صاغت الدراسة خارطة طريق لإنشاء شبكات من المسلمين المعتدلين استنادًا إلى الخبرة المكتسبَة من الحرب الباردة، والأبحاث السابقة لمؤسسة (راند) وأكدت الدراسة أن إنشاء شبكات إسلامية معتدلة يجب أن يكون هو الهدف الرئيسي لبرنامج الإدارة الأمريكية. حيث وضعت آليات لتنفيذ المشروع منحازة لتيار الإسلام الراديكالي كما وصفتها الدراسة لتكوين هذه الشبكة بصفة هذا التيار ورغم قلة عدده بالمقارنة بالمسلمين المعتدلين إلا انه يمتلك قدرات عالية من حيث قوة وانتشار وتأثير التنظيم في العديد من بلدان العالم الإسلامي ويمتلك من الموارد المالية اللازمة لانشاء تلك الشبكات بنفسه.
هذه الدراسة والتوصيات التي خرجت بها مؤسسة راند، بعد تحليل عميق،والتي لا تدعوا مجال للشك ان مصر أمام مؤامرة تحاك ضدها، تحاول تفتيت التجربة الناجحة التي فككت الاتحاد السوفياتي ونقلها إلى قلب القاهرة بنفس آلياتها التي تعتمد على نشر الديمقراطية كندموذج علاج من خلال إنشاء شبكة ضخمة من الإسلاميين  الراديكاليين بعد اعادة توصيفهم داخل الدراسة في مفارقة عجيبة بجماعة الإخوان المسلمين المعتدلين، رغم تصنيف هذه الجماعة في السبعينيات كتيار راديكالي حينما وقع الاختيار عليه للانضمام إلى شبكة الإصلاحيين التى قامت بتفكيك المجتمعات السوفيتية  آبان الحرب الباردة ، وعلى الرغم من كل الأبحاث والتقارير التي صدرت عن مراكز مكافحة الإرهاب داخل الولايات المتحدة الأمريكية منذ عقود، والتي تتحدث عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وكيف خرج من رحم هذه التنظيم جميع التنظيمات الجهادية والإرهابية بخلاف الارتباط الوثيق بين تنظيم القاعدة وعلاقته الروحية بسيد قطب.
إلا أن الدراسة المكونة من 15 صفحة لمجلة الشئون الخارجية الأمريكية “الفورين أفيرز” بعدد مارس- أبريل 2007 بعنوان: “الإخوان المسلمون المعتدلون” قد حلت هذه الإشكالية. إذ ترى الدراسة ضرورة عدم وضع التيارات الإسلامية جميعها فى سلة واحدة. وخلصت إلى أن الإخوان هم القوى الأقرب والأنسب، ويجب على واشنطن ان تباشر الحوار معهم لخدمة أبعادًا إستراتيجية مهمة.
دراسة الفورين آفيرز هذه أوصى جاريد كوهين على صفحته الخاصة بشبكة التواصل الاجتماعي بإعادة قراءتها في 7 فبراير 2011، وقبل رحيل الرئيس الأسبق مبارك عن الحكم بأربعة أيام،هي في واقع الأمر تطبيق لإستراتيجية مجموعة الأزمات الدولية ومؤسسة راند البحثية.
ويبدوا أن مساعي أوعية الفكر الأمريكية لم تجن ثمارها بعد.
وبدأ الغضب من نظام مبارك والعزم على التخلص منه قد بدا يطفو على السطح، فها هي المجموعة الدولية للأزمات تعود إلينا مجددا في يونيو2008  بتوصيات جديدة تحت عنوان: “الإخوان المسلمون في مصر المواجهة أو الاندماج” وقد جاء فيه ما نصه:
إنه ليس من المحتمل أن يتم الاعتراف بحزب تابع للإخوان والرئيس مبارك ما زال في السلطة، بل الأرجح أن يتأجّل هذا الأمر إلى ما بعد التغيير الرئاسي. ويبدوا أن أوباما قد حزم أمره في زيارته للقاهرة يوليوز 2009، متسترا تحت عنوان الشراكة مع العالم الإسلامي ومن جامعة القاهرة بحضور 10 من قيادات جماعة الإخوان المحظورة،على رأسهم الدكتور سعد الكتاتني. استخدم أوباما المفردات اللغوية لأسلحة حروب الجيل الرابع، حروب الأفكار التي تتحدث عن المساواة وحقوق الإنسان والمواطنة وقيم الديمقراطية وحرية التعبير. تلك المفردات التي يدرك خونة الأوطان والمأجورون جيدًا كيف يتم تسكينها في لغة خطابه تستهدف أمن واستقرارالوطن، حيث قال أوباما في هذا الشأن: لا يوجد طريق سهل ومستقيم لتلبية هذا الوعد.
