بعد إبرام الاتفاق النووي الإيراني في يوليوز2015 ومع رفع العقوبات الاقتصادية أصبحت إيران مؤهلة تمامًا كدولة مركزية لتشكيل تحالفات تجارية مع دول شنغهاي–البريكس، فقد عُقد في العاصمة الأذرية( أذربدجان)«باكو» 9 غشت 2016 اجتماعًا على مستوى رؤساء دول روسيا-إيران-أذربيجان للاتفاق على إحياء اتفاقية ماي 2002 بين روسيا-الهند-إيران، التي رسمت خارطة لمشروع ممر الشمال-الجنوب تربط شبكة نقل البضائع بين جنوب آسيا بشمال وغرب أوروبا عبر طريق بطول 7200 كم، يمتد من مومباي الهندية بطول الساحل الغربي لبحر قزوين إلى روسيا مرورا بإيران وأذربيجان ومنه إلى شمال وغرب أوروبا ثم يدور دورته ليصل إلى الهند مجددا عبر قناة السويس التي تعود لترتبط بريًا بوسط آسيا وروسيا.
ممر الشمال-الجنوب بممراته البحرية والبرية ما زال قيد الدراسة إلا أن حجم البضائع التي عبرت الممر المائي سنة 2015 زادت بنسبة 4.1% على العام السابق. البضائع التي نُقلت من الهند إلى باكو الآذرية واستاراخان الروسية عبر ميناء بندر عباس جنوب إيران قلصت مدة النقل من 41 يومًا عبر قناة السويس إلى 14 يومًا عبر الممر وخفضت التكلفة بقيمة 2500 دولار لكل 15 طن بضائع.
الممرات البرية تمثل الحلقات المفقودة لهذا الممر، والتي تلعب فيه إيران دورًا محوريًا عبر خطوط سكك حديدية تربط بين دول وسط آسيا بإيران، وأخرى تربط إيران بروسيا عبر الأراضي الأذرية كالآتي:
أولًا: – خط رشت–أستارا: وهو خط سكة حديد بطول 165 كم على طول الساحل الغربي لبحر قزوين يبدأ من مدينة رشت بشمال غرب إيران على بحر قزوين وينتهى عند أستارا آخر مدن الشمال الإيراني على بحر قزوين مشتركة الحدود مع أذربيجان. بإتمام هذا المشروع سنة 2015 تم الربط البري بين سكك حديد روسيا بإيران مرورا بأذربيجان لتسهيل التبادل التجاري ونقل البضائع بين جنوب آسيا إلى أوروبا.
ثانيًا: – خط كازاخستان-تركمانستان-إيران: خط سكة حديد بطول 677كم حول بحر قزوين. يربط مدينة أوزين جنوب غرب كازاخستان بطول 137كم (وتم الانتهاء منه في ماي 2013)، بمدينة بركات شمال غرب تركمانستان بطول 470 كم، لينتهي في مدينة جرجان شمال شرق إيران بطول 70كم. الخط بتمويل حكومي مشترك، ويشق طريقه حتى منطقة الخليج العربى.
ثالثًا: – خط أرمينيا-إيران: وهو خط سكة حديد بطول 316 كم بتكلفة 3.5 مليار دولار بين جنوب أرمينيا وإيران وقد بدأ العمل فيه يوليوز2012، ودخلت روسيا باستثمارات 15 مليار روبيل لتطوير خطوط السكك الحديدية بأرمينيا ليربط هذا الطريق موانئ البحر الأسود بموانئ الخليج العربي ويعد أقصر الطرق لنقل البضائع بين جنوب أوروبا والخليج العربي (طريق يشكل خطرًا داهمًا على قناة السويس لاحقًا).
