بما ان الخصومة من لوازم الطبيعة البشرية فان الشريعة الاسلامية اهتمت بالقضاء و امرت بالعدل نظرا لما للقضاء من خطورة على الحياة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية ، و قد ورد ذكر ألقسطاس و الذي يعتبر مرادفا للعدل و مناقضا للظلم المحرم بالإطلاق – و قد ورد في القرآن الكريم خمسة و عشرون آية و كلها تتعلق بالقسط  كما ورد ذكر العدل في العديد من الآيات لا مجال لذكرها جميعا في هذه المقال كما ان السيرة النبوية اهتمت بالعدل دون الكلام عن سيرة الخلفاء الراشدين و من جاء من بعدهم .

و كان الحكم في عهد الرسول (ص) يتم من خلال القرآن ومن خلال سننه . قال تعالى  : ( إنا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك و لا تكن للخائنين خصيما ، فالحكم لله عز جلاله و هو خير الحاكمين )الاية 105 من سورة النساء . و قال تعالى ( ان الحكم إلا لله يقص الحق و هو خير الفاصلين ) الاية 56 من سورة الانعام . كما قال ( و الله يحكم و لا معقب لحكمه و هو سريع الحساب) الاية 41 من سورة الرعد . و قال ايضا  ( يا  داوود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ) الاية 42 من سورة المائدة  .

و ملخص القول انه كان ينظر للقضاء نظرة دينية صرفة : لقوله تعالى ( و ان حكمت فاحكم بينهم بالقسط ان الله يحب المقسطين ) الحجرات  .( و اذا حكمتم بين الناس فاحكموا بالعدل ) النساء ،(  وان الله يأمر بالعدل و الاحسان ) النحل ، (  و يا ايها الذين امنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط و لا يجرمنكم شنأن قوم على الا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى ان الله خبير بما تعلمون ) الاية 8 من سورة المائدة .

اما بالنسبة للسلطات الثلاث ( التشريعية – التنفيذية – القضائية ) كانت في بداية عهد الاسلام شبه مجتمعة في يد الرسول (ص) باعتبار ان الله سبحانه كان يوحي اليه بالآيات القرآنية . و ان الولاية الكبرى كانت له من البارئ عز وجل الذي قال : ( فلا و ربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدون في انفسهم حرجا فيما قضيت و سلموا تسليما )  .الاية 65 من سورة النساء .

و كان صلى الله عليه و سلم يحرص كل الحرص على اقامة العدل بين الناس و هي وظيفة تقلدها حتى قبل ظهور الاسلام حيث كان اهل قريش يحكمونه فيما ينشأ بينهم من خلافات حتى سمي بالأمين . و قال رسول (ص) عن الله عز  جلاله انه قال : ( يا عبادي اني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا ) . حديث قدسي .

و الواقع ان القضاء و لو كان على احسن وجه لا يمكنه ان يقضي على الشعور بالظلم لان العدل اذا كان مجرد تصور فان الظلم يبقى شعورا ومن من البشر  لم يشعر في يوم من الايام بالظلم ؟ .و على القضاء ان يكون عادلا حتى لا يكون الشعور بالظلم مرتين و تنعدم المصداقية في القضاء و من تم في المجتمع .

و كان صلى الله عليه و سلم احرص على العدل من اي شيء اخر . و جاء في كتاب سنن النسائي : ” افكان يتعود من درك الشقاء و شماتة الاعداء و سوء القضاء ” فعن الامام مالك ابن انس عن الرسول (ص) قال : ( انما انا بشر ، و انكم تختصمون الي ، فلعل بعضكم ان يكون الحن بحجة من بعض فاقضي له على نحو ما اسمع منه . فمن قضيت له بشيء من حق اخيه فلا يأخذ منه شيئا فإنما اقطع له قطعة من النار ) عن موطأ الامام مالك 1410 .

و مع توسع رقعة الاسلام كان لا بد من تعيين قضاة للفصل بين الناس . و قد تم تعيين هؤلاء حتى بالمدينة المنورة حيث كان يقيم الرسول (ص) . كما تم تعيين قضاة خارج المدينة المنورة ، فعن عمر بن عوف عن شريك عن سماك عن حنش عن علي قال : ابعتني رسول الله (ص) الى اليمن قاضيا فقلت : يا رسول الله ترسلني و انا حديث السن و لا علم لي بالقضاء فقال مما جاء في كتاب سنن ابي داوود : ( ان الله سيهدي قلبك و يثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الاخر كما سمعت من الاول فانه اخزى ان يتبين لك القضاء ) .كما كان صلى الله عليه و سلم يوجه القضاة كقوله : ( لا يحكم احد بين اتنين و هو غضبان ، وان خيركم احسنكم قضاءا ، و ان امن ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين ، و ان قاضيان في النار و قاض في الجنة ، و ان اعدل ساعة خير من عبادة ستين سنة . ( ان القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاضي في الجنة ، قاضي عرف الحق و قضى بخلافته فهو من اهل النار وقاضي قضى للناس عن جهل فهو من اهل النار و قاض عرف الحق فاتبعه فهو من اهل الجنة ) حديث صحيح .

