أكد المنتدى البرلماني الدولي الثالث للعدالة الاجتماعية، الذي انعقد بالبرلمان طيلة اليومين الماضيين، على عدة حقائق ومتطلبات، لا بد لأي عدالة اجتماعية أن ترتكز عليها، وتتجسد واقعا في إطار سيرورة مجتمعية مندمجة وتفاعلية ومتجهة للمستقبل. اليوم، وفي كل المجتمعات، أصبح الاستقرار والأمن الاجتماعي مرتبطا بشكل خاص بالعدالة بمختلف مستوياتها ومنها العدالة الاجتماعية ،وكل إخلال بها، تترتب عنه طبعا، تبعات تغذي الحركات الاحتجاجية وتوسع جبهتها.

لقد كان المنتدى مناسبة لرسم صورة لأي عدالة اجتماعية نريد؟؟ ومن أهم اللحظات التي عبرت عن ذلك، الرسالة الملكية التي اعتبر فيها جلالة الملك، أن العدالة بين الفئات والجهات، تشكل دائما «جوهر توجهاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية»، فضلا عن كونها الغاية المتوخاة من مختلف المبادرات والأوراش، التي تم إطلاقها بهدف تحسين ظروف المعيش اليومي للمواطنين، في ظل العدل والإنصاف والكرامة الإنسانية وتكافؤ الفرص. ويظل تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، في كل دول العالم، مسارا شاقا وطويلا، يقتضي التقييم المنتظم لنتائجه، والتحيين المستمر لأهدافه المرحلية والبعيدة، والتطوير لآليات ووسائل تنفيذه».

المغرب اليوم، يتوفر على رصيد فكري وآليات متعددة تشكل قاعدة يجب تفعيلها من أجل تسريع وتِيرة العدالة الاجتماعية.وهنا نشير إلى تقرير الخمسينية، الذي أنجز تقييما شاملا لمسار التنمية الاجتماعية بالمغرب، ووضع الأصبع على الاختلالات التي تطبع السياسات العمومية. وهناك المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي تدخل عقدها الثاني، بطموح مضاعفة الجهود لتحقيق أهدافها . وهناك دستور 2011 الذي شدد على أن المملكة، حددت اختيارا لا رجعة فيه، متمثلا في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، وتواصل بعزم مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن، ينعم فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة… وثمة الجهوية المتقدمة التي تضع على عاتق الجماعات الترابية مسؤوليات واختصاصات واسعة …

المغرب اليوم، الذي وضع عددا من الاستراتيجيات والخطط والبرامج والمواثيق في المجالات الاقتصادية والاجتماعية على الخصوص، بحاجة مستعجلة لتسريع وإعمال هذا الرصيد، وإلى نجاعة الآليات المحدثة ، بل في أمس الحاجة -كما ورد في الرسالة الملكية- إلى وضع مسألة الشباب في صلب النموذج التنموي المنشود، وتغيير العقليات، لترسيخ ثقافة جديدة للمبادرة والاعتماد على النفس وروح الابتكار، وربط المسؤولية بالمحاسبة،وإصلاح الإدارة العمومية، لأنه لا يمكن تحقيق إقلاع اقتصادي واجتماعي حقيقي، دون قيام المرافق العمومية بمهامها في خدمة المواطن وتحفيز الاستثمار، وانخراط القطاعين العام والخاص، في شراكات مبتكرة وفعالة، للنهوض بالتنمية الشاملة.

ودون شك، وكما أكدت العديد من المداخلات بالمنتدى، فإن البعد المجالي، يعد ركيزة أساسية للعدالة الاجتماعية، وللنموذج التنموي الجديد، الذي دعا إليه جلالة الملك.

إن التوازن بين الجهات، وترسيخ الديمقراطية ودولة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وتجويد منظومة التربية والتكوين والصحة والحماية الاجتماعية، وتكافؤ الفرص للجميع، والإنصاف الاجتماعي، والقضاء على الهشاشة والفقر والتهميش، كلها وغيرها متطلبات العدالة الاجتماعية التي نناضل من أجل تحقيقها، ويطمح إليها المواطن المغربي.

الاربعاء 21 فبراير 2018./ 05 جمادى الثانية 1439. هج