تخيّـلتْ الحلقةُ السابقة بعض السيناريوهات الفكرية والثقافية الممكنة لتأثيث الذكرى المئوية لعقد الحماية، الذي أُبرِم، كما هو معلوم في مارس من سنة 1912. فما علاقة أسد الأطلس بعقد الحماية؟ إنها مجرد علاقة رمزية يمكن أن يقيمها الفكر القبّالي؛ لكنّ رمزية تلك العلاقة قوية. فما أن استسلمت السلطة المركزية بالحواضر لشروط نتائج تفاهمات لعبة الأمم بخصوص المغرب، التي بدأت تتضح رقع شطرنجها منذ معركة إيسلي سنة 1844، مرورا بحرب تطوان سنة 1862، فمؤتمر الجزيرة الخضراء (1906) ثم حادث أكادير الألماني-الفرنسي (1911)، إلى أن أبرم عقد الحماية سنة 1912 في النهاية، حتى اندلعت المقاومة في العمق الطبيعي والتاريخي للمغرب، أي الصحراء، “التي يأتي منها كل خير وكذلك كل شر” على حد قول الملك الراحل، الحسن الثاني (حركة أحمد الهيبة) والجبال:، جبال الريف (حرب بن عبدالكريم) والأطالس الثلاثة (معارك ‘الهري’، ‘ساغرو’، ‘أيت عبلّا’) ودامت22 سنة.

فلم يتم تحقيق ما سمي بـ”التهدئة” النهائية (pacification) إلا بعد أكثر من عشرين سنة، أي في سنة 1934 بعد استسلام عبد الله زاكور قائد معركة ايت عبلّا بالأطلس الصغير، حيث قال للقائد العسكري الفرنسي الذي طلب منه التعليق على ما حصل: (يتمّا لقُرطاس، يبّي واوال) : (“لقد نفذت الذخيرة، فلم يعد هناك ما يقال”).

عشر سنوات بعد ذلك الاستسلام الأخير، صوّر أحد طياري “بريد الجنوب” الفرنسي “باريس-داكار” من الجو في واد من أودية الأطلس المتوسط المكسوة ثلجا بطاقة تاريخية فريدة لأسد ضحم بـفروته السوداء سوادَ بُرنس الأطلس، وهو يمشي وحيدا على بساط ناصع البياض من الثلج، تبدو فيه آثار أقدامه وحيدة خلفه. لقد كان آخر أسود الأطلس، في جبال الأطلس.

وفي نفس السنة تقريبا التي التقطت فيها تلك الصورة الرمزية، استعادت نخبة الحواضر المغربية المبادرة، في إطار لعبة الأمم دائما الدائرة حول الأسواق وشروط التصدير والاستيراد وتملك أراضي الجموع، وذلك بعد أن وضعت الحرب العالمية أوزارها، فكانت وثيقة المطالبة بالاستقلال. حينها تذكر الجميع تلك الجبال التي هي أوتاد البلاد وعمقها البشري الاستراتيجي التاريخي، وخزان ماء الحياة فيها؛ فأخذت الكشفيات الحضرية تغني:

عشقت فيك السمَر؛ يا أرض أجدادي

ففيك طاب المُقام؛ وطاب إنشادي

أهوى عيون العسل؛ أهوى سواقيها

أهو ثلوج الجبل؛ ذابت لآليها

 

كما غنت تلك الكشفيات مع الآخرين ممن كان الجبل كذلك حاسما في تاريخهم:

من جبالنا

طلع صوت الأحرار ينادينا

ينادينا للاستقلال

لاستقلال وطننا

 

وفي مساء يوم 11 يناير 2011، وبمناسبة ذكرى المطالبة بالاستقلال، تخصص التلفزة المغربية تغطيية مصورة مفصلة للدعم الذي قدمته السلطات المركزية، في إطار “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”، لبعض المواطنين ممن لا يزالون صامدين لجعل الحياة تسود مستمرة في تلك الجبال، فلا ينقرض منها الإنسان ليتكدس في اكواخ هوامش الحواضر كما انقرض منها أنيسه القديم، أسد الأطلس، الذي لم يبق منه إلا ما احتفظت به أقفاص حديقة الحيوان بالعاصمة. لكن المعلق على تلك العملية سماها بـ”المساعدات الإنسانية”، كما لو أن الأمر يتعلق بعملية تبرعية لصالح منكوبين في بعض الدول الإفريقية أو الأسيوية في إطار ما يعرف اليوم بالعمل الخيري العالمي (action humanitaire internationale).

