تلقى الرأي العام الوطني، والهيئات المدافعة عن المال العمومي، بارتياح كبير تقديم الفريق الاشتراكي بمجلس النواب لمقترح قانون لمنع تعدد الأجور والتعويضات في الهيئات الترابية والمهنية المنتخَبَة والمؤسسات الدستورية والإدارية. ولم يكن هذا المقترح وليد موقف ظرفي أو نتيجة حساب سياسي، بل كان نابعا من تنفيذ التزام دأب عليه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من خلال سلسلة من المبادرات الهادفة إلى تخليق الحياة العامة. فحزب القوات الشعبية لم يتوقف عن المساهمة في محاربة المظاهر السلبية، المسيئة للحياة السياسية والحزبية ببلادنا، والمتناقضة مع ما يصبو إليه من مجتمع تسود فيه مبادئ الحكامة الجيدة، وحسن التدبير، وترشيد النفقات العمومية. لذا كان من الطبيعي جدا أن يُبادر الفريق الاشتراكي بمجلس النواب إلى تقديم مقترحات قوانين تصب في هذا الاتجاه.

لقد عمل الفريق الاشتراكي منذ توليه تدبير الشأن العام من خلال حكومة التناوب التوافقي، أو من خلال مساهمته في التدبير الحكومي، أو من موقعه ضمن المعارضة، عمل دائما على الدفاع عن مبادئ تخليق الحياة العامة، سواء من خلال مقترحاته بخصوص إصلاح المنظومة الانتخابية، أو المحافظة على المال العام، أو ترسيخ اللامركزية واللاتمركز. ففي الولاية التشريعية السابقة، ومن موقعه ضمن أحزاب المعارضة آنذاك، قدم الفريق الاشتراكي آلية شاملة لمحاربة الفساد والحد من الهدر الذي يُصيب المال العمومي، من خلال مقترح قانون شامل ومُتكامل حول «هيئة قضايا الدولة». وبقدر ما صفق الجميع للمقترح، بقدر ما تم تجاهله. لكن الفريق الاشتراكي، قام مرة أخرى بتقديمه خلال الولاية التشريعية الحالية، ولا يزال ينتظر جدولته ضمن أشغال مجلس النواب. وبنفس القناعة، تقدم الفريق الاشتراكي بمقترح القانون حول منع تعدد الأجور والتعويضات.

وإذا كان المقترح قد لقي التأييد الواسع، فإن ذلك راجع إلى أهميته ضمن التدابير اللازمة لمحاربة ما يدخل ضمن «الريع الانتخابي»، وذلك وعيا منه بالآثار السلبية المترتبة عن تعدد الأجور والتعويضات عن القيام بأي مهام داخل الهيئات المنتَخَبة بمختلف درجاتها، أو في إطار الهيئات والمجالس المنصوص عليها في الدستور، أو بصدد القيام بوظيفة أو مهمة داخل الإدارات العمومية أو المؤسسات أو المقاولات العمومية أو لصالحها.

إن الاتحاد الاشتراكي، إذ يُسجل إيجابية النقاش الواسع الذي يدور حول المقترح، يعي جيدا أن القوى المستفيدة، والتي لا يُمكنها الإعلان عن معارضتها له علانية، تلجأ إلى التشويش عليه من خلال التستر وراء أطروحات «قانونية» تصف المقترح بأنه غير دستوري باعتبار أنه لا يدخل ضمن صلاحيات مجال التشريع. لذا، فإنه من المفيد هنا أن نشير إلى بعض الملاحظات الأولية التي سنُفصلها في حينه أمام الأجهزة المختصة.