استخدام اوباما لعبارة “تلبية الوعد” لم تأتِ من فراغ، إذا ما علمنا أن هناك خطابًا تم إرساله إلى البيت الأبيض مخاطبًا أوباما في ماي 2009، أي قبل شهرين من خطابه التاريخي بالقاهرة، مذيّلا بتوقيعات تجاوزت حاجز مائتي توقيع من منظمات ومؤسسات عالمية معنيّة بنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان ومن نشطاء ونخبة وأصحاب مراكز بحث من شتى بلدان العالم العربي ومن مصر كان  سعد الدين إبراهيم – مُنى الطحاوي-  داليا زيادة – طارق حِجِّي – عمر عفيفي-   شادي طلعت – أحمد صلاح – شريف منصور . وفى خطوة جديدة من خطوات الاستقواء بالخارج طالب هؤلاء  الرئيس الأمريكي بالتدخل في منطقة الشرق الأوسط بالمزيد من الضغط السياسي والاقتصادي على حكّام المنطقة من أجل حقوق الإنسان.
بدأت ملامح شبكة الإسلام المعتدل التى أوصت بها مؤسسة راند تتشكل، ويشتد عودها رويدا رويدا. ويمكننا أن نرى آليات تنفيذ مشروع 25 يناير من خلال محور دعم جماعة الإخوان في مصر سواء بالدعم الدولي السابق سرده  او بالدعم الفني لهم عبر محاضرات أكاديمية التغيير التي تأسست بلندن عام 2006 ثم فُتح لها فرع بالدوحة عام 2008 لتدريب شباب الإخوان على كتالوج الثورات لميكافيلي حرب اللاعنف وجنرال العصيان المدني جين شارب تحت إدارة هشام مرسي صهر القرضاوي مفتي التنظيم الدولي للإخوان. ولكن ماذا عن المحور الثاني من هذه الشبكة والتي يغلب عليه الإيديولوجية الليبرالية، مجموعات الاصلاحيين وحركات التمرد كفاية – 6إبريل – اشتراكيين ثوريين – شباب الأحزاب الليبرالية ، وقد دخلوا في تحالف استراتيجي مع منظمات المجتمع المدني بالداخل، ومؤسسات نشر الديمقراطية بالخارج، فهؤلاء يشكلون بالنسبة لامريكا خلايا عنقودية حين تتكاثر تصبح كل منها بؤرة نشر إعلامي لو جمع كل منهم 500 متأثرٍ لجمعت أمريكا حول أهدافها في القاهرة نصف مليون متظاهر تستطيع أن تفرض بها سياساتها على مصر.
خرجت حركة كفاية عام 2004-2005 من رحم جماعة الإخوان كواجهة ليبرالية في الشارع المصري، ويمكننا أن نقرأ في هذا الصدد دراسة أعدها الفورين آفيرز بعدد مارس 2007 تقول: أن أحد قادة التيارات الإصلاحية في مصر قال لنا: لا يتم الإصلاح إلا إذا عمل الإسلاميون مع سائر القوى الأخرى، بما فيها العلمانيون والليبراليون، وقد وجدتْ هذه التيارات مساحة جيدة للعمل تحت سقف حركة كفاية المصرية، والتي تحتضن إلى جانب الإخوان المسلمين مجموعات من العلمانيين الليبراليين الوطنيين واليساريين. هذه الفقرة من الدراسة يعضضها بحث للجيوسياسي ويليام إنجدال بعنوان “الثورة المصرية – التدمير الخلاق لشرق أوسط كبير”. يؤكد ان حركة كفاية تم تأسيسها داخل منزل القيادي الإخواني ابو العلا ماضي، وذهب إنجدال لأبعد من ذلك حينما قدم وثيقة رسمية تؤكد ان حركة كفاية تعمل تحت رعاية مكتب وزير الدفاع وهيئة الأركان المشتركة الأمريكية.
ومن كفاية لحركة 6 إبريل التى خرجت من رحم اضطرابات المحلة عام 2008 بفعل فاعل وقد عملت السفيرة الأمريكية في القاهرة مارجريت سكوبي كمنسقة داخلية لفض النزاعات الناشئة بين التيار الإسلامي والتيار الليبرالى داخل الحركة وقد وقف اعضائها على اعتاب التسول للمنظمات الدولية من آجل حفنة دولارات.
كانت منظمة فريدوم هاوس والذي يغلب على هيكلها الوظيفي اسماء عديدة عملت في السابق داخل وكالات الاستخبارات الأمريكية والبنتاجون قد ضربت بجذورها الشارع السياسي المصري وتمكنت عبر وكلائها من جذب المئات من الشباب المصري للانضمام إلى ادبيات الديمقراطية المزعومة ولاحظ هنا اسم المنظمة “بيت الحرية” كنوع من البرمجة اللغوية العصبية، فبالتأكيد مريدي هذا المنظمة يسعون للحرية والتخلص من العبودية التى اقنعهم بها جيمس وولزي لذلك يجب علينا أن نتوقف كثيرًا أمام هؤلاء الشباب وأغلبيتهم حديثي السن، عديمي الخبرة، وعادة يكونون من محدودي الدخل والذين يتم انتقاؤهم بعناية فائقة. وهنا نستمع إلى رأي قائدهم الأعلى بيتر آكرمان في منتجع بمدينة المونتريال، عندما قامت الصحافة بسؤاله عن شخصية هؤلاء أو جنسيتهم، أجاب آكرمان: لا أستطيع أن أصرح مَن هم، ولكن فكر في أكبر عشرين متسكعًا في العالم ويمكنك أن تخمّن….
“يتبع”
الاربعاء 24 يناير 2018./ 07 جمادى الاولى 1439.هج