لاحظ كثيرون أن المأزق العربي الراهن لم يولد ردة فعل فكرية حقيقية لتفسيره ونقده واستكشاف سبل تجاوزه، بالمقارنة مع لحظات مفصلية مماثلة سابقة مثل انهيار الخلافة العثمانية (1924) وتقسيم فلسطين (1947) وهزيمة 1967. في المحطة الأولى تولد نقاش عارم حول طبيعة الدولة في الإسلام في مرجعياتها الفقهية والسياسية وشكل كتاب «علي عبد الرازق» المعروف «الإسلام وأصول الحكم» علامة مهمة في تلك الديناميكية. وفي المحطة الثانية برزت الصياغات الأولى للفكر القومي العربي في نزوعه الانبعاثي والنهضوي لدى ميشال عفلق وساطع الحصري. وفي المحطة الثالثة، برزت الكتابات النقدية الغزيرة ذات التوجه الفلسفي والاجتماعي مثل كتاب «الأيديولوجيا العربية» لعبد الله العروي علامة دالة في هذا المنحى.

لا شيء من ذلك يلوح في الأفق حاليا رغم فداحة الخطب: دول كبرى انهارت كلياً، تطرف عنيف يُقوّض السلم الأهلي في المجتمعات ويشوه صورة الدين، تآكل الفكرة القومية واستفحال مخاطر التأجيج الطائفي والاختراق الخارجي بما يعنيه من تدمير جذري لمفهوم الأمن الإقليمي العربي.

قد تكون الإجابة التي تتبادر إلى الذهن أن عصر المفكرين وصانعي الأيديولوجيا قد انتهت، وأن هؤلاء فشلوا في السابق في توجيه مجتمعاتهم وقيادتها، بل يذهب بعضهم إلى تحميلهم جانباً من المسؤولية التاريخية في خلق النماذج التسلطية التي حكمت البلدان العربية باسم الفكرة القومية أو المثل الثورية التحديثية. ليست محاكمة المثقفين العرب بالجديدة، فلقد كتب «العروي» منذ بداية السبعينيات حول «أزمة المثقف العربي»، ووجه الجابري نقداً عنيفاً لل«خطاب العربي المعاصر» في بداية الثمانينيّات وكتب الكثيرون إبان التسعينيات عن نهاية «المثقف الداعية»، أو «المثقف الطليعي».. ما نعيشه راهناً ليس كما يبدو لنا مجرد تحول في نموذج المثقف على غرار ما حدث في المجتمعات الغربية التي انتقلت من نموذج «المثقف العضوي» بالمفهوم الجرامشي (أي المفكر الذي يدير الوعي الجماعي ويقود حركة التغيير)، إلى «المثقف المتخصص» بمفهوم «ميشل فوكو»، الذي يكتفي بالتوثيق الإشكالي للخطابات والممارسات الاجتماعية دون نزوع تنويري أو تغييري.

المثقف العربي يعاني اليوم من أزمة ثنائية حادة تشل دوره النظري والمجتمعي: مظهرها الأول يكمن في اختلال المجال العمومي، الذي هو السياق الذي يمارس فيه دوره المجتمعي، وهو مجال له صلة عضوية بالدولة. فإذا كان الفيلسوف الألماني «كانط» ربط حركة التنوير بالاستخدام العمومي للعقل، فيمكن القول حالياً إن شروط هذا الاستخدام في المجتمع العربي مفقودة بما يفسح المجال لصوت دعاة العصبية الطائفية والفتنة الأهلية الذين هم أقدر على التجاوب مع الحالة المأساوية الراهنة.

أما المظهر الثاني، فيبدو جلياً في عقم أدوات التشخيص والبناء النظرية التي لم تواكب التغيرات الكبرى في الحقل الفلسفي والإنساني العالمي، بما نلمسه بوضوح في التعامل المنهجي مع ما سمي بأحداث «الربيع العربي» الأخيرة التي نظر إليها على نطاق واسع من منظور «الثورات السياسية والاجتماعية»، الكبرى التي عرفتها أوروبا وأميركا في القرن الثامن عشر، دون اعتبار للمعطيات المتعلقة بتركيبة المجتمعات العربية وهندسة النظم السياسية القائمة وتجارب الانتقال السياسي في العالم، وهي موضوعات ظهرت فيها أعمال علمية غزيرة مجهولة إلى حد بعيد للمثقف العربي، الذي وقف محبطاً حائراً بعد فشل الخباز «الثوري» الذي تحمس له وراهن عليه.

في سياق مشروعه التجديدي، دعا المفكر المصري «حسن حنفي» من قبل إلى نموذج «المفكرين الأحرار» (على غرار الضباط الأحرار) وتصورهم نموذجاً مركباً من المثقف القومي الثوري حسب صورة الفيلسوف الألماني «فيشته» ولاهوتيي التحرير الذين ظهروا في الأوساط المسيحية في أميركا اللاتينية. ما نلاحظه اليوم هو أن «المفكر الحر» قاد بنجاح حركة التغيير الديمقراطي في أوروبا الشرقية، وأن «راهب التحرير» قاد بنجاح الرهان التنويري في أميركا اللاتينية، في حين فشل خيار تحالف المثقف والضابط الذي راهن عليه داعية التغيير العربي (اشتهر بهذه النظرية أنور عبد الملك).

الجديد في الأمر هو اختفاء صوت المثقف في اللحظة الراهنة وضآلة الإنتاج الفكري الساعي لفهم تفسير المأزق العربي المتفاقم، مما يعني عجز المثقف عن فهم ديناميكية التحول وضبط إيقاعها ومن هنا شعوره المتزايد بالإحباط واليأس.

 

الاحد 21 يناير 2018./ 04جمادى الاولى 1439 .هج