الملاحظة الأولى، هي أن مجال الأجور والتعويضات مجال تشريعي بامتياز وفق قاعدة تواتر عليها العمل التشريعي والتنظيمي تتمثل في أن المشرع يضع المبادئ العامة، ويحيل إلى الحكومة تطبيق هذه المبادئ بنص تنظيمي (مرسوم) لتحديد شروط الاستفادة ومقاديرها. وهذه القاعدة تهم الهيئات المنتخبة والمؤسسات الدستورية والمؤسسات العمومية وحتى نظام الوظيفة العمومية. وبالرجوع لتاريخ وواقع هذا التوزيع للصلاحيات نجد أنه قار وثابت، ولا يحتاج إلى عناء كبير للبرهنة عليه باعتبار القاعدة الراسخة للعلاقة بين القانون والمراسيم؛
الملاحظة الثانية، تتعلق بالآثار المُحتملة لتطبيق مقترح القانون. فالمقترح لم يلغ أي نص تشريعي من المنظومة القانونية والتنظيمية. فمن جهة أولى ليس هناك إلغاء لمقتضيات من القوانين التنظيمية أو القوانين العادية، ومن ناحية ثانية ليس هناك إلغاء للمراسيم الصادرة تطبيقا للنصوص التشريعية.

إن هذه الملاحظة، هي التي ينبغي أن تكون محل النقاش، لأن بعض المتسترين وراء الجوانب الدستورية والقانونية، يروّجون أنه سيتم (في حالة الجماعات الترابية لوحدها) تعديل مقتضيات القوانين التنظيمية الثلاثة بنص تشريعي عادي دون مراعاة تراتبية القوانين!! والحال أنه ليس هناك لا إلغاء لها، ولا تعديل، بل يتعلق الأمر بقواعد قانونية مُستقلة تقوم إلى جانب القواعد القانونية الأخرى. فمبدأ التعويض سيبقى قائما، والمرسوم الصادر لتحديد الاستفادة ومبلغها يبقى قائما، لكن الاستفادة من تعويضات أخرى يتم منحها بنصوص أخرى هي التي يعمل المقترح على الحد منها.

إن هاتين الملاحظتين، تعطيان لمقترح القانون محل المناقشة مصداقية أكيدة، وتطرح على الجميع مناقشة مضمون المقترح، واتخاذ مواقف واضحة منه، بدل اللجوء إلى أساليب الحكم المسبق على مقترح القانون، وكأنه ليس لنا محكمة دستورية أسند إليها الدستور هذه المهمة، والتي تُعد وحدها، صاحبة القرار الذي يُعتبر نهائيا ولا يقبل أي طريقة من طرق المراجعة، اللهم إلا إذا كان الهدف هو “إقبار” المقترح بتحويل النقاش إلى مجال آخر.

إن مقترح القانون ينص بشكل دقيق على منع تعدد الأجور والتعويضات بالنسبة للمجالس والمؤسسات المنتخَبَة، سواء منها الجماعات الترابية أو الغرف المهنية، وكذا أعضاء مجموعة من المؤسسات الدستورية وعلى رأسها أعضاء مجلسي البرلمان، وكذا كل من يتقاضى أجرا من الدولة أو أحد أشخاص القانون العام، أو من المقاولات العمومية. لكن ذلك لا يعني حرمانهم من وسائل العمل بل على المعنيات والمعنيين الاختيار بين الأجور أو التعويضات المتعددة بناء على إحدى الصفات التي يستفيدون على أساسها مع استثناء ما تُقرره النصوص التشريعية والتنظيمية عن استرجاع مصاريف التنقل.

إن هذا التوجه، الذي يُعد من صميم توجه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، نحو دولة الحكامة الرشيدة، يُشكل إحدى الوسائل للقضاء على الريع السياسي، واستغلال المناصب الانتخابية، وتحويل خدمة الصالح لصالح خدمة المصالح الشخصية، ولذا، فإن الفريق الاشتراكي بمجلس النواب كان في مستوى اللحظة التاريخية اللازمة لإرجاع ثقة المواطنين والمواطنات في العملية الانتخابية وفي المؤسسات المنبثقة عنها، وسيبقى دائما في تفاعل إيجابي مع تطلعاتهم.

 

الجمعة 19يناير 2018./ 02جمادى الاولى 1439.هج