من الواضح أن الظروف التي تَمُرّ منها البشرية، في هذين العقدين من القرن الواحد والعشرين، تتميز بتراجع نسبي للإيديولوجيات الاشتراكية، في مواجهة تيار العولمة الجارف، الذي خلق نوعاً من الارتباك، على مختلف المستويات، حيث ذابت الحدود أمام الرأسمال، وانتصر مبدأ التبادل الحر، وتطورت الاستثمارات العابرة للقارات، وهيمنت المؤسسات المالية الوطنية و الدولية، وتنامت سطوة التكنولوجيات الحديثة، وانتشر نموذج «عالمي» في كل أنماط الاستهلاك… الأمر الذي طرح على هذه الإيديولوجيات الاشتراكية تحديات، لم تتمكن من معالجتها بنجاح، في أغلب التجارب.

وقد انعكس هذا الوضع على مكانة الأحزاب الاشتراكية في العالم، حيث تراجع البعض منها، خاصة في فرنسا وإسبانيا وألمانيا، وهو نفس الوضع الذي يعرفه عدد من الأحزاب الاشتراكية في العالم العربي، مع تصاعد تأثير الإيديولوجيات الأصولية، من جهة، وطغيان أجهزة الدولة، من جهة أخرى.

غير أن هذه الصورة القاتمة ليست قٓدٓرًا محتوما على الاشتراكيين، فأزمتهم داخلية، أكثر منها خارجية، لأن قياداتهم انساقت مع النموذج الذي روجته الرأسمالية، التي تنعت بالمتوحشة، فقدمت تنازلات تلو أخرى، إلى أن تماهت معها، في الكثير من الأحيان، ففقدت هويتها وقاعدتها الشعبية.

لم يكن التحدي سهلا،لأن العولمة خلقت واقعاً معقدًا لكل الحركات التي تناضل من أجل العدالة الاجتماعية، كما أنها أفسحت المجال للتيارات الشعبوية، يمينية ويسارية ودينية وقومية، لتحتل مكانة هذه الحركات وتستقطب الفئات التي كانت تشكل قاعدتها، سابقا.

ليست هذه هي المرة الأولى، التي تحدث فيها أزمات من هذا النوع للحركات الاشتراكية، غير أن السبيل لتجاوز ذلك، كان هو التشبث بالمبادئ، مع الاجتهاد الفكري، الذي يعتبر المنارة التي يمكن أن تخترق حجب الضباب الكثيف، الذي خلفته العولمة، وبدون الفكر والعقل والاجتهاد، ستظل قيادات هذه الأحزاب الاشتراكية، تراوح مكانها، وتجتر الأزمة، وتسير في العمى والظلام الذي ساد الفكر والمجتمع.

على مستوىً موازِ، لا يمكن استرجاع قاعدة الأحزاب الاشتراكية، بدون العودة للأصل، أي لإشكالية التصنيف الطبقي، الذي يميز بين المستفيدين من الوضع السائد والذين يعانون من هذا الوضع، فالعدالة الاجتماعية، في شموليتها وجذريتها، هي المدخل لاسترداد النفوذ الشعبي، الذي كان يميز اليسار، قبل آفات العولمة.

 

الثلاثاء 23 يناير 2018./ 06 جمادى الاولى 1439. هج