الراحلون الخالدون لا ولن ينقطع عملهم في كل المجالات و الفنون و الواجهات النضالية وفي كل الحقب …فإذا كانت كل شعوب العالم الواعية بأهمية تاريخها وتراثها ورجالاتها ونسائها الذين بصموا مجتمعهم بما يميزهم ويوثق ويثمن  وجودهم …فإن  عوالم شمال افريقيا  مازالت تتأرجح بين الإحتفاء بالماضي بصيغ خاصة وبين طي صفحات من التاريخ المشرق بجعل الأضواء خافتة وتخفت وسط ميوعة ثقافية واعلامية وتواصلية أمام ” جوتابل” نفايات و متلاشيات إسهال الإنتاج البشري البئيس الذي يسمونه تعسفا فكرا أو فنا أو… حيث يصبح المجاهيل “أعلاما” بطريقة مخدومة تذكرنا بتزوير نتائج الإنتخابات بهدف صنع كائنات سياسوية  لإيهام الذين يسعون إلى إبعادهم من وعن ضوابط التحصين والمناعة وبناء الذاث , أي المقومات الوطنية والشخصية المستقلة والصادقة , والمعرفة المتنورة…

ومن هنا نسائل القوى الحية كما نسائل الدولة لماذا لم يظهرفي العقود الأخيرة  أمثال أجيال الرواد والعباقرة والزعماء والمفكرين الذين أعطوا للوطن في الداخل وعلى الصعيد العالمي المكانة المتميزة ,  وكانوا مدارس ومنارات عرف بهم المغرب وعرفت بهم عندنا أمم وحضارات من مختلف بقاع العالم , كما أن كتاباتهم واجتهادهم  وطروحاتهم خذمت النضال  الديموقراطي والعدالة الاجتماعية  على الصعيد العالمي ..؟

إننا لاننتقص من قيمة أسماء موجودة في عالم الفكر والسياسة ولكنهم هم أنفسهم يعرفون مكانة هؤلاء وعطاءهم وتضحياتهم , ويعرفون تميز وكفاءة وأفضلية  هؤلاء والتي لن ينازعهم أو يشكك فيهم إلا جاهل أو حقود , إن إعتقاد ووهم القطع مع الماضي دليل مفحم على استمرار حضور أساتذة البشرية في الرسالات والمعارف والنضال …ودليل على وجود  “فوبيا”الخوف من تلاشي وانمحاء المسيئين والمتجاهلين من فضاءات كل ما هو جميل وسقوطهم في متاهات النسيان حتى ينسوا  أنفسهم …

إن الفرسان قد تتعبهم السنون والمحن والإنكسارات وحتى الإنتصارات ..ولكن لا تضعف عزيمتهم وإرادتهم وتفاؤلهم وعطاءاتهم .. فإلى جانب  الآثار الإيجابية والطيبة المتميزة قد تكون بعض الآثار السلبية ..و أعقل الناس من يتمالك نفسه وهواه ولا يسقط في متاهات الغرور  , و اعتقاد تلبس وحلول العظمة بالذات , و لا ينزلق مع الإنزعاج والغضب والإنفعال الملازم …

ومن عجائب الأمور التي يهملها البعض الإعتقاد بأن الحركة والتفكير الفردي لايحتاج إلى أي شيئ من الواقع ولا من المحيط الحي ..وأنه – اي الفرد – هو منبع “خلق وصناعة ” الفكر والكلام  والعمل  من العدم  و اللاشيئ ..فيأمر نفسه الأمارة بالسوء   ليكون لها ما تريد وما يرغب فيه ..

إن هناك فرقا كبيرا بين نظرية تطور الأنواع  والإنتقاء الطبيعي لها.. وبين فساد تطور أنواع من العقول والذي يحصل بفساد النوايا والمناهج والترويج والتبني  للأفكار المنحطة , , لهذا يقال بانه في أوقات الأزمات والإخفاقات والتراجعات تطفو وتظهر على السطح كل التفاهات والقاذورات من الكلام والكتابات والإنتاجات ,  وأشباه القرارات , كما الإمعات والطفيليات والعوالق التي لاتترك ماكانا إلا وجثمت وانحشرت في ثناياه  ..

