عندما كتبت الأسبوع الماضي عن انهيار الدرس الكلامي بالجامعات والمعاهد الدينية في العالم العربي اعتبر بعضهم أن علم الكلام عقيم المناهج والأثر، ومتجاوز معرفياً، ولا معنى للمطالبة بإعادة الاعتبار إليه اليوم. تلك أطروحة معروفة في الكتابات الأيديولوجية الإسلامية التي أرادت أن تعوض المباحث الكلامية التقليدية بكتابات «التصور الإسلامي»، التي ارتبطت بالمدرسة القطبية (سيد قطب ومحمد قطب)، وتعني النظر إلى الإسلام بصفته منظومة أيديولوجية لها رؤيتها للعالم وللإنسان، في مقابل الأنساق الأيديولوجية الأخرى. وإذا كان برز اتجاه معروف لتجديد علم الكلام من محمد عبده إلى حسن حنفي، فإن الحقل الفكري الإسلامي تأثر إجمالاً بالأطروحة الأيديولوجية للإسلام السياسي في نبذه لعلم الكلام. المغالطة الكبرى التي يقوم عليها هذا الموقف هي اعتبار الكلام علماً للاهوت، في حين أنه يختلف جذرياً عن علم اللاهوت الذي ظهر في السياق المسيحي الوسيط، وفق مطلب الصياغة العقلانية لطبيعة الألوهية في نظام الاعتقاد القائم على التجسد والتثليث، بما وظفت له المدونة الفلسفية اليونانية التي تمحورت حول تصورين متمايزين للإله: المثال اللامتناهي أو الجوهر المفارق من جهة، والصانع أو المحرك الأول من جهة أخرى.

 

أما علم الكلام الإسلامي، وإن لم يكن أقل عمقاً نظرياً ولا حيوية إشكالياً من اللاهوت العقلي، فإنه لم يكن علماً لاهوتياً حتى في تناوله موضوعه الأساس الذي هو الصفات الإلهية. فمهما كان الاختلاف داخل المدارس الكلامية في مسألة العلاقة بين الذات والصفات، سواء كان القول إن الصفات هي عين الذات (الأطروحة الاعتزالية)، أو قائمة بالذات دون فصلها عنها (الأطروحة الأشعرية)، فإن المتكلمين اتفقوا على أن الصفات ألا تُخبر عن الله في كنهه وذاته المطلقة. ومن هنا يمكن القول إن البحث في الذات الإلهية لم يكن من مشاغل أهل الكلام التي تركزت في الطبيعيات والأخلاق لا الميتافيزيقا.

فإذا كان مبحث الطبيعيات الكلامي يتعلق أساساً بمجال الفعل الإلهي؛ أي الطبيعة المخلوقة المتناهية مكاناً وزماناً الخالية من التعالي الروحي والوجودي (مركبة من ذرات ليس بينها ارتباط عضوي، بما يمهد للتصور الرياضي للطبيعة)، فإن المبحث الأخلاقي هو الذي استأثر بالنقاش العقدي الأساسي المرتبط بالفعل الإنساني من حيث علاقته بالصفات الإلهية؛ أي صفات القدرة والحكمة والرحمة التي تؤسس البنية الأخلاقية لعلاقة الإنسان بخالقه.

وعلى عكس المقاربة السائدة للمبحث الكلامي حول خلق الأفعال، لم يكن للنقاش في هذه المسألة دلالة كبرى بخصوص مفهوم الحرية الإنسانية، لأن المدار فيها هو تأثير الصفات الإلهية في الوجود، ذلك أن القول بإطلاق الإرادة الإلهية لا يستتبعه نفي حرية الإنسان، بل إن هذا المبدأ العقدي هو المرجعية اللازمة لنظام الوجود ومعقوليته في غياب أي تصور طبيعي محدد على غرار التصورات اليونانية للكون. حرية الإنسان إذن ليست منفية من منظور القدرة الإلهية المطلقة، بل إن مجال هذه القدرة؛ أي ما تتيحه من اختيارات وإمكانات، هو المضمون الموضوعي لحرية الإنسان، ومن دون هذه المرجعية العقدية لا سبيل لتصور حرية الإنسان إلا كإرادة ذاتية فارغة.

ما يتعين التنبيه إليه هو أن لاهوت القدرة لا يمكن فهمه من زاوية القوة التسلطية التي يستأثر بها ملك مهيمن على خلقه، لأن مبدأ التوحيد لا يعني الانفصال الخارجي لما يقتضيه هذا التصور من تجسيم وقول بالجهة وافتراض المشاركة في مستوى الوجود، ولذا أكد المتكلمون – بمن فيهم المغالون في الإثبات – أن صفات القوة والتحكم، وإن أفادت القدرة اللامتناهية، فإنها تفهم في ضوء المخالفة والمغايرة مع الخلق، ولا تدرك إلا مع بقية الصفات التي تعرف بها الحق على خلقه من رحمة ولطف وعناية.

وكما يقول أبو حامد الغزالي، يتعين التمييز بين الخطاب الإيجابي في الإلهيات الذي يدرك بالنص وحده لا العقل والمعرفة الحقيقية لله التي لا تتم عن طريق النظر، بل مسلكها هو التزكية الأخلاقية، بما يعني نقل المشكل النظري إلى أفق أخلاقي خارج المعضلات الأنطولوجية التي لا مخرج منها. طريق النظر العقلي كما يرى الغزالي له مسلكان، أحدهما قاصر لأنه يقوم على التشبيه والإيهام والآخر مسدود لأنه يقوم على رفع الإنسان إلى مستوى الألوهية وهو ما لا سبيل إليه، ولذا فما دامت نهاية معرفة الله عقلاً هي الوعي باستحالة معرفته، فانه يجب الخروج من معضلة التشبيه إلى التشبه بأسماء الله، بما يعني أن علم الكلام يفضي ضرورة إلى الأخلاق لا إلى الميتافيزيقا.

 

الجمعة 09 مارس 2018./ 21 جمادى الثانية 1439.هج