شكلت السياسات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية منذ إعلان الحرب على الإرهاب سنة2001 أدوات انهيارها كقطب أوحد، وصاغت هذه السياسات مدارات جديدة تدور خارج الفلك الأمريكي، مع بزوغ قوى صاعدة تعيد تشكيل موازين القوى العالمية وتنهي رواية أحادية القطب وبدأ العد التنازلي في قيادة أمريكا النظام العالمي الجديد، في توقيت تعاني فيه أمريكا من مشاكل الدَّين العام الذي وصل إلى أسوأ معدلاته فى تاريخ الولايات المتحدة خلال السنوات العشر الأخيرة.
فاق الدين العام للولايات المتحدة الأمريكية سنة 2011 حاجز الـ14.750 تريليون دولار، ما يمثل نسبة 99.4% من الناتج المحلي الإجمالي، ولذلك انتهج الرئيس الأمريكي باراك أوباما فى فترة رئاسته الأولى سياسة خارجية أقل كلفة رغم انخراط واشنطن في العديد من الجبهات، فقد انسحب من العراق بحلول سنة 2011، وأعلن الانسحاب تدريجيًا من أفغانستان، بدءًا من منتصف سنة 2014 واعتمد على استراتيجية الحروب بالوكالة في سوريا والعراق وليبيا واليمن دون تدخل عسكري بري يرهق الاقتصاد الأمريكي الذى لا يزال يعاني من الحرب على الإرهاب، واكتفت إدارة أوباما بتعريف محدود لنطاق الحرب عبر برامج الطائرات بدون طيار وبعض الغارات الجوية للطائرات الأمريكية المقاتلة لضرب أهداف محددة في العراق وسوريا، وعمدت الاستراتيجية الأمريكية فى مواجهه تنظيم داعش وجماعات القاعدة في العراق وسوريا وليبيا على أطالة أمد الحرب فهذه البلاد تحولت إلى أكبر سوق مشترٍ للسلاح الأمريكي وكلما طال أمد الحرب، عادت الفائدة على مجمع الصناعات العسكرية الأمريكية المُنفذ الحقيقي لتوجهات اللوبي الصهيوني فى منطقة الشرق الأوسط، فالأسلحة الخفيفة والذخائر والصواريخ المحمولة على الكتف وكاميرات المراقبة الليلية وأجهزة الكشف عن المفرقعات وكاسحات الألغام، كلها أسلحة تحولت إلى سلعة استهلاكية في ” الربيع العبري” كالسلع التموينية المباعة في الدول العربية، ذلك أن دورة رأس المال لهذه المنتجات داخل مجمع الصناعات العسكرية الأمريكية أسرع كثيرًا من دورة رأس المال التي تبيع الطائرات والقطع البحرية وأعلى ربحية منها، ومع ذلك لم يفلح هذا التوجه فى خروج الإدارة الأمريكية من النفق المظلم، فالدين العام قد ارتفع مجددًا بنهاية سنة 2015 إلى 19.824 تريليون دولار بما يناهز نسبة 122.98% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد ومع رحيل أوباما من البيت الأبيض بنهاية سنة 2016 يصل الدين العام إلى 22 تريليون دولار.
ورغم أن أوباما ليس أول من انتهج سياسة خارجية أقل كلفة، فقد سبقه ثلاثة من رؤساء أمريكا من قبل. دوايت أيزنهاور بعد انتهاء الحرب الأهلية الكورية سنة 1953، وريتشارد نيكسون بعد انتهاء حرب فيتنامسنة 1975، وجورج بوش الأب بعد انتهاء الحرب الباردة سنة1991، وهذه السياسات تصوغها مراكز البحث والفكر لتوجيه الكونجرس وإدارة البيت الأبيض بتخفيض الوجود العسكرى الخارجي لصالح تركيز الموارد على الاحتياجات الداخلية.
كانت هذه السياسات أحد أسباب فوز أوباما وأيزنهاور ونيكسون بولاية ثانية، فالشعب يؤيد دائمًا الرؤساء الذين يخرجون بلادهم من حروب عقيمة، لكن أيزنهاور ونيكسون سعيا إلى تحقيق الاستقرار العالمي مع قدر أقل من المشاركة الأمريكية, أما أوباما فقد عمدت سياساته على زعزعة الاستقرار وكرست من الصراعات العرقية والطائفية فى منطقة الشرق الأوسط، وجعلت من افغانستان والعراق وسوريا وليبيا ملاذًا أمنًا للإرهابيين على كوكب الأرض فدفنت المصداقية الأمريكية في نعوش مؤامرة”الربيع العبرى”.
