(1) نموذجان لنصرة الإسلام.

 

(أ)        يقول صاحب “إحياء علوم الدين”، حجة الإسلام، الإمام أبو حامد الغزالي، في كتابه “المنقذ من الضلال”، في غضون حديثه عن ردّ أرسطو على مدرسة أفلاطون وسقراط، ما يلي: ((… إلا أنه [أي أرسطو] استبقى أيضا من رذائل كُـفرهم وبدعتهم بقايا لم يوفـَّـق للنزْع منها؛ فوجب تكفيرُهم وتكفيرُ متــّـبعيـهم من المُتـفـلسفة الإسلاميين، كابن سيناء والفارابي وغيرهما)).

واستمرارا منه في استعراض علوم عصره والحكم على كل منها، قال في شأن العلوم الرياضية ما يلي: ((وقد تولدتْ منها آفـتـان. الأولى [هي أن] من ينظر فيها يتعجب من دقائقها ومن ظهور براهينها، فيُحسِن بسبب ذلك اعتقادَه بالفلاسفة … ثم يكون قد سمع من كـُـفرهم وتعطيلهم وتهاونهم بالشرع ما تناولته الألسن، فيكفر بالتقليد المحض. … فهذه آفة عظيمة؛ لأجلها يجب زجر من يخوض في تلك العلوم؛ فإنها، وإن لم تتعلق بأمر الدين، لكن لمّا كانت من مبادئ علومهم [يقصد من سماهم بـ”المتفلسفة”]، يسري إليه شرهم وشؤمهم. فقـليلٌ مَن يخوض فيها، إلا وينخلع من الدين وينحل عن رأسه لجامُ التقوى)).

ولما وصل في استعراضه وأحكامه إلى العلم الأساسي الأول لـ”علوم الآلة”، التي بها تبنى صروح بقية “علوم الغاية”، أي علم المنطق، الذي ألف بنفسه كتاب “معيار العلم في فن المنطق” في بعض مداخله الأساسية اللازمة لإثبات التوحيد، فقد قال في الحكم على هذا العلم في ‘المنقذ من الضلال” ما يلي: ((وأما المنطقيات فلا يتعلق شيء منها بالدين نفيا أو إثباتا)). ثم واصل في حديثه عن منهج المناطقة، فقال من بين ما قال: ((… نعم، لهم نوع من الظلم في هذا العلم؛ وهو أنهم يَجمعون للبرهان حُججا يـُعلـَم أنها تُورثُ اليقينَ لا محالة. … و[لكن] ربما يَـنظر في المنطق أيضا مَن يستحسنه ويراه واضحا، فيظن [بسبب ذلك الوضوح الطبيعي] بأن ما يُـنقـل عنهم من الكفريات مؤيـَّـدةٌ بمثل تلك البراهين، فينتهى بالكفر، قبل الانتهاء إلى العلوم الإلهية [ليخوض فيها]. فهذه الآفة أيضا متطرقة إليه [أي إلى المنطق]. … وأما علوم الإلهيات، ففيها أكثرُ أغاليطهم … ولقد قرّب أريسطوطاليس مذهبَـه فيها من مذاهب الإسلاميين [!!!]، على ما نقله الفارابي وابن سيناء. ولكن مجموع ما غلطوا فيه يرجع إلى عشرين أصلا، يجب تكفيرهم في ثلاثة منها، وتبديعهم في سبعة عشر)).

وأخيرا، وأثناء حديثه عن مذهب الإشرقات العرفانية (gnose) في باب الإلهيات، يُفصح الإمام في النهاية عن خلفية الإطار السياسي المؤسسي وليس الصوفي المحض لمنهجه التربوي فيقول: ((فعَــنّ لي أن أبحث في مقالاتهم لأطلع على ما في كـنفهم؛ ثم اتفق أن ورد علي أمرٌ جازمٌ من حضرة الخلافة بتصنيف كتاب يكشف عن حقيقة مذهبهم، فلم يسعني مدافعـتُــه؛ وصار ذلك مستحسنا من خارج، ضميمةً للباعث الأصلي من الباطن، فبدأت بجمع كتبهم وجمع مقالاتهم …)).

