بحق الحركة الاتحادية ليست مجرد تجمع عفوي أو مصلحي ظرفي لأفراد جمعتهم منافع أو متع.
بطبيعة الحال كأي حركة أو تجمع خضعت هذه الحركة لتحولات في المنطلقات والوسائل والأهداف وحتى السلوكات، إما بأسباب موضوعية أو ذاتية زاد من حجمها الضغط الذي مورس من الدولة على إطاراتها وعلى شخوصها بما في ذلك الاعتقالات والنفي والطرد من العمل.
غير أن هاته التحولات لم تمس عقيدة الحركة وشخوصها في خدمة الإنسان والوطن والتفكير له ومن أجله ومن خلاله.
في هذا السياق أبدع المنتسبون لهذه الحركة كل الوسائل من أجل هذا الهدف واجترحوا ما يكفي من الوسائل لنفس الغرض، ونحتوا لذات السبب المفاهيم السياسية والتقنيات والمشاريع والتقاليد.
وعلى النقيض من أغلب الفاعلين السياسيين وحدهم قادة هذه الحركة من دأبوا على تقليد إصدار مشاريع فكرية أو كتب وسير ذاتية من جهة أولى، و إبداع نماذج سياسية و تنموية..
والظاهر أنه حتى في عز أزمة الحركة الاتحادية وتراجع نفوذها انتخابيا لا زالت وفية لنهجها بل ومتفردة في ممارساتها في التأليف ووضع المشاريع الفكرية والتنموية الكبرى في ربط طبيعي بين أجيال الحركة، ومن دون شك يستمر أبناء الحركة ولا سيما أبناء عراب الحركة الاتحاد الاشتراكي في تطوير هذه التقاليد والمشاريع وتحيينها أو إبداع أخرى مناسبة لعصرها.
(1) مشاريع فكرية من صلب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والحركة الاتحادية:
تمثل بدون شك المدرسة الفكرية التي قادها المفكر محمد عابد الجابري و محمد جسوس وعبد الله العروي و علي أومليل ومحمد الحبيب الفرقاني و محمد سبيلا وكمال عبد اللطيف وسالم يفوت بنسالم حميش و محمد الدكالي و عبد القادر باينة و الحسان بوقنطار و عبد الرحمان بنيحيى…مدرسة فكرية قائمة الذات في مجالات الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع والقانون..
وقد أثرت هذه المدرسة ليست فقط في المنتسبين لهذه الحركة ولكن في تشكل الفكر النقدي الحر في المغرب ما بعد الاستقلال وربما في الاسهام في تطوير الفكر النقدي في العالم العربي.
ومن دون شك، ورغم أن مفكرين آخرين لا يقلون كفاءة فكرية عن هؤلاء الذين اتجهوا أكثر للبحث و التأليف من قبيل عبد الواحد الراضي وفتح الله ولعلو وحبيب المالكي وخالد عليوة وادريس بنعلي والعربي الجعايدي ومحمد الاخصاصي وعبد الرحمان العمراني وغيرهم..، انخرطوا كليا في العمل السياسي وضغوطاته فقد ألفوا بما يكفي في مجالاتهم ويمكن القول أن ولعلو والمالكي وعليوة والجعايدي وبنعلي واقصبي… يشكلون مدرسة اقتصادية اجتماعية متكاملة البنيان.
بل و يحسب لكثير من الفاعلين والقادة في الاتحاد مثلا  أنهم حريصون على الوفاء لتقليد الكتابة والتوثيق، ومنذ عبد الرحيم بوعبيد إلى ادريس لشكر حرص هؤلاء على توثيق تجاربهم السياسية في كتب/شهادات.
ترك بوعبيد “شهادات وتأملات” في مغرب الحسن الثاني، ويكتب اليوسفي الذي عاش مخاضاته، وسرد الراضي “المغرب الذي عشته”، و أرخ المالكي ل”تجربة التناوب التوافقي: القوس الذي لم يكتمل” و “للمغرب التربوي”، ودون لشكر ل”زمن التناوب الثالث”، وأرخ ولعلو “للمغرب الاقتصادي”و كتب المختار الراشدي ” الاتحاد الاشتراكي: التغيير أو الانقراض”. 
(2) مشاريع فكرية وتنموية:
سيكون من الصعب اليوم القول بأن منتسبي الحركة وعرابها الاتحاد اليوم سينتجون مشاريع فكرية واقتصادية تقارع المشاريع الفكرية والاقتصادية والقانونية الكبرى التي أسسها الرواد بدون شك، ودون أن ينفي ذلك أننا محاولات ناشئة لمنتسبين وأعضاء في الاتحاد خصوصا يمكنها أن تشكل في المستقبل مشاريع فكرية واقتصادية وقانونية متكاملة.