و كان نظام الحكم يقوم عند العرب على حصر سلطات الحكم بالإمامة الكبرى او بالخليفة . قال ابو بكر الصديق رضي الله عنه في اول خطبة له  : الضعيف عندكم قوي عندي حتى اخذ الحق له و القوي فيكم ضعيف عندي حتى اخذ الحق منه ان شاء الله .

و كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه – المشهور برسالته لابي موسى الاشعري والي البصرة – هو اول من فصل القضاء عن الولاية العامة و جعله مستقلا بنفسه و وضع اول دستور لسلوك القاضــي .   و قد عرف استقلال القضاء اجل تجلياته في عهد عمر ابن عبد العزيز الذي يروي عنه انه عندما ولي الخلافة جاءه وفد من اهالي سمرقند وشكا له قائده قتيبة بن مسلم الباهلي بأنه دخل بلدهم سمرقند مع جيشه قبل ان يوجه لهم الانذار حسب قواعد الاسلام فكتب عمر الى عامله في العراق ان ينصب لهم قاضيا فنصب لهم جميع بن حاضر الباجي الذي سمع شكواهم فسمع و حاكمهم مع القائد قتيبة و حكم بخروج المسلمين من سمرقند و ان يعود اهلها الى حصورهم . و خضع القائد العظيم و جيشه الذي فتح القارة الاسيوية و اخضع ملوك الصين ، خضع لحكم جميع و هم المسلمين بالانسحاب . إلا ان اهل سمرقند  لما رأوا بان الامر جد و انهم لم يشهدوا عدلا مثل هذا العدل قالوا مرحبا بكم سمعنا و اطعنا . و يروى كذلك بان احد ولاة الخليفة عمر بن عبد العزيز كتب اليه بطلب مالا لتحصين المدينة فكتب اليه عمر قائلا : ( حصنها بالعدل ونق طريقها من الظلم ) .

و يجب التذكير بأنه لا مجال لمقارنة القضاء و استقلال القضاء في عهد الرسول و عهد الخلفاء الراشدين و ما اتى من بعدهم مع الفكر الليبرالي الغربي الذي برز في القرن الثامن عشر مع مونتيسكيو صاحب نظرية تقسيم السلطات الى سلطة تشريعية تضع القوانين و سلطة تنفيذية تنفد القوانين و سلطة قضائية تفصل في النزاعات على ضوء القوانين .

و قد اوضح مونتيسكيو بأنه لا ديمقراطية الا بتقسيم السلطات الثلاثة و ان اي تسلط على اخرى لا يؤدي إلا الى الديكتاتورية . و قد كانت نظرية مونتيسكيو هي الحافز على اندلاع الثورة الفرنسية لسنة 1789 رغم ان صاحب النظرية توفي سنة 1755 . بعد ذلك جاءت المواثيق الدولية التي التزم المغرب باحترامها :

و جاء في ديباجة الدستور المغربي الصادر في 7 اكتوبر 1996 تنص على ان المملكة المغربية و ادراكا منها لضرورة ادراج عملها في اطار المنظمات الدولية تتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيق هذه المنظمات من مبادئ و حقوق و واجبات و تؤكد تشبثها بحقوق الانسان كما هي متعارف عليها عالميا . و تنص ديباجة ميثاق الامم المتحدة للإعلان العالمي لحقوق الانسان المؤرخ في 10 دجنبر 1948 على ان تجاهل حقوق الانسان و ازدراؤها قد افضيا الى اعمال اثارت بربريتها الميز الانساني و ان من الاساسي ان تتمتع حقوق الانسان بحماية النظام القانوني اذا اريد للبشر ان لا يضطروا اخر الامر الى التمرد على الطغيان و الاضطهاد به كما تنص المادة العاشرة على ان الكل انسان على قدم المساواة التامة مع الاخرين ، الحق في ان تنظر قضيته محكمة مستقلة و نزيهة نظرا منصفا و علنا للفصل في حقوقه و التزاماته و في اية تهمة توجه اليه . كما ان الفصلين 14 و 15 من المعاهدة الدولية الخاصة بالحقوق المدنية و السياسية المؤرخة في 16 فبراير 1966 اولت نفس الاهتمام لموضوع استقلال القضاء و المحاكمة العادلة . كما ان المؤتمر السابع للأمم المتحدة لمنع الجريمة و معاملة المجرمين المنعقد بميلانو في 26 غشت 1985 اقر مبادئ اساسية بشأن استقلال السلطة القضائية من بينها ان الدولة تكفل استقلال السلطة القضائية و ينص على دلك دستور البلد و قوانينه و انه من واجب جميع المؤسسات الحكومية و غيرها من المؤسسات احترام و مراعاة استقلال السلطة القضائية . و تفصل هذه الاخيرة في المسائل المعروضة عليها دون تحيز على اساس الوقائع و وفقا للقانون ، و دون  تقييدات او تأثيرات غير سليمة ، او اي اغراءات او تهديدات او تدخلات مباشرة من اي كان او لأي سبب . و اعتمد المجلس الاقتصادي و الاجتماعي للأمم المتحدة قواعد التطبيق الفعلي للمبادئ الاساسية المتعلقة باستقلال القضاء التي صادقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1989 .كما اعتمد مؤتمر الامم المتحدة الثامن لمنع الجريمة و معاملة المجرمين المنعقد في هافانا من 27 غشت الى 7 شتمبر 1990 المبادئ التوجيهية بشأن اعضاء النيابة العامة و المتمثلة في ضمان و تعزيز فعالية اعضاء النيابة العامة و حيادهم و عدالتهم في الاجراءات الجنائية .