الخـــلاصــــــــة:

إنه نموذج لـنُصرة الإسلام بثمن الكفر بنعمة العقل وتعطيل طاقاته (أي حريته في وضع الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها)، وعن طريق إساءة الظن بالعلم والتوجّس ريبة من آلته التي هي الرياضيات والمنطق والفلسفة درءا للذرائع، وعن طريق فرض الحجر والوصاية والرقابة على النشء في إطار تربية قائمة على الزجر، وذلك كله تنفيذا في نهاية المطاف لأمر جازم من حضرة الخلافة. نصرة إسلام يوجب تكفير “الفارابي وابن سينا وغيرهما” ويتوسم في المنطق والرياضيات من الآفات ما يوجب الزجر عن الخوض فيها، إسلام لا يزيد بهذا المفهوم إلا انتصارا إذا ما قال المسلم المحصّـن من آفات المنطق والرياضيات ومن “الكفر بالتقليد المحض” مثلا: (إذا كان قد أخطأ ديكارت في قوله بـ”خلوّ الطبيعة من الفراغ وأن الفراغ إنما يوجد في ذهن باسكال”، فإنه إذَن لم يقل الصواب في حكمه، والله أعلم!”)، أو إذا ما قال: (“إذا كنت لا تملك إلا دينارا واحدا، فوهبك الخليفة ألف دينار، فأنت تملك حينئذ ألفَ دينار ودينارا، والله أعلم!”)

 

(ب)       وبعد حوالي نصف قرن من حملة الإمام الغزالي الفكرية لإحياء علوم الدين ونصرة الدين بقهر العقل ودكّ معاقله التي هي المنطق والرياضيات، وذلك بِأسلحة تربيةٍ لـ”لإنقاذ من الضلال”، قائمةٍ على الرقابة والحجر والزجر ومحاربة “الكفر بالتقليد المحض”، كان هناك فضاء آخر مغاير جغرافيا وثقافيا لفضاء الإمام، مغايرةً يُطلِق عليها البعض اليوم “الخصوصية المغربية”، وهو فضاء مخالف في مضامين قيمه لمنهج الإمام، وإن لم تجد عبقرية جيل أصحابه في ذلك الوقت من سبيل مؤسَّسي لتدبير ذلك الاختلاف إلا بإقدام إقصائي بدائي على إحراق كتاب “إحياء علوم الدين” في احتفالات شبه-وثنية بالساحات العمومية، بناء على فتاوى أئمة آخرين، وبـ”أمر جازم” من حضرة خلافة أخرى “لم يسعهم مدافعته”. كان ذلك الفضاء، مع ذلك، ما يزال ينصر الدين إجمالا بما يتكامل به مع الدنيا، إي بما لا يجعله نقيضا للعقل وعدوّا. إنه فضاء الغرب الإسلامي لقطبي القرويين وقرطبة.

يقول الطبيب، الحبر الحكيم والرياضي، السموءل بن يحيى بن عباس المغربي (توفي في 1175م) في مقدمة كتابٍ له اُختيرت له بعدَ موته عدةُ عناوين من عناوين التوظيف السجالي أهمها “بذل المجهود في إفحام اليهود”، يقول متحدثا عن أبيه، الرياضي الحكيم “يهودا بن إبون الفاسي” الذي نهل من ينابيع ذلك الفضاء التاريخي، ما يلي: ((… وكان قد أحسن تربيتي، إذ شغلني منذ أول حداثتي بالعلوم البرهانية، وزيّن ذهني وخاطري في الحساب والهندسة المـعـلـِّـمَـين … ثم إني لما هذبت خاطري بالعلوم الرياضية، ولا سيما الهندسة وبراهينها، راجعت نفسي في اختلاف الناس في الأديان والمذاهب، فعلمت أن العقل حاكمٌ يجب تحكيمه على كليات عالمنا هذا. إذ لولا أن العقل أرشدنا إلى اتـّباع الأنبياء والرسل، لما صدقناهم في سائر ما نقلنا عنهم. وعلمت أنه إذا ما كان أصل التمسك بالمذاهب الموروثة عن السلف، وأصلُ اتـّـباع الأنبياء، أمرا يؤدي إليه العقل، فإن تحكيم العقل في كليات جميع ذلك واجبٌ. وإذا نحن حكـّمنا العقل على ما نقلناه عن الآباء والأجداد، علـِمنا أن النقل عن السلف ليس يوجبُ العقلُ قبولـَه من غير امتحان لصحته ولمجرد كونه مأخوذا عن السلف، لكن من أجل أن يكون أمرا ذا حقيقة في ذاته و[أن تكون] الحجةُ موجودة بصحته. فأما الأبوة السلفية وحدها فليست بحجة؛ إذ لو كانت حجة لكانت أيضا حجة لسائر الخصوم. … فإن كان تقليد الآباء والأسلاف يدل على صحة ما ينقل عنهم، فإن ذلك يلزم منه الإقرارُ بصحة مقالة المجوس)).(1)

