬مما‭ ‬أسماه‭ ‬سعى‭ ‬‮”‬الثورة‭ ‬المضادة‮”‬‭ ‬إلى‭ ‬تزوير‭ ‬الانتخابات‭ ‬كما‭ ‬فعلت‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬2014‭ ‬بغاية‭ ‬التمديد‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬حكمها،‭ ‬‮…‬مؤكدا‭ ‬أن‭ ‬حزبه‭ ‬‮-‬‭ ‬أي‭ ‬حزب‭ ‬حراك‭ ‬تونس‭ ‬الإرادة‮-‬‭ ‬‮«‬لن‭ ‬يقبل‭ ‬بذلك‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬وأن‭ ‬المعركة‭ ‬ستكون‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الديمقراطية‭ ‬وتكريس‭ ‬سيادة‭ ‬الشعب‮»‬‭.‬
وشدد‭ ‬المرزوقي‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬ترك‭ ‬البلاد‭ ‬للأجيال‭ ‬الجديدة‭ ‬و«ليس‭ ‬للقوى‭ ‬التي‭ ‬أثبتت‭ ‬فشلها‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬واستحوذت‭ ‬على‭ ‬الثورة‭ ‬وعلى‭ ‬أحلام‭ ‬الجماهير‭ ‬التي‭ ‬قدمت‭ ‬أغلى‭ ‬التضحيات‭. ‬
هي‭ ‬ثلاثية‭ ‬أيضا‭ ‬شديدة‭ ‬الالتباس،‭ ‬تجمع‭ ‬الثورة‭ ‬والديموقراطية‭ ‬عندما‭ ‬تفضيان،‭ ‬معا‭ ‬وجنبا‭ ‬إلى‭ ‬جنب،‭ ‬إلى‭ ‬‮…‬الثورة‭ ‬المضادة‮..‬

لا‭ ‬أحد‭ ‬يسعفه‭ ‬الخيال‭ ‬كي‭ ‬يتولى‭ ‬زمام‭ ‬الأمور،‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬حاضر‭ ‬صعب،‭ ‬رغم‭ ‬ريادة‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬تحرير‭ ‬تونس‭ ‬برمتها‭ ‬من‭ ‬منعرجات‭ ‬الارتكاسة‮!‬
‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الثورة‭ ‬نجحت‭ ‬وأعطت‭ ‬المثال،‭ ‬فهي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬سعة‭ ‬في‭ ‬الخيال‭ ‬لكي‭ ‬تبدع‭ ‬دولة‭ ‬جديدة‭ ‬بقاموس‭ ‬جديد‭ ‬ومشاكل‭ ‬أخرى‭ ‬غير‭ ‬ما‭ ‬يعرفه‭ ‬الثوار‭ ‬قبل‭ ‬نجاحهم‮..‬‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنهم‭ ‬لم‭ ‬يبدعوا‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصله‭ ‬الآخرون‭ ‬بدون‭ ‬ثورة‮:‬
الردة
‭ ‬فشل‭ ‬النموذج‭ ‬التنموي
ضعف‭ ‬النخبة‭ ‬حينا‭ ‬
وخيانتها‭ ‬أحيانا‭ ‬كثيرة‮..‬

الثلاثاء  16يناير 2018./ 28 ربيع الثاني 1439.هج