اما اتحاد المحامين العرب فقد اولى مسألة استقلال القضاء و استقلال المحاماة اهتماما خاصا اذ انطلق مما قرره قانونه الاساسي من العمل على تأمين استقلال القضاء و المحاماة فاختار لمؤتمره الرابع عشر المنعقد عام 1980 في الرباط عنوان استقلال المحاماة ضمانة اساسية لحق الدفاع ، و اسس الاتحاد من بين لجانه لجنة لاستقلال المحاماة  و القضاء جرى اعادت تنظيمها كلجنة دائمة على توصية المكتب الدائم للاتحاد المنعقد بالدار البيضاء عام 1990 ، و اجرت اللجنة دراسة لواقع المحاماة و القضاء في البلدان العربية من خلال الاستبيان الذي وجهه الاتحاد في شهر فبراير 1991 الى جميع نقابات المحامين في الوطن العربي تضمن الاستيضاح عن مظاهر و واقع استقلال المحاماة و القضاء في الاقطار العربية ، و يكرس الاتحاد من بين اعماله بندا خاصا لمتابعة هذا الموضوع كما يوليه الاهتمام في صحافته حيت ينشر بشكل متواصل الأبحات و الدراسات المتعلقة بهذا الموضوع .

و عقد المركز العربي لاستقلال القضاء و المحاماة مؤتمره الثامن بالقاهرة ، في الفترة ما بين  21 و 24 فبراير 2003 تحت شعار دعم و تعزيز استقلال القضاء . و لا حظ المشاركون ان القضاء المستقل هو الركيزة الاساسية لضمان الحريات العامة و حقوق الانسان و لمسيرة التنمية الشاملة و اصلاح نظم التجارة و الاستثمار و التعاون التجاري بين البلدان العربية و الدول الاخرى ، و بناء صرح المؤسسات الديمقراطية . كما لاحظ المشاركون بان السبب الرئيسي لعدم استقلال القضاء في غالبية البلدان العربية هو غياب فكرة المؤسسة و لا سيما المؤسسة القضائية و غياب الديمقراطية و سيادة القانون و تدخل السلطات التنفيذية في اعمال و شؤون السلطة القضائية ، و تراجع مستوى التعليم الحقوقي الذي ادى الى اضعاف الثقافة المتعلقة باستقلال القضاء. و انهى المؤتمرون اشغالهم ببيان يتضمن توصيات تلح الالتزام بمبادئ الامم المتحدة الاساسية المتعلقة باستقلال القضاء مع توصيات اخرى سيطول الامر بذكرها .

و في المغرب اهتمت الدساتير بدسترة استقلال القضاء حيث ينص الفصل 82 من دستور اكتوبر 1996 على ان القضاء مستقل عن السلطة التشريعية و عن السلطة التنفيذية .

اما استقلال القضاء و نزاهته و انعكاسه على دور الدفاع و المحاكمة العادلة . فلا يجادل احد في كون القضاء هو ركن من اركان الدولة اذا انهار انهارت معه هذه الاخيرة بالتبعية. فالقضاء هو الساهر على فرض احترام القانون من طرف الجميع و دون تمييز بين الاشخاص سواء من حيت العنصر او اللون او اللغة او الدين او الرأي السياسي او غيره من الاراء او المنشأ الوطني و الاجتماعي او الاصل العرقي او الملكية او المولد او الحالة الاقتصادية او اي وضع اخر . و القضاء هو حامي الافراد و الجماعات من التعسف و الشطط و الظلم و هو الذي يحد من التجاوزات و يوفر ما استقر عليه الجميع انه عدل و هو الذي يوفر المناخ السليم للنمو الاقتصادي و الحافز على تشجيع الاستثمار . و ان المساواة امام القانون و افتراض البراءة و الحق في محاكمة عادلة و علنية امام محكمة مستقلة و نزيهة هي من بين المبادئ التي لا مناص منها لتعزيز و احترام حقوق الانسان و الحريات الاساسية . و يتبوأ القضاء منزلة كبيرة في الدولة نظرا لما يقوم به من وظيفة من شأنها بت الامن و محاربة الفوضى في المجتمع . إلا ان القضاء لا يمكنه ان يحقق المكانة الجديرة به ان هو لم يحض بثقة المواطنين عامة و بثقة المتقاضين خاصة . و ان ثقة هؤلاء و أولائك لن تتحقق إلا من خلال برهنة القضاة انفسهم على تجردهم و نزاهتهم و استقامتهم واستقلالهم عن اي تدخل او تأثير .

قال رئيس فرنسا السابق فانسان اورويل عند نهاية رئاسته سنة 1955 : يوم يفقد المواطنون ثقتهم في العدالة تتعرض الدولة كما يتعرض نظام الحكم لأشد الاخطار و لا خوف على امة بها قضاء كفؤ و نزيه و مستقل .

و قيل عن تشيرشيل رئيس بريطانيا العظمى السابق بان الفساد ظهر في اجهزة الحكومة و الادارة . فسأل : وكيف القضاء فقالوا : القضاء البريطاني ممتاز جذاب ، فقال : لا خوف على بريطانيا .