ويواصل السموءل عرض منطق رحلته، رحلة السالك الباحث عن حقيقة الإيمان فيقول: ((… وعلمتُ أيضا بأني لم أر موسى ولم أشاهد معجزاته، ولا معجزات غيره من الأنبياء – عليهم السلام – ولولا النقل وتقليد الناقلين، لـَما عرفنا شيئا من ذلك؛ فعلمت أنه لا يجوز للعاقل أن يصدق واحدا ويكذب واحدا من هؤلاء الأنبياء – عليهم السلام – لأنه لم ير أحدهم ولا شاهد أحواله إلا بالنقل؛ وشهادة التواتر موجودة لثلاثـتهم. … بل الواجب عقلا أن يُصدّق الكل. فأما تكذيب الكل، فإن العقل لا يوجبه أيضا، لأنا أنما نجدهم أتوا بمكارم الأخلاق، وندبوا إلى الفضائل، ونهوا عن الرذائل، ولأنا نجدهم قد ساسوا العالم سياسة بها صلاح حاله.)). أما عن الجانب الرياضي، الذي قال السموءل أنه كان قد هذب به ذهنَه فانتهي إلى ما انتهى إليه، فيقول إدريس خليل (الوزير المغربي للتعليم العالي سابقا) في مقال نشر بالفرنسية سنة 1980 ما ترجمته: ((كان رياضيا كبيرا، قوبلت أعماله في الرياضيات بتجاهل كبير. … فقد تجاهلته أوساط تاريخ الرياضيات في العصر الحديث بالرغم من إنجازاته ذات البعد الكوني في الميدان … لقد نسي التاريخ كشوفاته الرياضية، التي أُسنِدت بعده إلى غيره، على غرار ما حصل لما يسمى اليوم في الغرب بـ”مثلث باسكال”)).

الخـــلاصــــة

           إنه نموذج الاهتداء إلى دين آخر، هو الإسلام بالضبط، على هدي تحكيم طاقات العقل وموعظة ضميره الحر، بعد تهذيبه بالعلم وآلته (العلوم البرهانية من رياضيات ومنطق وإلهيات)، وذلك على منهاج تربية الفطرة وحرية الضمير، وفي استقلال عن وصاية وحجر أي وجه من أوجه مؤسسة الخلافة؛ إنه اهتداء إلى إسلام يصدّق ما بين يديه من التوراة والإنجيل تصديقا قائما على أساس من المعرفة الموصوفة بالصحف الأولى وبما يتصل بها من علوم، وليس تصديقا قائما على مجرد إعلان ذلك بالشهادة أو بعنعنة المرويات. وفي هذا الباب بالضبط يقول الحكيم السموءل في مقدمة كتابه: ((والغرض الأقصى من إنشاء هذه الكلمة: [هو] الرد على أهل اللجاج والعناد [من الربـّيين]، وأن يَـظهر ما يعتور كلمتهم من الفساد. على أن الأئمة – ضوعف ثوابهم – [يعني أئمة المسلمين] قد انتـُـدِبوا لذلك، وسلكوا في مناظرتهم اليهودَ أنواعَ المسالك. إلا أن أكثر ما نوظروا به لا يكادون يفهمونه)).

 

(2) نموذجان لتأهيل دين من الأديان.

بعد سبعة قرون من جيل السموءل، ينبثق حكيم آخر من نفس الفضاء، أي من مدينة فاس بالضبط، التي انحدر إليها أجداده من جبال الأطلس. إنه حكيم آخر أكمل مشوار البحث عن الحقيقة في ديار أخرى، أي الحكيم “إيلــيا بن أمازيغ” Elie Benmozegh (توفي: 1900م). هذا الحكيم لم تـُفـضِ به رحلة السالك على درب نُـشدان الحقيقة إلى تغييـر الإطار الشرائعي لإيمانه كما حصل للسموءل؛ لكنها انتهت به مع ذلك إلى حقيقة أن الديانات الحنفية الثلاث لملة إبراهيم (اليهودية والمسيحية والإسلام) ديانات متداخلة، متناصة ومتكاملة ({إن هذا لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى}ق.ك). وبناء على ذلك، يخلص ابن أمازيغ إلى أن ليس البـرّ مقصورا على متبعي إطار شريعة من شرائع تلك الديانات دون غيرهم من العالمين في إطار أي تصور، مهما كان، لأي وجه من أوجه نظريات الاصطفاء. وفي ذلك يقول في كتابه الضخم “بنو إسرائيل والبشرية” (Israël et l’Humanité: 1904) ما يلي:

((ذلك أنه، إذا أمكـننا أن نتصور مفهوما محليا أو جهويا للإله، يتخذ مع الزمن مظهرا كونيا في نظر أصحابه بعد غـلـبـته على التصورات المنافِـسة، فإنه من المحال تصورُ إله واحدٍ أحدٍ تقـتـصر عـنايتُـه على أمة واحدة على سبيل الحصر دون سائر الأمم)). ثم يضيف في مكان آخر قائلا: ((إن الفكرة التي تأسست عليها اليهودية الأولى، ألا وهي القول بأن كل البشرية منحدرة من آدم وحواء،(2) فكرة يترتب عليها مبدأ المساواة بين بني البشر … وتعلـّمنا اليهودية الأولى بأن الله خلق العالم، وأن كل أمة يمكن أن تكون فاضلة ومرضية عند الله. ويترتب على ذلك أن لكل امرئ كرامته الروحية الخاصة به)).

ويقول “إيـمي باليــير”، كاتب مقدمة “بنو إسرائيل والبشرية” عن دور “خصوصية” الفضاء الثقافي التاريخي الذي انحدر منه ابن أمازيغ إلى موطن جنسيته الجديدة ما يلي:

((لقد قدِمت عائلته من مدينة فاس، فاستقرت بإيطاليا؛ ويرى البعض، ربما في غير مجانبة للصواب، بأن هذا الأصل المغربي ليس غريبا عن توجيه التطور الفكري لذلك الفتى الذي سيطلق عليه لاحقا لقب “أفلاطون الفكر اليهودي بإيطاليا”)).

المجهود الفلسفي للفيلسوف إيليا بن أمازيغ في باب تأهيل الفكر اليهودي خاصة وتجديده ليتأقلم مع الأزمنة الحديثة ويحافظ على حظوظه في حياة ما يُستقبل من التاريخ، هو الوجه الجنوبي لفكر مشاركِه في الملة اليهودية، الفيلسوف الألماني موسى مانديلسون Moses Mendelsohn الذي عاش بالضفة الشمالية قبل قرنين من جيل ابن أمازيغ، ذلك الفكر المعبَّرِ عنه في كتاب مانديلسون الذي تم الحديث عنه مرارا في هذا العمود (“مساءلة البداهة”؛ العلم). تمّ كل ذلك في فضاء الفكر اليهودي كانعكاس لما كان قد تم في القرن السادس عشر الميلادي من تأهيل الفكر المسيحي للعصر الحديث من خلال الثورة البروتستانتية على مؤسسة الكنيسة وليس على دولة القيصر.

 

(3) نموذج لتأهيل دين من الأديان.

