يلاحظ أغلب الدارسين والمتتبعين لما يجري في مجتمعات الشرق الأوسط أن هذه المنطقة من المعمور لا تزال بعيدة عن الحداثة وعن قِيَّم حقوق الإنسان والمدنية. ويعد الضمور الفكري والشحوب الإبداعي مؤشرين على أنَّ هذه المجتمعات في الطريق إلى الانقراض. والمقصود بالانقراض هنا هو التلاشي الحضاري الذي سبق أن أصاب مدنياتٍ من قبل، كاليونانية والبابلية والسومرية والفرعونية والرومانية، والبيزنطية، وما إلى ذلك. ودليل سير مجتمعاتنا نحو الانقراض شيوع ممارسة العنف على أفرادها ومكوناتها، وعلى بعضها البعض، وعدم امتلاكها للطاقة الخلاقة والقدرة على الإبداع التي تمكِّنها من إعادة بناء ذاتها حضاريا، والمشاركة في بناء الحضارة الإنسانية العالمية قيد النشأة في ظل ما يسميه البعض بالعصر الكوكبي الذي ينتظر أن تصبح فيه مجموع بلدان المعمور شبه أقاليم محلية لدولة واحدة تغطي مجموع الكرة الأرضية، لها أهداف وقيم مشتركة، وتواجه تحديات واحدة، وتتطلع إلى مستقبل واحد قد يصب في مواصلة الحياة خارج الكوكب الأزرق . كما يتجلى ذلك في كون تلك المجتمعات لم تقم لحد الآن بطرح أسئلة جذرية وجوهرية على تراثها وثقافتها وذاتها، ولا على تاريخها، ولا على علاقة الدين بالسياسة في تدبير شؤونها، ولا على وضعية حقوق الإنسان فيها، ولا على وضع المرأة، ولا على علاقة الذات بالآخر، ولا على مؤسساتها الاجتماعية وثقافتها وما تفرضه من علاقات على أعضائها، وما إلى ذلك…
ويعني عدم طرح هذه المجتمعات للأسئلة رفضَ الحرية والتحول والنمو، كما يدل على عدم رغبتها في ممارسة قطيعة مع عوائقها الذاتية القابعة في بنياتها الذهنية العميقة التي تحول دون ارتيادها لآفاق جديدة تجعلها قادرة على الخلق والإبداع…

كما يدل عدم طرح الأسئلة حول القضايا الآنفة على انعدام الرغبة في التغيير والتحديث وغياب إرادته لدرجة أصبحت معها الظلمات تنحدر منا، فمٌنعنا من التنوير ، وحُرمنا من حقنا في حب وطننا الذي ننتمي إليه…
ويعود عجز هذه المجتمعات إلى البنيات الثقافية والاجتماعية السائدة فيها…. ورفعا لأي التباس، أنوِّهُ إلى أنه لا يمكنني أن أكون ضد أي دين، لأن التدين حاجة كيانية عميقة لدى الفرد لتنظيم علاقته بمكوناته الروحية والنفسية والوجدانية كما بالغيب، لكني ضد الفهم الخاطئ للدين وتوظيفه اجتماعيا وسياسيا لتحقيق غايات سياسية واجتماعية لا علاقة له بها أصلا في أيامنا هذه بالخصوص، حيث يشكل ذلك التسخير اعتداءا وعدوانا سافرين على على الآخرين وعلى الذات والوطن في آن واحد، بل وحتى على الدين ذاته

ويكمن المشكل أساسا في التأويل السائد للدين في هذه المجتمعات، حيث يرى هذا التفسير أن النص الديني يتضمن الحقيقة المطلقة والقول الفصل في كافة المجالات، بما فيها العلمية، مع أن حقائق العلم نسبية ومعرضة للنقد والمراجعة، بل وحتى الهدم كليا أحيانا لفائدة حقائق أخرى جديدة تنبثق من تجدد الرؤى وتطور تقنيات الاستكشاف والملاحظة والتحليل والتجريب، بينما يرى الباحثون من مختلف التخصصات أن الحقيقة نتاج للقاء المتواصل بين الفكر والواقع والتجربة. فالحقيقة ليست موجودة مسبقا في النص. فحتى المسلمين الأوائل ابتكروا التأويل ليقولوا إن الحقيقة ليست موجودة مسبقا في النص، بل النص هو شكل من أشكال الحقيقة لا غير، مشروط بسياقاته. وإذا كان الأمر كذلك، فالحقيقة تتغير باستمرار. والرمز هو ما يفسح لنا المجال أن نتأمل شيئا آخر وراء النص. ولا يوجد معنى النص في النص، والكيفية التي يقدم فيها تجعله محتملا لتأويلات مختلفة ومتعددة حسب العصور والسياقات الاجتماعية والثقافية والجغرافية. لذلك لا يمكن أن تكون الحقيقة محصورة في اللغة، حيث إن في ذلك تغييب للعقل ولحرية البحث…

إذا كان النص عظيما وقرأه عقل صغير، فإنه يتحول إلى نص صغير، وهذا ما يشكل اعتداءا على النص الأصلي وبشكل إساءة ذاتية لقارئه. لذلك فالمشكل كامن في قراءة هذا النص وليس فيه.

 

الاربعاء 21 فبراير 2018./ 05 جمادى الاولى 1439. هج