لم تكتف إيران بتوصيل الحلقات المفقودة لهذا الممر فقط بل عملت على التوازي في إنشاء وتطوير موانيها على بحر قزوين والخليج العربي لدمجها بخطط طويلة الأجل بالممر المزعوم. إذ قامت الهند بالحصول على امتياز تطوير ميناء تشابهار على بحر العرب وفق اتفاقية 2002 ورغم تحذير واشنطن لها بعدم تنفيذ الاتفاقية قبل إبرام الاتفاق النووي مع إيران فإن الهند ضربت بهذه التحذيرات عرض الحائط وبدأت فعليًا فى تطوير الميناء وهناك خطط توسعية لرفع قدرات الميناء لاستقبال البضائع من 2،5 : 12،5 مليون طن وتطمح الهند في الربط مع أوروبا عبر هذا الميناء الذي يخفف الضغط عن ميناء بندر عباس على الخليج العربي.
كما دشنت إيران ميناء أستارا الجديد على الجنوب الغربى لبحر قزوين بتكلفة 22 مليون دولار مارس 2013 وتسعى لزيادة قدراته الاستيعابية اليوم من 600 ألف إلى 3 ملايين طن.
أعلن الرئيس الصينى فى يونيو 2013 عن الحزام الاقتصادى وطريق الحرير وقد ظن البعض أنه أحياء لطريق الحرير القديم وأكاد أجزم بعد دراسات متعمقة أننا أمام سيطرة آسيوية على رقعة الأوراسيا التى أشار لها بريجينسكى فى كتابه الصادر عام 99 بعنوان رقعة الشطرنج الكبرى، من يسيطر عليها يهيمن على العالم بآثره. ولكن من البراجماتية الصينية أن تعلن عن الحزام والطريق. وها هو أول قطار صينى عابر للقارات ينطلق يوم 31ديسمبر 2016 ليصل بعد 18 يومًا إلى بريطانيا كأول قطار بضائع يربط بين رقعة الآوراسيا مباشرة بعد أن قطع مسافة 12 ألف كم. منطلقًا من جنوب العاصمة بكين ليعبر فى كازاخستان وروسيا وبيلا روسيا ثم إلى بولندا وألمانيا وبلجيكا وفرنسا قبل أن يعبر نفق المانش إلى شرق لندن.
إيران التى تعد أحد أضلاع المثلث الذهبى للحزام والطريق مع روسيا والصين أصبحت الآن دولة مركزية تسعى جميع دول العالم لاستعادة علاقاتها التجارية معها، فيما تسعى موسكو لإقناع بكين بانضمام طهران بمنظمة شنغهاى التى ستحكم العالم قريبًا، وتبدو أنقرة عازمة على الجنوح لهذه التكتلات الآسيوية.
إذًا فبينما كان بعض المصريين يدشنون لثورتهم الميمونة، ويتقاتلون فى الشوارع، ويحرقون، ويسعون لهدم هذه الدولة وتعطيل مسيرتها. كانت إيران عبر هذه السنوات الخمس تسعى لتغيير نظرة العالم الخارجى لها. وحينما جاء السيسى إلى سُدة الحكم فى يونيو 2014 كان أمامه تحديات جسام لإنقاذ شيخوخة قناة السويس فى مواجهة الحزام والطريق، وعليه الآن إعادة إحياء هذا المجرى الملاحى ليستمر داخل حلبة المنافسة بحيوية، حتى يُجبر العالم على نظرة أكثر واقعية فى هذه المنافسة الشرسة. فكان ما أطلق عليه المغرضون التفريعة الجديدة للاستهانة بالإنجاز، وكانت المنطقة اللوجيستية على ضفاف القناة بمصانعها وخدماتها فى إصلاح السفن العابرة والتعامل معها بمثابة الإعلان عن قوى ملاحية ناشئة تستطيع أن تجذب العابرين للقارات إليها بما ستقدمه من خدمات غير متوفرة فى الممرات البحرية والبرية السابق ذكرها. الأمر الذى يفسر لنا أيضًا سر التوجه السريع لتطوير الموانئ المصرية وزيادة قدرتها الاستيعابية على استقبال البضائع ولماذا حرص السيسى منذ قدومه على تأسيس شبكة طرق جديدة بطول 7000كم تربط كل هذه الموانئ ببعضها وتصل لحدود السودان.
الثلاثاء 06 فبراير 2018./ 20 جمادى الاولى 1439. هج