إن كلاّ من عملي المفكرين، مانديلسون وابن أمازيغ، رائدٌ في باب إعادة طرح مسألة ما كان قد أرّق جيل السموءل من بني طينته من “اختلاف الناس في الأديان والمذاهب” في المدائن؛ وقد أعادا معا طرح المسألة طرحا تجديديا حداثيا على ضوء بداية تبدل هيئة الدولة الحديثة في أفق تأهيل الديانة اليهودية للانخراط في تلك الحداثة. ولا تتمثل حداثيـة ذلك الطرح في ما قد يُـتصور اليوم من دعوة غوغائية أو منافقة لما أصبح اليوم يسمى “حوار الأديان” من أجل “التقريب بين العقائد”، وهي دعوة قديمة اتفق المفكران معا، بالرغم من بعد الزمن والثقافة والجغرافيا، على تسفيهها باعتبار أنها منافية لطبيعة القناعة الدينية، إضافة إلى أن ماندليسون، على وجه الخصوص، قد توسّم، بحق، في جوهر تلك الدعوة نفس الموقف الأيديولوجي المبطن الأقدم، الذي يجعل القبولَ المتبادلَ للأفراد والجماعات في حظيرة المدينة (“الدولة المدنية” بالتعبير الحديث) أمرا رهينا بوحدة العقيدة أو المذهب المعين من مذاهب عقيدة معينة.(3) إنما تتمثل تلك الحداثية الجوهرية، غير المزيفة وغير المزايدة، في تبيان ذينك المفكرين تبيانا قائما على العقل والمعرفة لا على الظن والهوى ومرويات “زعموا”، لحقيقة كون الديانات الحنفية (اليهودية والمسيحية والإسلام) ديانات متداخلة في مبادئها، متناصّة في نصوصها المؤسِّسة، ومتكاملة في جوهر قيم مقاصدها كما كان قد بين السموءل ذلك في حديثه عن الأنبياء، كما تتمثل تلك الحداثية في تبيان ذينك المفكرين إلى أي حدّ يكون من شأن التعارف المتبادل،(‘2) المبني على العلم والمعرفة، أن يكون لخير وفي صالح تأهيل كل واحدة من تلك الديانات على حدة، بشكل يمكـّن أتباع الملل الثلاث من التفتح الأخلاقي على المحيط الكوني الجديد بشكل يجعلهم ينعتـقون، في دينهم ودنياهم، من كل التشنجات والتوترات المدمرة التي لا تنبني إلا على أسس من نقائص التجاهل المتبادل، المبني على الجهل ومعاداة المعرفة.

بهذا التصور، يتأهل الدين لفضيلة تصالح العقيدة مع العقل ومع العلم، ومع الدولة الحديثة لمجتمع المعرفة كنتيجة لذلك؛ وبذلك لن تبقى نصرة الدين متوقفة على الزجر التربوي وتسيـيـج الذهن في باب، وعلى التعنيف البيداغوجي للدماغ بالحشو القسري لمدونة من الأحكام الجاهزة حول الوجود والحرية والمصير والمعرفة، في باب آخر، ولا على مجرد سلطان مؤسسات “الرقابة على الغير”، ويقظة شرطة السلوك، وعنف القوات المساعدة في الحياة اليومية، وغير ذلك من أساليب كل ضعيفِ معنويا، مستبدٍّ ماديا.

إن كل فلسفة تربوية لمثل هذا الأسلوب الأخير لا تؤسس إلا أخلاق ومعنويات العبيد؛ وأخلاق العبد شديدة الهشاشة من حيث كونها ملغومة باستمرار بخطر انفلات نوازع أهواء طويته (من غرائز وأطماع وعدوانية النفس الأمارة بالسوء)، تلك الطوية التي لم يُربّ فيها الوازع الحر. إنها مخاطر انفلات النوازع في أي لحظة من لحظات فتور عين الرقيب الخارجي أو تكسّر عصا قواته المساعدة. أي أن “أخلاق العبد” تبقى دائما تحت رحمةِ انفجار محتمل في كل لحظة لـبركان “حرية العبد الآبق”.