و لكي يكون للقاضي دور فعال فانه على المجتمع ان يوفر له هذه الاستقلالية و الاستقلالية التامة لأداء مهمته على احسن وجه و في احسن الظروف . و الاستقلال يعني حرية القضاء في اصدار الاحكام دون تدخل او تأثير و هذا الاستقلال لا يجب ان يقتصر على السلطتين التشريعية و التنفيذية و لكن عليه ان يمتد لسلطة الرأي العام و سلطة الاعلام وسلطة المال و سلطة النفس الامارة بالسوء التي تحاول دائما استتباعه و تدجينه .

اما بالنسبة لاستقلال القضاء على سلطة المال و عن سلطة النفس الامارة بالسوء . فقد جاء في هذا الاطار قول الرسول (ص) كاد الفقر ان يكون كفرا . و قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه  “لو كان الفقر رجلا لقتلته “. و من تم وجبت محاربة العوز المادي داخل الجهاز القضائي برمته و تمكينه من جميع الامكانات التي تصون كرامة افراده و كرامة ذويهم ، و قد عمل المغرب في هذا الاتجاه مند سنوات خلت حيث اصبحت وضعية القضاة وضعية مريحة بالمقارنة مع رجالات من نفس المستوى الجامعي يعملون في قطاعات اخرى إلا ان الخطر الذي يهدد هذه المؤسسة برمتها آفة الرشوة التي تفشت  و بشكل مهول داخل جهاز العدل . و قد جاء في تقرير “ترانسبارانسي” المغرب ليوم 6 يناير 2004 ان البحوث الميدانية حول النزاهة تؤكد المستوى المرتفع الذي بلغته الرشوة في بلادنا و مدى تناميها  التي وصلت اليها هذه الظاهرة ، اذ لم يعد بإمكان احد ان يدعي ان هذه الظاهرة غير معروفة في بلادنا او انها بمثابة انحراف يمكن تقويمه بإجراءات ظرفية .

و الرشوة في القضاء هي ما يعطى لمن لا يستحق على حساب من يستحق و ذلك بغية كسب قضايا ما كان لها ان تكسب دون مقابل و الراشي لا يدفع رشوته إلا انه يعلم ان هناك حق لغيره يرغب هو في هدره ..

و الرشوة افة اجتماعية تنخر الجسد الاجتماعي لأنها اعانة على الظلم و العدوان و هدر لكرامة الانسان لما يترتب عنها من ضياع للحقوق و فساد للمجتمع . و قد قال رسول الله (ص) ( العن الله الراشي و المرتشي و الوسيط بينهما ) ..

و الرشوة داخل الجهاز القضائي دلالة على فساد القضاء و موت الضمير و ترك الاخلاق و التنافس على تقديم الرشوة بدل التنافس على تقديم البينة ،.. و الرشوة تربك القانون و تضعف المدافعين عنه بل هي تقتل القانون المتعارف عليه و تبرز قانون المال و تنزيل كل وقار على القضاء . و اذا كانت الرشوة في المجتمع تعبر عن فساد دوائر الدولة و غياب الرقابة و موت الضمير و ترك الاخلاق و اعتبار المادة دون غيرها فان تفشيها في الجهاز القضائي هو مؤشر على هلاك الدولة برمتها باعتبار ان السلطة القضائية التي من المفروض ان تحارب الرشوة هي نفسها مرتشية . و لا يمكن القضاء على هذه الافة إلا بالإرادة السياسية المنعدمة في البلاد ، و التي ان هي تحركت اعيدت الثقة للمواطن في ادارته و في قضائه و من تم في وطنه . و رغم ان المشرع ادخل تعديلا جوهريا على القانون الجنائي عن طريق تشديد العقوبات الخاصة بجرائم الاختلاس و الغدر و استغلال النفوذ و الارتشاء ، و ذلك بالتشديد في العقوبات السالبة للحرية و الرفع من العقوبات المالية كما تمت اضافة عقوبة المصادرة لفائدة الدولة كعقوبة اضافية . و تمديدها لتشمل الاموال و القيم المنقولة و الممتلكات و العائدات المحصلة من ارتكاب الجريمة ايا كانت هذه الاموال ، و ايا كان المستفيد منها . كما اضيف لمجموعة القانون الجنائي فصل جديد يتمتع بموجبه الراشي المبلغ عن الجريمة للسلطات القضائية بعذر معف من العقاب قبل تسليمها ، و ذلك لتشجيع التبليغ عن جريمة الرشوة . إلا ان الادارة السياسية لا زالت تتردد في هذا المجال و ربما انها تنتظر الضوء الاخضر من جهة معينة لتنطلق في دق الطبول كعادتها . و ملخص القول ان القاضي ادا لم يستطع التحرر من جذب المال الحرام فانه يقضي على الثقة في القضاء ، و عن وقار القضاء ومن تم يقضي على مصداقية الدولة .

