قال تعالى: ( وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَىءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )، سورة النحل

الكون يتمدد باستمرار إلى مالانهاية ..تؤطر حركية وسباحة مجراته قوانين خلقت معه تضبط المسارات والسرعات والنتائج المترتبة عنها   في علاقة بالأعداد الهائلة من  المجرات والأكوان المتعددة .. جعلتنا نحن هنا في الأرض  نخضع لقوانينها وقوانين مكوناتها وموادها وتنظيمها المتزن الذي لايختل ولايضطرب عندنا  إلا بفعل بشري متهور مدرك أو غير مدرك بسبب فضول علمي لامحدود , أو طموح زائد , أو بفوضى حمقاء تتسبب في إفساد البراري و البحار  والهواء بأفعالنا وسياساتنا وأنماط عيشنا وسوء تدبيرنا  لحياتنا اليومية ..فلو خلقنا بدون أن  نمتلك عقلا مدركا ومتطورا  لكنا مثل الحيوانات نسعى للبقاء بالطرق التي تتكامل وتتنظم في توازن مع باقي المخلوقات الأخرى , لكن زاغ توظيف العقل عن الجادة والصواب  وأصبح في الكثير من الحالات   عنصر تهجم وإضرار بالبشرية والأرض عبر التاريخ.. وكلما تقدمت بنا القرون و السنون إلا وتتخذ  الإساءات أشكالا أخطر  وأغرب وأبشع مما سبق , ومن هنا نخلص إلى أن  إفسادنا لظروف العيش في الأرض أدى وقد يؤدي إلى إبادة ليس الحضارات البشرية بل الحياة الإنسانية ككل , فهاجس نفكيك كل شيئ من أجل التحكم  يحول الحياة ألى  اللامعنى واللامعقول واللاجدوى كأقصى درجات العزلة و التذمر واليأس , ولتصبح حياة المخلوقات غير العاقلة أحسن من حياتنا لأنها تهب لنا ما نعيش ونتقدم به وتمنحنا كل ما نريده ونحتاجه .. وليحق علينا قول الملائكة لله عندما أخبرهم بأنه سيخلق الإنسان  …قال تعالى :(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) .سورة البقرة

إن دورات ومسارات تعاملنا مع  الحياة يجب أن تكون إيجابية في حالات النجاح أو الإخفاق , يؤسس فيها من  الحاضر لغد أفضل بشكل مطرد  مع محاصرة السلبيات والإنزلاقات والإنحرافات والجهالات بالمعرفة والتربية والعلم والعمل المتميزين , إنه كلما كان التهور منتشرا  في السياسات وتدبير شؤون المجتمع والدولة والعلوم كلما تتجه الأمور والأوضاع بسرعات مختلفة  تتفكلك معها  جل وأهم  (الأنواء)..والروابط والمرتكزات التي بدونها يتعذر إكمال البنيان ويصعب إطلاق دينامية تنموية راقية تتحدى كل المعيقات والإكراهات وتلج العالمية والحضارة الرائدة في القرن (21) .

إن عمليات التفكيك هي في نفس الوقت محاولة للبناء على أنقاض ما كان إيجابيا أو سلبيا ..إنها تتخذ أشكالا خطيرة وتآمرية وكيدية بغرض إقصاء وإبادة المخالف والمنتقد والقابل للتطور والمجدد  , لهذا تستهدف أساسا الإدراك  والعقل الفردي والجماعي  , وتستهدف التماسك الإجتماعي والحس الوطني , كما تستهدف الإيمان والوعي المتجدد في فهم وتنزيل الدين في الواقع في علاقة بمصالح الناس ..

إن التراخي  في موضوع إختصاص المؤسسات  في الحقل الديني تجاه منظمات دعوية أو طوائف أو جماعات يفتح الباب أمام تغول وتطفل  أصوليات تحريفية متشددة رافضية .. و اعتماد البعض منهم “التقية”  بعدم  الإفصاح الكامل عن المرجعيات والنوايا والأهداف  .. إنها تعتمد استغلال  الهامش الديموقراطي لتحابي وتتقرب بهدف التمكن و التمكين ببعده  المحتكر لآيات التحكم  .. وتركها تتسلل إلى مواقع بمؤسسات مؤثر في الحقل الديني وحتى التسييسي  تمرر فيها تطرفها ومواقفها الطاعنة والمشككة في المخالفين لها والمتنورين بشكل  مباشر وغير مباشر  ..بحيث تصبح المؤسسات الدينية الرسمية  المؤطرة للحقل الديني متفاعلة معهم  وليست هي الفاعل الرئيسي مما يضعف هيبتها وقوتها ومكانتها عند الناس باعتبارها الضامنة للتوازن والتسامح والتيسير وحرية المعتقد  ..مما يجعل الدين مطية  تخدم  بعض التجار والتجارات وآلية تسييسية وانتخابوية , وسلاح يستعمل في مواجهة الآخر بالتبديع والتكفير والتفسيق..؟ يواجه به كل من يكشف حالات التسلل والإنحراف بالخطاب والتأطير الديني , ويحارب  كل من يجتهد خارج نطاق مذهبهم وقناعاتهم “الحزبية الدعوية “..إن هذه الثيارات التفكيكية أبانت عبر التاريخ أنها تسعى لتمزيق المجتمع وإضعاف الدولة لتعيد تشكيلهما بما يلائم أهواءهم وميولاتهم ومصالحهم  كما  حصل في عصرنا هذا  بليبيا وسوريا واليمن و…الخ

إن التحولات التي يسجلها المتتبعون والمهتمون والمراقبون المتخصصون تجعلهم يدركون أن الجهد الذي يبدل من أجل البناء والإصلاح يقابله جهد مضاعف يفكك ويضعف ما ينجز كما يحطم ما يمكن إصلاحه   ..