هذا النوع الأخير من المعنويات، كحصيلة لمنهج من مناهج التربية يعتمد على الرقابة والزجر وتمثيل الضمير بالنيابة عن الغير، هو جوهر ما دعاه الأستاذ عبد الإله بنكيران في معرض حديثه عن أصداء مسودة الإصلاح الدستوري، حسب ما أوردت ذلك الصحافة (14 يونيو 2011) بـ”الهشاشة وعدم التكافؤ الثقافي”، وليس الهشاشة المادية الاقتصادية. فكثير ممن استهوتهم أطر شرائعية أخرى، غير التي تربوا فيها وعليها، لتفتيق مشاعر إيمانهم، لم يكونوا دائما فقراء؛ بل العكس هو الصحيح. وأبرز الأمثلة على ذلك هو إسلام السموءل المغربي قديما، واعتناق المغربي محمد عبد الجليل للمسيحية في عصرنا (1928) حيث أصبح قـُسّا كنسيا باسم Le prêtre Jean-Mohamed Abdeljalil، وهو من أسرة أريسطوقراطية جد ميسورة ومنخرطة في الحركة الوطنية، وذلك بزمن قليل قبيل رفع شعار “اللطيف” في المساجد، ذلك اللطيف الذي كان “يشفق” على فقراء “إخواننا البرابر” في “المغرب غير النافع” من مخاطر التمسيح بسبب ما يُعتـقـد من “هشاشة” عقيدتهم، أي من كونهم ممن “يعبدون الله على حرف” بسبب فقر مغربهم غير النافع، كما روجت ذلك الإثنوغرافية الفرنسية فصدّقها أصحاب اللطيف. ثم إن فقراء البودية أو الهندوسية مثلا، في شرق آسيا، ليسوا أبدا من الهشاشة الروحية بحيث تفترض ذلك النظريةُ “الاقتصادوية” التي تفسر كل الموبقات (الإرهاب، الانخراط في فرق الملل والنحل، العصيان في المدرسة، العدوان في الشارع وفي الحي وفي الملاعب، الاستهتار بالقانون بدءا بقانون السير، الإدمان على الكحوليات، استهلاك المخدرات والاتجار فيها، احتراف العهارة، ، الخ.) بـ”الأوضاع المادية الاقتصادية”، كما كان ذلك التفسير سائدا في “تحليلات” فكر دوغمائـيّــي المادية التاريخية من غلاة الشيوعيين. فأنت لو أنفقت كل ما في خزائن عائدات النفط جميعا، فقد تحصل على الشهادتين من على حرفي الشفتين وعلى كثير من التصريحات الفضائية من هذا “المفكر العالمي” أو ذاك، يسفه من خلالها كل الأديان ما عدا دينك الذي أفلحت دولاراتك في تأليف قلبه فيه، بل قد تحصل حتى على إرسال لحية وَقار هيـبّـيـة ستينية، بدلالات سيميولوجية ملتبسة حاليا، من طرف هذا النجم الرياضي أو الفني العالمي، أو على وضع “حجاب” إغراء على الرأس وحول العنق من توقيع أشهر الدور من “شانيل”، “ديور”، “سان-لوران” أو غيرها، من طرف هذه الفنانة الشقراء “التائبة” أو تلك، فيصفق لكل ذلك في الأخير جميع من في قلوبهم فراغ مهين رهيب، ولكنك لن تستهوي قطعاً بدولاراتك النفطية أفقرَ فقراء البوديين أوالهندوس أو الكونفيشيوس في جبال آسيا وصحاريها غير النافعة.

فلكل ذلك، أي كل ما يتعلق بتربية “أخلاق العبيد”، في مقابل تربية أخلاق المؤمن هذه الأخيرة باعتبارها حالة من حالات جهد الضمير والبصيرة، وليست مجردَ انضباط شكلي لقهر خارجي، يناهض مانديلسون كافـة أوجه القَـسَـم والأيمان اللفظية العلنية والشهادات التصريحية الصورية مما تــمّ توقيفُ صِيَـغه، في إطار أدبيات الفـقـهيـات الرِّبّـيـة وتم اعـتماده استصداره من الفرد كـمُستـنَـد لإثبات إيمانه أمام هيئة معينة، هذا الإثبات المُقتضَى الذي ينطوي بالقوة في جوهره على أُسُـس ممارسات الـتـفـتـيش (Inquisition) التي يعرفـها التاريخ من حين لآخر. وفي ذلك يقول في ما يتعلق بمؤسسة الدولة في هذا الشأن:

((ولذلك فليس جديرا بالدولة أن تـنـتـصب كهيئة ضميرية مفعِّـلة وضامنة لكل الواجبات الأخلاقية للفرد، محوِّلةً هذه الواجبات الفردية جميعا إلى صلاحيات حقّ عامّ [تضبطه الجزاءات المدنية]. فالإنسان إنما يشعر بقيمته الخاصة حينما يقوم بفعل كثير من أوجه البِّـر والصلاح (…) انطلاقا من إرادته؛ أما عندما يفعل أي وجه من أوجه الصلاح العام لمجرد كونه مجبَـرا على ذلك، فإنما يشعـر حينئذ بما يشكله حصولُ ذلك الصلاح من إكراه خارجي.)).