و لا يمكن للمحامي مهما بلغت درجة كفاءته وحنكته ان يقوم بمهامه و هو غير مطمئن لقاض مرتش اذ بدل التنافس على الادلة و الادلة المضادة فان المنافسة تنتقل الى من سيعطي الاكثر من المال . و لا بد من الوقوف هنا على الدور التي تلعبه بعض العناصر الفاسدة من المحامين كذلك في نشر الرشوة في عالم القضاء ، اذ اصبح البعض منا سماسرة لبعض القضاة يشاركونهم و يقتسمون معهم المال الحرام ، فانعدام الشعور بالمسؤولية ادى الى سريان حالة من الاستهتار لدى البعض منا ، استهتار بالقوانين و استهتار بالمتقاضين و استهتار بمهنة الدفاع و بالقضاء ككل و النتيجة هي ما الت مهنة المحاماة من عدم ثقة المجتمع في الافراد المكونين لها اذ اصبح هذا المجتمع ينظر للكثير منا نظرة احتقار لما تقوم به من مساعدة على هدر الحقوق . و لا بد من تقويم العناصر الفاسدة او استئصالها ان لم تنفع فيها عملية التقويم سواء تعلق الامر بالقضاة او بالمحامين الذين يشاركونهم في تخريب عالم القضاء لتعود الثقة في هذا الاخير من طرف المتقاضين و تصح مقولة العدل اساس الملك .

و من جهة اخرى ، فان الاستقلال فضيلة لا تمنح فقط بالقوانين بل يجب استحقاقها على ارض الواقع . و القاضي بطبيعة الحال فرد من افراد المجتمع ينتمي لعائلة معينة و ينتمي لمنطقة معينة او قبيلة معينة او لعرق معين  كما يمكن للقاضي ان يكون له تعاطف مع جهة سياسية معينة بالرغم من ان المشرع يمنع عليه كل نشاط سياسي و كل موقف سياسي ( الفصل 13 من النظام الاساسي لرجال القضاء ) . فلا يكفي القاضي الابتعاد عن سلطة المال  بل عليه ان يتحدى تنازع المصلحة الشخصية او العائلية او العرقية او القبلية او السياسية ليبرهن للجميع على انه فعلا محايد مستقل و وقور . و الحياد يعني ان تكون للقاضي مناعة خلقية تبعده عن الاغراءات و المال و الجنس و غيرها ، و تصونه من الانحراف و الزلل . كما على القاضي ان يبتعد عن الانتماءات السياسية تفاديا لتأثير الروابط الحزبية عن الادلة الموضوعية . فالسلطة القضائية تفصل احيانا في مسائل لها طبيعة سياسية و لها اثار سياسية و من شأنها لا محالة وضع القضاة في مرمى الاسلحة السياسية و بالتالي فعلى القاضي ألا يتحول الى اداة لترسيخ ايديولوجية سياسية معينة و الانتصار لها على منصة القضاء : و على حساب القضاء في مواجهة معارضيها و ذلك حتى لا يتخلى على مفترضات الحياد . و قد اكد هذا المنع النظام الاساسي لرجال القضاء في المادة 13 التي تنص على انه يمنع على الهيئة القضائية كل نشاط سياسي و كذا كل موقف يكتسي صبغة سياسية . و قد سبق القول بان الضرورة تقتضي كذلك ان يكون وزير العدل بعيدا عن السياسة باعتباره يتقلد مهمة عالية بالمجلس الاعلى للقضاء . و امام المهام التي تخوله المشرع اياها للتدخل في القضاة . و باعتبار القاضي بشر من شأن ضعفه محاباة الجهة السياسية التابع لها وزيره . اما الان و قد اصبح القضاء لا يخضع لسلطة وزير العدل بصفته عضو في السلطة التنفيذية ، و حل محله المجلس الاعلى للقضاء . و من الصفات التي يجب ان يتحلى بها القاضي كالتالي : 

(*)النزاهة..

يطالب الجميع دائما بان تكون الاحكام نزيهة . و لكي تكون كذلك فانه من البديهي ان يكون من يصدرها نزيها . و النزاهة تعني الابتعاد عن الاغراءات كيفما كان نوعها سواء كانت طمعا في المال او في منصب من المناصب او ارضاء لجهة من الجهات او خوفا او رهبة من هذه الاخيرة . و كم منا نحن المحامين لم يسمع في يوم من الايام هذا العذر الذي يدل على عدم استقلال صاحبه : ” التعليمات او الرشوة يا استاذ ” فعلى القاضي ان يكون نزيها مع ضميره قبل ان يكون نزيها مع المتقاضين الذين يضعون كل ثقتهم في حياده و في نزاهته ، و اذا فقدت هذه الثقة فان جميع دواليب الدولة تؤدي الثمن و تؤديه غاليا لان المشهد القضائي بالبلاد هو الذي يعكس صورة هذه الاخيرة التي تصبح قاتمة في حالة هدر العدالة لان دولة الحق و القانون لا يجب ان تقتصر على سن ترسانة من القوانين كما هو الشأن بالنسبة للمغرب ، بل هي سلسلة مرتبطة ما بين التشريع و التطبيق السليم للقوانين و تنفيذ الاحكام القضائية و المصداقية في نزاهة القضاة و هو امر  اساسي لا محيد عنه . و كثير من المحامين يرفضوا المتول امام هيئة يعلمون عدم نزاهتها وطلبوا من زملاء اخرين النيابة عنهم لأنهم يعلمون مسبقا مال ملفات موكليهم و لا يستطيعون المشاركة في تزكية الخدعة القضائية .