وبالعودة إلى الأسد بالضبط، فقد كان بعض النظارة قبل يومين فقط من تلك روبورطاج “المساعدات الإنسانية”، أي مساء يوم 9 يناير 2011، على موعد تأخر بنصف ساعة كاملة عن الوقت الذي كان قد تم الإعلان عنه له في نفس اليوم بالقناة الثانية، مع مبادرة تثقيفية محمودة من حيث فكرتها. يتعلق الأمر ببطاقة وثائقي، بالصورة والتعليق، حول أسد الأطلس بالضبط. المبادرة محمودة وتندرج، عن قصد أو عن مجرد اتفاق – وهذا لا يهم في مثل هذا الباب – في منطق الرمزيات التي سبقت الإشارة إليها. غير أن المتتبع لمضامين ذلك العمل الوثائقي، من حيث الصورة، وخصوصا من حيث نص التعليق، يخيب انتظاره إلى حد بعيد؛ إذ أن أسلوب الإنشاء وتدبيج الكلمات المترادفة ما زال هو الغالب في إنجاز مثل تلك الأعمال، التي تقتضي المعرفة والفن معا بطبيعتها. المعلق قد وصف أسد الأطلس تارة بالقوة وبترويع الإنسان في محيطة، ويصفه تارة أخرى بالجبن بالقياس إلى الأسود الأخرى، الإفريقية والأسيوية. إنه خطاب يذّكر بكلام إحدى اللجن التي كان قد عُهد إليها بإعداد دراسة بلاستيكية وسيميولوجية لشارات المملكة بما فيها “الوسام المحمدي” الذي أصبح شعارا للمملكة.

فباستثناء ما رواه المعايشون من مسنّي الأطلس عن ذكرياتهم مع ذلك الحيوان المنقرض في وسطهم، وباستثناء المعطيات التي أدلى بها المسؤول عن حديقة الحيوان بالرباط التي تم مؤخرا إعادة فتحها متصادفا مع ازديان قفص أحد أسود الأطلس المدجنة فيها بثلاثة أشبال في صحة جيدة، وباستثناء إيراد ما قاله حسن الوزان وأمثاله من الرحالة عن هذا الحيوان في المغرب، وكذا الإشارة إلى دور الملك المولى حفيظ في العمل على انتشال عينات من تلك الأسود بعد انتشار السلاح الناري مع دخول الفرنسيين، لم يكن هناك سوى الإنشاء حول “الشجاعة” و”الجبن” أو مأوى الأسد “الذي اشتهر بالعرين” على حد تعبير المعلق، اعتقادا منه، على ما يبدو، بأن ‘العرين’ من الأعلام المكانية مثل “يفري وّاطو” أو “يفري ن-عمار”.

الأمر يطرح من جديد مسألة طغيان العُدة الأدبية التقليدية، القائمة على مجرد تدبيج الجمل الإنشائية على طريقة مصطفى المعروف، كوسيلة تصلح للحديث عن كل شيء، في استخفاف تام بالجانب المعرفي في إعداد الأعمال المتخصصة.

فإذا كان الرسامون الأجانب قد أولوا عناية خاصة لصورة هذا الأسد المتميز فخلدوه في لوحاتهم كما لاحظ ذلك البرنامج، فلأن للأسد قصة راسخة في المتخيل الكوني، عكستها كثير من الأساطير وكثير من المصوغات التشكيلية والبلاستيكسة. فمن جهة، وعلى المستوى المحلي، ما يزال الشكل المعروف لدى صانعات الزرابي في الأطلس بــ”اباشيل ن-ييزم”، أي “قدم الأسد”، يمثل موتيفا من الموتيفات البارزة في تشكيل رسومات تلك الزربية المغربية، وهو الشكل الذي يقابل في أبجدية تيفيناغ حرفَ الزاي؛ ولعل هذا الحرف متطور خطيا عن الرسم الأيديوغرامي الذي يمثل الأسد المسمى”يــزْم” بالأمازيغية، على غرار تطور حرف الجيم (ג ، ج) في أبجديات اللغات السامية عن صورة رسم الجمل؛ وتسميته (גמל = جمل) في اللغات الكنعانية ما تزال تعكس بتلك العلاقة.