إن المنتج  الكبير للأزمات هي السياسات الفاشلة التي تحشر معها الفهم غير السوي للدين في البرامج والمناهج والشروح  لتعطل بذلك العقول  وتشكل وتطور الوعي عند الناس ولتجعله ضحية للجهل المركب …

إن الإستعمار والإستبداد وسياساتهما التي تتخذ أشكالا وصورا مختلفة  هما وجهان لعملة الإفساد السياسي وحتى التشريعي وآلية خطيرة متخصصة في قلب القيم وتسطيح الأخلاق وتحريفها ..وبذلك المنهج حورب واعتقل وجرم وعذب وأعدم ونفي الآلاف من الوطنيين والوطنيات في العديد من الدول التي أنهكها الدخلاء الاجانب , وهذا حال وواقع اخوتنا بفلسطين المحتلة والمستعمرة ..كل هذا وغيره من التجاوزات والخروقات وجرائم الدول يتم باسم” القانون” وبغطاء ” العدالة” …

 

إن الحق والعدالة تقدم على النصوص الوضعية وأحيانا  غيرها الشرائع , كما أن سعادة الناس واستقرارهم وطمانينتهم هي جوهر التشريع وليس الإخضاع والتحكم الذي تتغير معاييره وآلياته بتغير الأمزجة والنصوص …

إن مذهب “الجبرية” في السياسة الحديثة مناقض أيضا لقيم العدل والمنطق السليم  , فإن أرادوا الوضع وضعوا وإن أرادوا الرفع رفعوا .. ووضعهم ورفعهم لاخير فيه للكثير من الناس , ولاتمتد آثاره إلا و تخلف نذوبا وشروخا  في جسد الأفراد والمؤسسات والسياسات …

كما أن ” القدرية” في السياسات يسقطون عمدا  أو جهلا في عدم تقدير المسؤولية الفردية والإختيارات والأعمال الصادرة عنهم ,  فيرون أنها عندما يتعلق الأمر بالحكومات   أنها من القدر الذي  لامفر منه وأن ذلك من إرادة السماء  , وكان  واضعيها لاياتيهم الباطل ولا الخطا في كل الأحوال لا من أمامهم ولا من خلفهم  , وكأن أمر الإنسان  كله عجب  إن “أصابه” خير أو حتى إن رآه أو علم بأخباره “شكر ” , وإن أصابه غير ذلك  , أو ازداد فقره وخصاصه وضعفه “صبر” لأن ذلك ” ابتلاء؟؟؟ “…

ويندرج بين هذين الصنفين من يلبس النصوص مالا تحتمل من تأويلات , أو يضع معها ما يحمل نقيضها ليجعل من نيته المضمرة والتي تكون مشبعة بحقد مذهبي أو سياسي مرجعا في التطاول على الناس والإساءة أليهم ,  همهم هو إشباع انحرافهم وعقدهم النفسية التي إن دخلت أي مجتمع أو نظام حكم إلا وعاثت  في البنيات تفكيكا وإفسادا …

لهذا لا يجوز الترويج للأحلام والأوهام .. ولا يصح جرجرة الناس في متاهات وعود سياسوية  التي لاتزيدهم إلا نفورا ويأسا في انتظار الذي لايأتي ولا يصل  كما حكي عنه ..

إن العنصر البشري بالمجتمع والدولة يحتاج إلى الشفافية والوضوح والصدقية ,  وله الحق في معرفة  المعلومات المتعلقة بأحوال بلده واقتصاده , وملابسات ظروف عيشه وثروات بلده , والجوانب المنيرة حقا  والسلبية فعلا وحتى الخطيرة ..ليكون على بينة واستعداد كامل للتعامل مع الواقع و النتائج المفترضة  لكل السياسات في جميع القطاعات وهو في كامل وعيه وفهمه وبمقتضى إرادته …

ان العمل الانساني والسياسي لايلتقي والتمييز العرقي والديني والايديولوجي ..ويصبح في جوهره وظاهره عند العامة ضررا قائما لاثقة في المتعاطي لهما والمشتغل بهما …

فاذا قال شيشرون ” في الحرب تصمت القوانين ” فان في السياسات الفاسدة تصمت  الحقائق وتتكلس الإرادات الحسنة والطيبة …

لقد سن السابقون الأخيار والفضلاء لشعوبهم سننا  حسنة وأفضالا وأخلاقا , وأنتجوا لهم ثروات معنوية وثراثا لاماديا , ولهم بذلك الأجر الوفير والشكر الأكبر والإحترام التام وسيذكرون بالخير إلى أن تقوم الساعة …ومن السابقين من سن سننا سيئة بسياسات سيئة مازالت نتائجها تؤثر في الواقع يكون عليهم وزرها ووزر انعكاساتها السلبية مادامت سياساتهم تفعل الأفاعيل المكروهة والمحرمة  وتضر بمصالح واستقرار وكرامة الناس …

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ . وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ) .

 

شيشرون ..خطيب وسياسي وأديب  ومحام روماني كبير(106ـ 43 ق.م)
(*) في ذكرى تاسيس الحركة الاتحادية (الاتحاد الوطني/ الاتحاد الاشتراكي )25 يناير 1959.