(*)حسن الخلق..

قال الله عز وجل في حق رسوله المصطفى (( و انك لعلى خلق عظيم )) الاية 4 من سورة القلم . يعني انه سبحانه اثنى على الرسول عليه السلام حيث كان يجمع بين محاسن الاخلاق و محاسن الاداب . و قال شوقي ” انما الامم اخلاق ما بقيت ان هموا ذهبت اخلاقهم ذهبوا ” كما قال : ” صلاح امرك بالأخلاق مرجعه فقوم النفس بالأخلاق تستقم ” . و من الاخلاق تقتصر على الاشارة الى حسن الخلق . وحسن الخلق يكمن في طلاقة الوجه و كثرة الحياء و انعدام الاذى وكثرة الصلاح و صدق للسان و قلة الكلام و كثرة العمل و قلة الزلل و الفضول و بر الوصول و قمة الوقار و قوة الصبر وكثرة الشكر و الرضا و الحلم و الرفق و العفة و الشفقة و عدم التسرع و غياب الحقد و الحسد . و اقف عند بشاشة و طلاقة الوجه لأشير الى ان كثير من قضاتنا لقنوا التجبر و سوء الخلق سواء في تعاملهم مع المتقاضين او في تعاملهم مع المحامين . و لم يستوعب القاضي المغربي بعد بان المتقاضي لم يعد رعية بل اصبح مواطنا و مستهلكا للقضاء ينتظر من القضاة معاملته باحترام و بالمستوى الذي يستحقه كانسان و كمستهلك . و اذا كانت حقوق الانسان تحتم على القاضي ان يتعامل مع المتقاضي بطريقة تحفظ له كرامته و عزة نفسه فان الملاحظ من خلال جلسات المحاكم هو عكس هذا المعطى ، اذ يستشف من خلال المعاملة الجافة للقضاة ان كل متقاض متهم بريء الى ان تثبت ادانته ولو اثناء جلسات بعيدة كل البعد عن العالم الجنائي حتى يتصور للمرء في كثير من الاحيان ان القاضي طرف في النزاع . و يمكن قول نفس الشيء في معاملة الكثير من القضاة للدفاع عن المتقاضين باستفزازهم للمحامين و هذا لا يخدم العدالة في شيء ، اذ يزيل كل وقار عن القضاء و عن حسن المعاملة بين افراد من المفروض ان يتعاونوا على الوصول الى الحقيقة . و لا يمكن تحميل المسؤولية للمعهد العالي للقضاء لوحده ،  بل المسؤولية مشتركة بين الاسرة و المحيط الاجتماعي و المدرسية و الثانوية و الكلية و المعهد العالي للقضاء و اجهزة نقابات المحامين . فالتربية اساس الحياة الاجتماعية و لا يمكن التعايش لأفراد لا يعرفون احترام الاخر و ر اي الاخر اذ يعود الجو في مجمله مشحونا بالأحقاد و التنافر . و اذا كانت مسؤولية الاسرة في هذا المضمار لا غبار عليها و لا تحتاج الى شرح ، فان المسؤولية كذلك ترجع للمدارس و المعاهد و الكليات التي لم تفلح في تهذيب و صقل اخلاق و اداب روادها . اما مسؤولية المعهد العالي للقضاء فهي ثابتة من خلال عدم حسن انتقاء بعض المرشحين لمهنة القضاء . وتبقى مسؤولية اجهزة هيئات المحامين قائمة كذلك في هذا المجال اذ مع الزمن اصبح جل من يتقلد مهام قيادتها يستهين بمسؤولياته ، و لا رغبة له في تأطير ذويه و الدفاع عنهم وعن مصالحهم . و نتيجة لضعف شخصية بعض المحامين و نتيجة ضعف الكثير من افراد اجهزة النقابات فان بعض القضاة الذين لا يجدون قوى مضادة لإجبارهم على احترام المتقاضي و دفاعه و من تم على احترام مهنة المحاماة سيستمرون في تعاملهم للأخلاقي الشيء الذي يهز وقار القضاء ويبرهن على ان القضاة لم يتحرروا بعد من عقدهم و لم يصلوا بعد الى مستوى قضاة رشداء ، متزنين ، مستقلين ، نزهاء و مسؤولين . و الحال ان هناك انعكاس استقلال القضاء و نزاهته على مهنة المحاماة لذلك لا يمكن الكلام عن القضاء و استقلال القضاء دون التطرق للمحاماة كمهنة . و المحاماة ظهرت منذ ان وجدت الخصومة . و هي من الحماية خلقت للدفاع عن حياة الانسان و عن حريته و كرامته و عرضه وماله . و تشكل المحاماة الركيزة الاساسية لتحقيق العدل . و ان كانت المحاماة مهنة حرة و مستقلة فان المحامون يشكلون مع ذلك جزء لا يتجزأ من اسرة القضاء باعتبارهم يشاركون السلطة القضائية في تحقيق العدل و تأكيد سيادة القانون . و ينص الفصل الاول من ظهير 10 شتنبر   1993 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة . ان المحاماة مهنة حرة مستقلة تساعد القضاء في تحقيق العدالة و المحامون بهذا الاعتبار جزء لا يتجزأ من اسرة القضاء . إلا ان المحاماة اكبر بكثير من التعريف البسيط الذي جاء به القانون المذكور باعتبار ارتباط المحاماة بنصرة الحق و الدفاع عن المظلوم و ارساء دولة القانون و المؤسسات . و لا احد يجادل في كون المحاماة تعد كذلك معقلا للدفاع عن الحرية و عن استقلال القضاء . و حق الدفاع حق مقدس من الحقوق الاساسية للإنسان يقاس به المستوى الحضاري و الديمقراطي للمجتمع .

