تعتبر حقوق الإنسان وحقوق الشعوب أحد الثوابت في حياة البشر وهو تنويع آخر على الحرية والعدل. فأول حق للإنسان هو: حرية الإيمان، وحرية الفكر، وحرية التعبير، وحرية الحركة، وحرية العمل.. وباختصار جميع الحريات المدنية. فالإنسان بريء حتى تثبت إدانته، والمساواة في الحقوق والواجبات أمام القانون، ولا تشمل العقوبات التعذيب والإكراه البدني أو النفسي. وحتى لا يبقى مفهوم الحق على أساس فردي مطلق تتحول حقوق الإنسان إلى حقوق الشعوب، حق كل الشعوب في تقرير مصيرها، وفي الاستقلال والسيطرة على ثرواتها القومية، وفي المساواة مع باقي الشعوب في المنظمات الدولية، وحقها في العيش بسلام مع الشعوب الأخرى دون عدوان أو تهديد.

وإذا كان الغرب قد أعطى العالمَ حقوق الإنسان، فإن العالم الثالث أعطى العالم حقوق الشعب. ثم توالت الحقوق، مثل حقوق الطفل، وحقوق المرأة، وحقوق المسنين، وحقوق اللاجئين، وحقوق الملونين، وحقوق الأقليات، وحقوق العاطلين، وحقوق المهمشين. ثم انتقل مفهوم الحق من الإنسان، فرداً وجماعة، إلى البيئة والطبيعة: حماية البيئة من التلوث والطبيعة من سوء الاستغلال ومن التصحر.

وفي عصرنا تحديات ومتطلبات يتفق عليها الجميع كمشروع عملي وأهداف قومية حتى ولو اختلفت المناهج في تفسير النص وتعددت المداخل إلى فهم الدين.

وأول المتطلبات بالنسبة للشعوب تحرير الأرض من الاحتلال المباشر، كما هو في فلسطين. وثانيها تحرير الإنسان الفرد ضد صنوف القهر والمنع والرقابة والأحكام العرفية والقوانين الاستثنائية وزوار الليل، وتأكيد حقه في الرأي والرأي الآخر. وثالثها العدالة الاجتماعية وتقليل الفوارق على المستويات الوطنية والعالمية. أما الرابع فهو وحدة الأمة ضد مخاطر التجزئة على أسس عرقية أو طائفية أو دينية (فقد تفككت دولة الخلافة إلى قوميات بعد هزيمة الدولة العثمانية عام 1918، ثم انهارت القومية العربية بعد هزيمة 1967 لحساب الدولة القطْرية، والآن تتفتت الدولة القطرية إلى أعراق وطوائف أمام إمبراطوريات جديدة). والخامس هو التنمية المستقلة من خلال التجمعات الإقليمية، والاعتماد المتبادل في مواجهة العولمة لحماية الصناعات الوطنية وتدعيم الاستقلال الوطني. يليه السادس وهو الدفاع عن الهوية ضد مظاهر التغريب، وسيادة القيم الرأسمالية من خلال القنوات الفضائية بدعوى «العالم قرية واحدة». أما السابع والأخير فهو شحذ همم الناس وتحويل الكم السكاني الهائل إلى كيف سياسي واقتصادي واجتماعي فعال ومنتج ومؤثر.

والثابت أيضاً هو روح العصر وروح التاريخ وروح البشر أو الإنسانية. فلكل عصر روح تلتف حوله كل الفرق المذهبية والأحزاب السياسية والقوى الوطنية، كنوع من الإجماع الوطني حول القضايا الأساسية. فالدين تعبير عن روح العصر ومتطلبات المرحلة التاريخية. وكل مذهب أو فرقة أو طائفة إنما كانت تعبيرا عن روح عصرها. ومع روح العصر يأتي روح التاريخ. فالتاريخ يمر بمراحل. وكل مرحلة لها روحها، إحياء الآداب القديمة في القرن الرابع عشر، والإصلاح الديني في القرن الخامس عشر، والنهضة الأوروبية في القرن السادس عشر، والعقلانية في القرن السابع عشر، والتنوير في القرن الثامن عشر، والفلسفة الوضعية في القرن التاسع عشر، والوجودية والبرجماتية في القرن التاسع عشر، تبعتها التفكيكية وما بعد الحداثة في العقود الماضية.

روح التاريخ هي التقدم المستمر الذي قد ينكص ثم يعود للتقدم مجدداً. وهناك أيضا روح الإنسانية وهي الروح التي تسري عبر العصور ومراحل التاريخ.

إنها الثوابت التي اجتمعت عليها الإنسانية عبر العصور والتي خلدتها الأمثال العامية وسير الأبطال، وقصص الحب. ففي كل حضارة هناك سقراط، وسبارتاكوس، وروميو وجولييت.. إلخ. وفي كل حضارة هناك شهيد للحرية، وشهيد للحب الرومانسي، وشهيد للإنسانية. فالنضال هو روح الإنسانية، والمقاومة أداته. فقد خُلق الإنسان ليكد في الأرض ويسعى فيها: «يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه»، وذلك لتحقيق رسالته في الأرض أي تعميرها وإكمالها: «أفحسبتم أننا خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون».

 

الاحد 21 يناير 2018./ 04 جمادى الاولى 1439.هج