وإذ الدين والتدين في جوهره فضيلة كرّم بها الإنسان لترفع من معنوياته لتجاوز جوانبه الحيوانية، ولا ينال الخالق من شعائرها ومناسكها لا دماؤها ولا لحومها، فإن مانديلسون يستهين كثيرا بقيمة دين وتدين لا يلتزم به الفرد والجماعة إلا بالإلزام السلطوي والمؤسسي. ومما هو بعيد عن هذا التصور ومناقض له، وطاعن بحق – كما نبه إلى ذلك الأستاذ محمد الساسي – في طوايا ضمائر المسلمين المغاربة بشكل جماعي، ما أسند مؤخرا إلى الفقيه أحمد الريسوني من قوله من خارج الوطن في خضم التدافع على مشروع الدستور بالمغرب: “إذا تركنا الباب واسعا لحرية التدين، فإن الأغلبية ستخرج من الإسلام، والملك يكون إمامَ مَن؟” (أخبار اليوم: 18 يونيو 2011). فزيادة على ترجمة ذلك القول لمفهوم معين للدين والإيمان، فهو قول ليس برأي تحليلي أو اقتراحي وإنما هو حكم بغير علم، حيث لا علم، بما أنه وحدَه الخالق عليم بذات الصدور. حكمٌ على المواطنين جماعيا بأن إيمانهم قائم على مجرد إلزام قانوني، أي أنهم إنما يعبدون الله على حرف؛ وهو ما يضع الهيئات الدينية أمام تحد أخلاقي جسيم، ليس باعتبار أن “لها حق الرقابة على الغير” ولكن باعتبار مسؤوليتها الأخلاقية في تحصين المؤمنين من خطابات عقلية “التكفير الجماعي كأصل في حق الذمم” التي تصدر عنها مثل تلك الأحكام.

هذا المستوى الأخير الذي تحدث عنه مانديلسون في كلامه عن مهام الدولة في تعاملها مع حرية الضمير الديني متميز، بالطبع، عن مستوى ضبط الحياة المدنية العامة بالقوانين وبتفعيلها، ومن بين ذلك قوانينُ حماية الفرد والجماعة من مختلف أشكال التغرير التي تستغل كل أشكال القصور (حداثة السن، إعاقة جسدية أو ذهنية، هشاشة اجتماعية، عزلة سياسة تدبير ترابي، الخ.) لاستعباد ضمائر الأفراد أو الجماعات وعزلهم منهجيا وتنظيميا عن محيطهم العام لغايات منظمة معينة. أن كل ذلك يدخل في باب الجريمة المنظمة؛ وهو في مقدمة مهام الدولة المدنية الحديثة، كما هو شأن القوانين الجنائية المتعلقة بأنشطة الفِرق الجماعات السرية مثلا (Les sectes secrètes)، دينية كانت – ومن أي دين موصوف أو غير موصوف – أم ابتزازية نصّابة مثل جماعات “السيانتولوجيا” (Scientologie) و”شهود ياهوه” (Témoins de Jéhovah)، أم انغلاقية قيامية تيئيسية (apocalyptique) كتلك التي تشغل في هذه الأيام بال المصالح الأمنية الفرنسية الخاصة،(4) وجميع الأنشطة التي تقاس على ذلك في كافة الدول المدنية الحديثة قياسا على ضوء الخصوصيات السوسيو-ثقافية للمجتمع.

تلك هي شروط التأهيل الديني، وهي شروطُ صِحّـةٍ. أما من حيث الوجوب، أي وجوب التأهيل في حد ذاته، فإن الدين الحيّ مؤسسةٌ – ككل مؤسسات الأبعاد المتعددة للإنسان – يتعين تجديدُها وتأهيلها كفرض كفاية جَمْعي على رأس كل منعطف تاريخي، وذلك بمقتضى العقل، وبحكم ما ورد في النقل، وبصفة لا تقل معقولية في التصور عما نسمعه الآن من ضرورة تأهيل الاقتصاد، وتأهيل اللغة، وتأهيل العنصر البشري، وتأهيل الأحزاب لتأطير المواطنين، وتأهيل الدولة لتدبير شؤونهم. ذلك هو شرط البقاء؛ لأن مجرد صفةَ الوجود لا تستلزم بالضرورة صفة البقاء كما تستلزم ذلك صفةُ القِدم، حسب ما هو معروف عند أهل علم الكلام؛ مع العلم أن الدين محدُث وليس بقديم، بل هو أحدثُ من الإنسان.

(***)

(1) {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها: إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون}ق.ك
(2) {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا؛ إن أكرمكم عند الله أتقاكم}ق.ك. الحجرات:13
(*)عن موقع :
https://orbinah.blog4ever.com/نشر بها في 2011
 الجمعة 23 فبراير 2018./ 07 جمادى الثانية 1439..هج