ومن هذا المنطلق لم تكن مهنة المحاماة في يوم من الايام مهنة غذائية بل هي رسالة انسانية سامية ، شريفة و نبيلة ، رسالة مبادئ و مواقف تساهم في تكريس الحضارة و في دعم العمل الديمقراطي في المجتمع و من تم كان يشترط دائما و ابدا في الراغب في تحملها و تحمل مخاطرها ان تكون له الموهبة و ان يتمتع بخصال الشجاعة الادبية و الجرأة و الذكاء و الفطنة و سرعة البديهة و الالمام بالقوانين و بقدرة الجدال بالتي هي احسن وقدرة الاقناع الى جانب خصال الصدق و النزاهة و الاستقامة و الشرف . و المحاماة امانة و مسؤولية و لا غرابة في ذلك اذ يعيش المحامون يوميا ألام و امال المواطنين و هم مسؤولون عن الدفاع عن كرامة الانسان ، و رد الحقوق لأصحابها ودفع الاتهام الباطل عنهم ومراقبة التشريع و مناقشته وانتقاده و اقتراح البدائل و المساهمة في تطوير المجتمع بهدف تحقيق تقدمه و امنه و استقراره الى جانب المهام الاخرى الملقاة على عاتق المحامي . و من تم كان للمحامين و لا يزال اسهامات قوية في بسط العدالة و تحقيق الاستقرار الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي في المجتمع و كان للكثير منهم نصيب الاسد في تقلد المناصب العليا ذات المسؤولية . ومن اطلع على التشكيلات الوزارية التي انطلقت في المغرب مند فجر الاستقلال الى اليوم سيكون له تصور عن ذلك . و قد كان الامر دائما و ابدا على هذا النحو في الدول الاخرى حيث كان المحامي مبجلا الى درجة قول المرحوم الحسن الثاني  لو لم اكن ملكا لوددت ان اكون محاميا او كقول فولتير كنت اتمنى ان اكون محاميا لان المحاماة اجل مهنة في العالم . إلا ان الوضع اصبح اليوم مختلف تماما في المغرب بالنسبة للمحاماة التي اضحت تعاني الامرين امام عدم استقلال القضاء و عدم نزاهة الكثير من القضاة و اصبحت توضع علامة استفهام امام مستقبل هذه المهنة ان كان لها مستقبل حقا .

ان المواطن لا يطرق باب مكتب المحامي لهوا و لكنه يقدم على ذلك لان جميع الابواب قد سدت في وجهه . و المحامي لا يطرق ابواب المحاكم عبثا ولكنه يطرقها للدفاع عن مصالح موكله و لإقناع القضاة بإنصاف هذا الموكل . و ينتظر هذا المواطن كما ينتظر محاميه ان يجد قضاء نزيها محايدا مستقلا يمكن الاطمئنان اليه . ومن بين مهام المحامي الدفاع عن استقلال القضاء و الدفاع عن استقلال القضاة . و هذا الدفاع لا يجب ان يقتصر على سن النصوص فقط ، بل يجب ان يتبلور على ارض الواقع حتى يحس المتقاضي بالاطمئنان على شخصه و ماله و شرفه . ان الحق في المحاكمة العادلة من الحقوق الاساسية للإنسان ، فالناس جميعا سواء امام القانون و من حق كل فرد لدى الفصل في اي تهمة جزائية توجه اليه او في حقوقه والتزاماته في اي دعوة مدنية ان تكون قضيته محل نظر و علني امام محكمة مختصة و مستقلة و محايدة منشأة بحكم القانون .   و قد وضع المجتمع الدولي مجموعة من المعايير لضمان المحاكمة العادلة ، و تنص المادة العاشرة من الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي اصدرته الجمعية العامة لحقوق الانسان على ان لكل انسان على قدم المساواة التامة مع الاخرين الحق في ان تنظر قضيته محكمة مستقلة و محايدة نظرا منصفا و علنيا للفصل في حقوقه و التزاماته و في اي تهمة جزائية توجه اليه ، كما ان الفصل 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية ينص على ان من حق كل متهم بارتكاب جريمة ان يعتبر بريئا الى ان يثبت عليه الجرم قانونا و قد تبنى القانون الجديد للمسطرة الجنائية المغربي هذا المبدأ بالمادة الاولى منه ان من حق كل فرد ان تكون قضيته محل نظر منصف و علني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية منشأة بحكم القانون.

(*)الحياد..