ومن غير شك فإصدار مؤلفات وكتب من منتسبين شباب في الحزب في مجالات الفكر و الاقتصاد والقانون والفلسفة وعلم الاجتماع وغيرها..يمثل محاولة جنينية مشجعة للانتقال إلى مرحلة إنتاج المشاريع الفكرية الكبرى.وقد كشفت الندوات الفكرية والثقافية التي نظمها الحزب سواء مركزيا أو في الجهات والأقاليم أو من خلال مؤسسة المشروع عن طاقات فكرية تتسم بالعمق في التشخيص والتحليل والاستباق والاقتراح، ومن دون شك فالأوراق المقدمة للمؤتمر العاشر من طرف محمد بنعبد القادر وعبد الكريم بنعتيق وعمر بنعياش وعبد السلام الرجواني ومحمد عياد و عبد السلام الموساوي وبنيونس المرزوقي وسعيد جعفر وأحمد العاقد والتدخلات التي تلتها تكشف جودة في التشخيص والتحليل والاقتراح.
ولعله من المفرح جدا أن في الحزب كاتبات عميقات من قبيل الباحثة في الفلسفة خدوج السلاسي وكاتبة مسرحية وقاصة  كبديعة الراضي، وأصحاب أعمدة ومقالات رصينة  كيوسف مجاهد وعبد الحميد اجماهري وجواد شفيق ومصطفى المتوكل  وحسن السوسي ومحمد الدرويش ومحمد إنفي وعبد الحق عندليب وأحمد يحيا  وآخرين وأخريات كثر وكثيرات..
ولا بد أن نفخر على الأقل كأجيال جديدة بقامات فكرية ومدنية فاعلة في الشأن الثقافي كحسن نجمي وادريس خروز..وفي العمل الجمعوي والمدني كعبد المقصود الراشدي  وعائشة لخماس والسعدية السعدي وفاطمة بلمودن..
وبدون شك فالخبرات والتراكمات الكبيرة للفاعلين والفاعلات في الواجهة التشريعية وللمسؤولين والمسؤولات وطنيا وجهويا وإقليميا ومحليا في الأجهزة المركزية التنفيذية والتقريرية وفي الأجهزة الموازية والذراع النقابي والكتابات الجهوية والإقليمية والمحلية وغيرها..تعكس غنى الجسم الإتحادي وتعكس جودة تكوين و قراءة عناصره للحقل والفعل السياسيين.
 ومنذ إصدار كتابيه “المسؤولية الاجتماعية للمقاولة” و “مناخ الاستثمار: أداء المقاولة”، ومن خلال مجمل مقالاته في المادة الاقتصادية، يقود طارق المالكي القيادي في الحزب والأستاذ بالمعهد العالي للتجارة وتدبير المقاولات بالبيضاء مشروعا فكريا اقتصاديا من صميم المدرسة الاقتصادية- الاجتماعية، ويمثل توجهه الأخير في البحث واقتراح “نموذج تنموي في أفق 2030” خطوة في طريق بناء مشروع فكري-اقتصادي إذا لم تلتهمه المسؤوليات السياسية وتعطل من جهوده في البحث والتأليف.
وقد عقدنا العزم منذ مدة أن نجعل من التفكير في قضايا التحديث الفكري والسياسي وتفكيك التراث الديني مشروعا فكريا مستقبليا ابتدأناه بمؤلف أول في ” الزاوية والحزب بالمغرب: أصول الاستبداد السياسي”، ونصرفه عبر عشرات الندوات والمحاضرات والدراسات والمقالات التي نكتبها في الموضوع.
وتحتضن أجهزة الحزب وطنيا ومحليا العشرات من الشباب والشابات  حاملي وحاملات الدكتوراه والمسجلين والمسجلين في أسلاكها في كل الشعب، وآخرين وأخريات ممن تلقوا داخل مدرسة الاتحاد مهارات عالية في التحليل والتفكيك سيكشفون عن مشاريعهم الفكرية عما قريب، وقد أظهروا وأظهرن  علو كعبهم وكعبهن في التحليل والتفكيك والاستباق والاقتراح كما سبق، وإذا حدث أن نجحوا ونجحن في التحرر من مقصلة السياسي اليومي و الاحتكاك الحزبي الذي يستنزف الطاقات بدون شك سيكون من الممكن إبداع مشاريع فكرية واقتصادية وقانونية واعدة تعبر عن عقيدة الحركة الاتحادية في التأليف والتحليل و التوقع المستقبلي.
ومن دون شك ستستمر الحركة الاتحادية، على الأقل من خلال الاتحاد الاشتراكي، في نحت المفاهيم والمشاريع الفكرية والتنموية في حقل حزبي عاقر إلا من المعاقرات والمناكفات.
الخميس 15 فبراير 2018./ 29 جمادى الاولى 1439.هج