من أخطر ما حصل في الهزات التي عرفها العالم العربي، منذ سنة 2011 ، انهيار الدولة دون أَن تَحُلّ محلها شرعية أخرى، بكل شروط السيادة والقدرة على القيام بالحد الأدنى من واجباتها، الأمنية والإدارية والاجتماعية، بل أكثر من ذلك، هناك سلطات أخرى، تُنٓصّبُ نفسها بديلا لسلطة الدولة، مستعملة قوة السلاح والعلاقات القبلية والعشائرية على شكل مافيات أو جماعات متطرفة.

أكد تقرير أخير لخبراء من الأمم المتحدة، حول الاتجار في البشر، أن السلطة المعترف بها دولياً غير قادرة على التحكم في التراب الليبي، وأن الميليشيات، ومن بينها «داعش» تتحكم في أجزاء كبيرة من هذا البلد، وتمارس هذه التجارة بشكل متزايد.

ومن المعلوم أنه منذ انهيار نظام القدافي، تعرضت ليبيا لتشرذم لم يسبق له مثيل، واستحوذت الميليشيات والقبائل والمافيات على السلاح، بالإضافة إلى ما يتعرض له هذا البلد من تدخل أجنبي، حيث تمول دول خليجية مجموعات متطرفة، في إطار خطتها الاستراتيجية.

الانهيار شبه الكامل للدولة في التراب الليبي، يوازيه ما يحصل كذلك في سوريا، حيث يتعرض هذا البلد للتقسيم، في أرض الواقع، إذ تسيطر مجموعات مسلحة دينية متطرفة، على أجزاء من التراب، بالإضافة للأكراد ولقوى دولية أخرى، رغم أن قوات بشار الأسد، مازالت تتحكم في جزء هام من هذا البلد، وتواصل تقديم الخدمات الأساسية للسكان، أما بباقي التراب الذي يخضع للجماعات المسلحة،فالساكنة تتعرض لصعوبات كبيرة في الحياة اليومية وغياب للخدمات الأساسية وللأمن.

وقد حصل هذا بشكل كبير أيضا في العراق، بعد الاحتلال الأمريكي، وإسقاط نظام صدام، وتطلب الأمر سنوات طويلة لاستعادة الدولة السيطرة على كل التراب، رغم أن الصعوبات الاقتصادية والخدماتية والأمنية، مازالت حاضرة بقوة، كما عرفت تونس حالات مشابهة في بعض المناطق، خلال الفترة التي كان فيها حزب النهضة يسيطر على السلطة، إلا أن هذا البلد تمكن من تجاوز هذا الوضع في ظرف أقل مما وقع في العراق.

لم يكن أحد يتصور، قبل ما سمي بالربيع العربي، أَن تنهار دول كانت تبدو أنها قوية، بسرعة البرق، مما يدعو إلى تقييم أسباب هذا الانهيار، السياسية والثقافية والسوسيولوجية والإدارية والأمنية، فهل كانت المؤسسات القائمة، السابقة، تحظى بكل الشرعية المجتمعية، أم أنها كانت مجرد دول في مهب الريح، ببناء فوقي سلطوي، يتبخر بمجرد الانقلاب على الرئيس؟.

الخميس 08 فبراير 2018./22 جمادى الاولى 1439.هج