ومن جهة ثانية، هناك التقاليد البلاستيكية التشكيلية للأسد الشاراتي (lion héraldique) التي عرفت منذ حضارات الفرس والبابليين، وتم تقـنيـن سيميولوجيتها في القرون الوسطى بأوروبا على الخصوص لضبط الرموز الشاراتية التي تحدد الوضعية الجيوسياسية للكيان المعين (مملكة، ولاية، دوقية، محمية خاضعة، الخ.). ففي هذا الإطار الأخير، وفي اللحظات الأخيرة لفك الارتباط السياسي الفرنسي المباشر بالمغرب بُعيد الاستقلال، وفي إطار العمل على إعادة بناء رمزيات الدولة، استحدث المغرب “الوسام المحمدي” ذي الأسدين الذين ينصبان تاجا على آية “إن تنصروا الله ينصركم”.

وفي غيبة ثقافة بلاستيكية وشاراتيه تاريخية، التجأ المسؤولون إلى الخبرة الأجنبية في تصور وإنجاز ملامح ذلك الوسام. وكانت النتيجة هي استعمال رمز الأسد. لكن ليس أسد الأطلس الضخم، ذي الفروة السوداء الوافرة (“حْلاسة كْحلة” على حد تعبير أحد المعاينين المسنين في البرنامج)، بل أسد هزيل في بنيته ولا فروة له، أسد مَوتور من حيث وضعية قيامه واتجاه نظره، وخصوصا من حيث وضعية ذنبه الكاشح الخانع، بدل أن يكون طائشا نحو الأعلى؛ إنها مواصفات أوضاع الأسد المسمى بـ”الجبان” (couard) والذي كان شارة تفرض في أوروبا القرون الوسطي على الكيانات التي يتم إخصاعها (entité vassale) فتوضع تحت وصاية السيادة العليا (suzérain). أفكان ذلك إذن آخر لمسات نظام الحماية على مستوى الرمزيات؟

فإذ ساهمت سلطات الحماية وخبراؤها ومستشاروها بشكل أساسي بعيد الاستقلال في إعادة هيكلة الفضاء المدني والسياسي والعسكري المغربي “لوضع أسس المغرب الحديث” على حد تعبير ما جاء في تقديم كتاب 2005 Pierre Rousseau حول الشارات المغربية، فإن القطاع الشاراتي المغربي لم يشكل استثناء، وذلك مند أن وضعت النجمة الخضراء في قلب العلَـم المغربي الأحمر وإلى غاية نهاية الخمسينات من القرن العشرين.

ولعل ذلك ما يفسر مثلا سيميولوجيا هيئة الأسدين في ذلك الرمز، من حيث أن الخبير الواضع قد جعلهما كاشحي الذيل بدل إشالته، ومن حيث جعل الأسد الأيمن ملتفتا في توجّس التفاتةَ السباع عامة (ذئب، كلب، الخ.) عندما تنهزم، حيث تلتفت نحوك كاشحة بالذنب، وذلك بدل جعل الأسدين يشيلان بذنبيهما إلى أعلى ويتنمران في إقدام نحو الأمام. كل ذلك يعكس سيميولوجية كانت تـُبطن لا محالة إصرارَ بعض الأوساط على إدامة وتأصيل وضعية الاحتماء والخنوع لدى الدولة المغربية ولو على المستوى الرمزي. والمثل المغربي يقول “نتفة فلكلب ولا يمشي باطل”.

بعد كثير من التحري الذي قمت به وأنا أعد دراسة سيميولوجية مقارنة مفصلة تم نشرها في الموضوع، قيل لي بأن أحد الرهبان من أحدى الكنائس الرباطية هو من أنجز رسم ذلك الوسام، الذي كان قبل بضع سنوات موضوع مراسلة من طرف جمعية نادي المواطنة المهتمة بالرموز الوطنية.

عن  مدونة محمد المدلاوي المنبهي .