لم تطرح المجتمعات العربية الإسلامية أسئلة جذرية وذات معنى على ذاتها وتاريخها وثقافتها بغية التخلُّص من عقال النزعات التقليدية واجتراح أفق للتحديث والتنمية والتقدم….

ويعود ذلك أساسا إلى التأويل السائد للدين في هذه المجتمعات، حيث ينهض هذ الأخير على قراءة حرفية خطية للنص الديني خالية من أي إعمال للعقل والخيال. ويرى فقهاء هذه القراءة أن النص الديني يتضمن الحقيقة المطلقة والقول الفصل في كافة المجالات، بما فيها العلمية، مع أن حقائق العلم نسبية ومعرضة للنقد والمراجعة، بل وحتى للنقض والهدم كليا أحيانا لفائدة حقائق أخرى جديدة تنبثق من تجدد الرؤى وتطور مقاربات الاستكشاف والملاحظة والتجريب والتحليل. ويرى الباحثون من مختلف التخصصات أن الحقيقة نتاج للقاء المتواصل بين الفكر والواقع والتجربة وفتح جسور بين مختلف الحقول المعرفية… فالحقيقة ليست موجودة مسبقا في النص. وحتى المسلمون الأوائل ابتكروا مفهوم التأويل ليقولوا إن الحقيقة ليست موجودة سلفا في النص، بل النص هو شكل من أشكال الحقيقة ليس غير، كما أنه مشروط بمختلف سياقاته. وإذا كان الأمر كذلك، فالحقيقة تتغير باستمرار تبعا لتغير السياقات الاجتماعية والتاريخية والثقافية وتبدل آليات الفهم وأدواته لدى الفكر الساعي لاستخلاص الحقيقة من هذا النص أو ذاك. والرمز هو ما يفسح لنا المجال أن نتأمل شيئا آخر وراء النص. ولا يوجد معنى النص في النص، والكيفية التي يقدم فيها تجعله محتملا لتأويلات مختلفة ومتعددة حسب العصور والسياقات الاجتماعية والثقافية والجغرافية… لذلك لا يمكن أن تكون الحقيقة محصورة في اللغة، حيث إن في ذلك تغييبا للعقل ولحرية البحث، لاسيما أنَّ ما يقال لنا لا نراه، وما يُرى لا يقال. وبذلك، فمشكل مجتمعات الشرق الأوسط يمكن أساسا في نمط التأويل السائد للنص الديني.

إذا كان النص عظيما وقرأه عقل صغير، فهو يتحول إلى نص صغير، وهذا ما يشكل اعتداء على النص الأصلي وإساءة ذاتية لقارئه. ومن ثمة فمشكل المجتمعات العربية الإسلامية كامن في قراءة النص الديني وليس في هذا النص نفسه.

ويمكن لمسُ ذلك التفاوت في مستويات قراءات النص الديني بسهولة، إذ عندما نقرأ قراءة الشيخ محمد عبده له نجد أن هناك بونا شاسعا بل تناقضا بينها وبين قراءات كل من يوسف القرضاوي والسيد قطب وأبي مصعب الزرقاوي، والسبب في ذلك أنه عندما يكون العقل القارئ عظيما تكون القراءة عميقة ومنفتحة على الحاضر والمستقبل، أما عندما يكون العقل قاصرا ومتحجرا ومنغلقة فالعكسُ هو ما يحصل.. هكذا فقراءة محمد عبده للنص الديني هي قراءة خلاقة تساير الزمن التاريخي وتفتح المجال للمسلمين ليبنوا مجتمعا حضاريا عظيما ويساهموا في بناء العالم، لكن قراءة الآخرين ساهمت بشكل وافر في إدخال مجتمعات الشرق الأوسط في النفق المظلم الذي توجد فيه اليوم والمليء بالكوارث المهينة، حيث أصبحت هذه المجتمعات تقتل بعضها بعضا وتفتت بنيانه الهش أصلا وتضرب وحدته الوطنية. ويبدو لي أن هذه القراءة الأخيرة هي أصلا من صنع الاستشراق الغربي الذي قام بها خدمة لاستراتيجية القوى العظمى في هذه المجتمعات، وأن هذه القراءات المغرضة نفسها التي تصدر اليوم عن مشيخة شرق أوسطية موغلة في الرجعية ولا علاقة لها بالديمقراطية، إنما تهدف لنيل رضا أولياء نعمتها، وتصب في نهاية المطاف في خدمة القوى العظمى التى حولتها إلى ملحة خاصة بها في الشرق الأوسط….

هكذا، يعود مشكل مجتمعات الشرق الأوسط في تمفصل التأويل السائد فيها للنص الديني مع نظام خطاب جماعات الإرهاب التكفيري التي تسيء إلى الإسلام باسم مفهومها المنحرف له… أوهذا ما أصاب هذه المجتمعات بالتكلس والركود وأسقطها في ثقافة الخضوع والخنوع والاستسلام وتجنب طرح الأسئلة الجذرية على ثقافتها التقليدية والإحجام عن ضرب يقينياتها بعصا النقد والشك، فأصبحت تعادي الفكر والبحث والحريّة،كما صارت عاجزة عن إعادة بناء ذاتها، وأبدعت فقط في أساليب القتل وجز الأعناق وقتل الأطفال وسبي النساء ونهب خيرات كل من يختلف معها أو عنها، ما عمق تهميشها وشوه صورة العرب والمسلمين عالميا…

وللتدليل على أحد جوانب الأساس الواهي الذي تقوم عليه بعض القراءات المغرضة للنص الديني، يرى أستاذي اللساني مولاي أحمد العلوي أن قوله تعالى: “للذكر مثل حظ الأنثيين” لا يعادل معناه معنى قولنا: “للذكر مثل حظ كلتا الأنثيين”، كما لا يعادل معنى قولنا: “للذكر مثل كلا حظي الأنثيين”، لذلك يجب أن يكون معناه أمرا آخر، إذ معنى الآية لا يعني بالضرورة الحكم بقسمتين للذكر، وقسمة للأنثى، لأن الآية لا تذكر «كلتا» في عبارتها. أضف إلى ما تقدم أن الآية تخالف معنويا قولنا: «للذكر مثل حظي الأنثيين»، وإنما جاء فيها ذكر «حظ الأنثيين»، فيكون للذكر مثل حظ الواحدة من الاثنتين. غير أن عموم الفقهاء قرأوا ولا زالوا يقرأون الآية السالفة الذكر حسب هواهم…

 

الاربعاء 28 مارس 2018.