ولأن الفرق كبير بين القوة والقدرة، ما بين القوى العسكرية الأمريكية فى شن معارك عسكرية تلك التي وصفها أوباما في كلمته أمام الأمم المتحدة في شتمبر 2015، بأقوى جيوش العالم وبين القدرة الأمريكية على استخدام هذه القوة بالطرق المثالية، لاستمرار فرض هيمنتها بنفس القوة لكسب الحرب، وهو ما فشلت فيه أمريكا في سوريا ومن قبلها في ليبيا والعراق وأفغانستان.
هذا الفشل أصبح العنوان الرئيسي لمحددات إدارة اوباما في إدارة الأزمات التى يمر بها الشرق الأوسط، فقوة امريكا تنجح فى كسب المعارك عسكريا، ولكنها تقف عاجزة عن تحقيق التنمية الاقتصادية والسياسية داخل المجتمعات المستهدفة فتخسر الحرب، وهو ما أدركه تقرير صادر عن معهد الدراسات الحربية داخل امريكا سنة 2015، إذ حذر المعهد من تراجع قدرة الولايات المتحدة على شن الحروب بكفاءة وأوضح أنه بعد انقضاء نحو 15 سنة على هجمات 11 سبتمبر 2001 برزت على السطح معاناة الولايات من الإعياء لشن الحروب.
ويعتقد فرانسيس فوكوياما في كتابه الصادر عام 2014 بعنوان: «النظام السياسي والاضمحلال السياسي من الثورة الصناعية إلى عولمة الديمقراطية» أن الديمقراطية الأمريكية تعاني من إشكاليات جوهرية، فالطبقة الوسطى بالمجتمع الأمريكي تكاد تتآكل، وتتزايد حالة الصراع الداخلي مع الأزمات التي يشهدها النظام الأمريكي منذ الأزمة المالية العالمية في أواخر سنة 2008، واقتناع السواد الأعظم من الشعب الأمريكي بأن الحكومات الأمريكية أصبحت لا تمثلهم التمثيل الحقيقي، بل إنها تعمل لصالحها ولصالح جماعات الضغط التى تساندها في مواجهة خصومهم من الأطراف السياسية المعارِضة لها. ويتوقع فوكوياما فى نهاية كتابه أن النظام الأمريكي بوضعه الحالي ينطلق بسرعة نحو الاضمحلال.
كما سعى معهد أبحاث السياسة الخارجية الأمريكى  للإجابة عن سؤال يتبلور فى أروقة النخب الفكرية الأمريكية حول مستقبل الولايات المتحدة الغامض، كان أهمهم بيتر تورتشين أستاذ العلوم الطبيعية والرياضيات في جامعة كونتيكت إذ يرى المؤرخ الأمريكي أن كل عصبية أو حضارة تحمل فى طياتها بذور سقوطها، لافتًا النظر إلى أن الولايات المتحدة مقبلة على اضطرابات أهلية كبرى وعنف سياسي في زمن ما مع نهاية العقد الحالي.
وفى النهاية تمحورت سياسات الأسد العجوز في قيادة العالم وإدارة الأزمات حول دبلوماسية المفاوضات بين الدول، والمصالحة بين الفرقاء، والتأكيد على عدم الانخراط في عمليات كبيرة لمكافحة الإرهاب أو إعادة بناء الدول أو شن عمليات طويلة الأجل لبسط الاستقرار. وهي منهجية حينما يتبعها القطب الأوحد في العالم، فهذا يعني أن الأسد قد عجز وأصبح غير قادر على قيادة الغابة وفرض نفوذه فيبدأ في الانسحاب تدريجيًا لصالح من هو أجدر منه مرغمًا وليس متفضّلًا، فلم يعد لديه المزيد من أوراق اللعب ولم تعد الغابة بحاجة إليه. وفي صياغة أخرى البحث عن حليف جديد أفضل من الولايات المتحدة هو ما يدور فى خلد قيادات دول المنطقة الآن خاصة مع ظهور أقطاب جديدة يمكن أن تفرض رؤيتها الأصلية على العالم في غضون عقدين قادمين، وبالتأكيد هي جمهورية روسيا الاتحادية وجمهورية الصين الشعبية التي نجحت تماما فى اجهاض مساعي أوباما لتحجيم وجودها وسيطرتها على بحر الصين الشرقي والجنوبي، وبدأ المارد الأصفر الإعلان عنه نفسه عام 2013 والانفتاح على العالم بالحزام الاقتصادي وطريق الحرير بمشاركة 62 دولة حول العالم.
الجمعة 19 يناير 2018./02 جمادى الاولى 1439.هج