القانون رهين بالحياد باعتبار ان القاعدة القانونية قاعدة مجردة . و اذا كانت القوانين لا تفسر و لا تطبق بمنظور حيادي ، فان القانون كما نعرفه و كما درسناه سيتوقف عن الوجود لا يمكن فصل الاستقلال عن الحياد في الجهاز القضائي

. كما ان الحياد في القضاء شرط وجود ان هو اختفى قضي عن القضاء ، و اصبح هذا الاخير مبني على هوى القاضي. حقيقة ان الصراع من اجل الحياد صراع صعب للغاية بالنسبة للشخص العادي اذ يبقى هذا الاخير انسانا بضعفه و انفعاله و شهوته و ميولاته وعاطفته و معتقداته وعقده و مؤهلاته و مسؤولياته ومصالحه . إلا ان الامر لا يقبل عذرا بالنسبة للقاضي لان الحياد شرط وجود بالنسبة للقضاء . كرسالة إلا ان من المؤكد  ان القضاء المغربي مات زال  اسيرا تتحكم فيه قوى متى شاءت و كيفما شاءت وانه قضاء غير مستقل بل قضاء تابع للأوامر و التعليمات و الضغوطات المختلفة . و اعتقد ان المسؤول الاول و الاخير عن عدم استقلال القضاء وعن عدم استقلال القضاة في المغرب او في غيره من البلدان التي ينعدم فيها استقلال المحامي بالدرجة الاولى لان المجتمع برمته او كله يرغب في الدفاع عن القيم و عن المعتقدات و عن الحرية و عن استقلال القضاء قبل ان يوكله الافراد بالدفاع عن مصالحهم بصفة انفرادية . و اذا كان القضاة غير قادرين على مواجهة السلطة التنفيذية او السلطة السياسية بصفة عامة فان بعض المحامين برهنوا ما مرة ليس فقط على عدم قدرتهم في الدفاع عن استقلال القضاء ، بل ذهبوا الى ابعد من ذلك و شاركوا السلطة القضائية و باقي السلط في محاكمات هي عبارة عن مسرحيات هزيلة كان الجميع يعرف فصولها مسبقا . و المحامون لا يمكنهم ان يدافعوا عن استقلال القضاء وعن نزاهة القضاء ، إلا اذا كانوا هم اولا و اخيرا مستقلين و نزهاء . و كنت اود ان يكون موضوع هو انعكاس دور الدفاع و نزاهته على استقلال القضاء لفضح ما يقوم به ذوونا من ممارسات مشينة تدل على الخنوع بهدف الربح السريع على حساب القيم و الاخلاق و الرسالة المنوطة بهم .

و الجدير بالذكر انه اذا كانت كل الدوائر في البلاد فاسدة فلا خوف عليها اذا كان القضاء نزيها و مستقلا . اما و ان يكون كل الشيء فاسد و القضاء مكبلا غير مستقل فيستخدم ضد جهة اخرى ، و من المؤسف جدا ان القضاء مازال مكبل اليدين امام محاضر الضابطة القضائية والتي تحيل المحاضر جاهزة بالاعتراف المنتزع اما بالأمية او بالتعذيب ، تم يقف المواطن امام المحكمة ينكر و لا من يستمع الى انكاره لان المحضر يتضمن اعترافه .

من خلال ما تقدم يتضح جاليا ان القضاء و الدفاع عنصران اساسيان في صنع العدالة و ان المحامين و القضاة يلتقون جميعا في ساحة الممارسة و كلهم جزء من اسرة واحدة .

و اذا كانت رسالة القضاء هي اقامة العدل بين الناس فان المحاماة عون القضاء في الوصول الى الحكم العادل و اقامة العدالة في المجتمع .

و من اجل ذالك فان للقاضي و المحامي رسالة واحدة و مصير وشترك و لا سبيل الى اصلاح قضائي إلا بإصلاح اسرة القضاء بأكملها و ان سلامة القضاء وحصانة القضاء تكمن في تحقيق سلامة الدفاع و العكس بالعكس ، فلا يمكن تصور احدهما بلا اخر فهما جناحا العدالة و حجر الرحى في تحقيق المساواة و العدالة في المجتمع و لا يمكن تحقيقهما إلا بهما معا .

ان تحقيق العدالة لا يقبل التفاضل بين المحامي و القاضي فاستقلال كل منهما فيه قوة للأخر و للعدالة باعتبارهما شريكان لإقامة ميزان العدالة .

فلا الدفاع يستطيع ان يعمل بحرية إلا بالقضاء القوي المستقل و النزيه كما لا يستطيع القضاء ان يسمو الاب الدفاعه الحر و المستقل و ذلك ضمانا لمحاكمة عادلة طبقا للقانون شكلا و مضمونا .

و هكذا و رغم الاوضاع المشار اليها حول القضاء يجب الاقرار بان مازال المغرب يتوفر على طائفة كثيرة من قضاة و من محامين ظاهرين على الحق نزهاء مخلصين لا تأثر فيهم التعليمات و الاغراءات و سلطة المال لا يخافون في الله لومة لائم هؤلاء المستقيمين شرفاء في خضم تنامي الفساد هم الذين يستحقون كل التقدير و الثناء ، لا خوف عليهم و لهم يحزنون و هم الغرباء المشار اليهم في الحديث النبوي الشريف و الذي مفاده ( جاء الاسلام غريبا و سيعود غريبا فطوبى للغرباء . ) و المراد بالغرباء في الحديث هم الذين صلحوا اذا فسد الناس .        

 

من وارزازات .
الاثنين 29 يناير 2018./12 جمادى الاولى 1439.هج