..إن ما يقع من تفكيك ممنهج  للمجتمعات والعمل الجماعي ..وتدجين وتطويع وتنويم وتحييد وتهميش  للإنسان العاقل المميز والقادر على التأطير باقتدار  كما عهدناه  زمن المواجهات مع  الإستعمار وطوال عقود الأولى  للإستقلال ..  تقف وراءه قوى سلبية متخصصة في التبخيس و الإقصاء  وإثارة الفتن  ..

فهل تفكيك البنيات الإجتماعية المؤطرة للمجتمع والضامنة للبناء الديموقراطي وإقرار العدالة في مختلف المجالات و بإضعاف وتقزيم وتفكيك الأحزاب والنقابات والجمعيات الرائدة ..وانتهاك لحرمات الجامعات ومنظومة التعليم  وإفراغها من أدوارها الأكاديمية والتأطيرية والإنتاجية والمعرفية  عنصر منتج للإستقرار والقوة والتطور المتحكم فيه ..؟؟  أم  وسيلة لتوجيه التحول   لإطلاق ما يصطلح عليه الفوضى الخلاقة  التي  تتسبب في تمييع  وتحقير  وتعطيل كل شيئ .. مع وضع ولوجيات للمجالات والفضاءات للتسلل  إلى مراكز إنتاج القرارات لتعطيلها  وتنزيل سياسات مغايرة ومتناقضة مع قيم الديموقراطية والعدالة وحقوق الإنسان ..فتوظف الأموال والممتلكات والفضاءات العامة في أنشطة انتهازية ونفعية  وعبثية  تظهر المذهبية والحزبية الضيقة واضحة أمام المتتبعين والملاحظين والمهتمين  …؟ هدفها وغايتها  بسط الهيمنة على الذمم بالجملة والتقسيط وصنع الأتباع ,  وتحريف ولاءات الناس عن الولاء للوطن والشعب إلى الولاء للطائفة أو الجماعة أو الحزب أو الجناح ..؟!

إن من أسباب تعاظم خطورة  التفكيك انسحاب النخب المتنورة من  ” علماء ومفكرين وأدباء وشعراء …الخ ” من المشهد العمومي ومن التأطير الفكري والنضالي والإجتماعي مخافة  أن يكونوا  أداة من أدوات التعطيل والتفكيك ,  أو خشية  أن يذوبوا  ويتماهوا  معه , أو بسبب التضييق عليهم ومحاربتهم ,  او بسبب بحثهم عن بدائل أخرى ..؟!

إن  تحويل العلاقات التواصلية المباشرة والإجتماعية في جميع المجالات والقطاعات وحتى داخل الأسر  إلى العالم الإفتراضي حيث  طغى  العبث وانتشرت  الفوضى  والميوعة والكلام السوقي المنحط , وحيث تنتهك الأعراض ويعتدى  على الخصوصيات .. ويصبح الجميع مساهما في العبث والإنحطاط والتخلف ..فنجد عدد سكان مواقع التواصل الإجتماعي الذين يقضون بها معظم أوقاتهم بالليل والنهار  أكثر من سكان الوطن ..ولتصبح القناعات سطحية تتقاذفها هرطقات وترهات وإشاعات وأخبار الشوارع الإلكترونية ..

فعندما يصبح اليأس والقنوط والشك  ثم الرفض هو مرجعية الخطاب الشعبي و الفردي تعلق الأمر بالشباب أو غيرهم من النخب أو العامة ..فالأمر خطير ومآلاته أخطر , لأن أغلب الذين يكدحون ويجتهدون ويضحون من أجل الصالح العام  والوطن سيجدون الآخرين الذين لايبدلون أي جهد إلا الفهلوة والإنتهازية والاستغلالية هم  من يستولي على الهامش الأهم من الأرباح والخيرات .. ويترك الفتات للعاملين الذين بقدر ما يزدادون صبرا بقدر ما يزدادون فقرا وقهر ..

إن تفكك  النخب  المنظمة والمتحالفة موضوعيا داخل مؤسسات الدولة و بالمجتمع ..وانتشار عمليات تفريخ  منظمات ريعية مصلحية وصولية , دليل على وجود اختلالات واختلافات وصراعات فكرية  غير منطقية ,  حيث تعتمد  سرعات متفاوتة ومتصادمة بين النخب يمينها ووسطها ويسارها  لا تأخذ بعين الإعتبار لا  المشترك ,  ولا واقع الحال ,  ولا الجهة التي يعملون و يناضلون من أجلها أي الوطن والناس  , ولا  مدى قدرة الدولة على تدبير الموضوعات والإشكالات  وانجاح  المبادرات والسياسات والبرامج لأنها كذلك تعاني من وجود نخب وقوى داخلها تتعارض مصالحها مع مصالح قوى التغيير والإصلاح ..

إن الحركية  التي تتسع بالمشهد العام  تتهاوى و تنجذب نحو السلبية بقوة أكبر كلما تعطلت النزعة الإيجابية , أو تعرضت للأعطاب  , إنها حركية تدمير داخلية نفسية ومادية وفكرية  تفعل الأفاعيل  لتفرز آنيا وعلى المدى القريب والمتوسط وحتى البعيد   بالمجتمع والوطن أجسادا وعقولا  أنهكها اليأس والفشل والقهر الإجتماعي والخرف السياسي والظلامية الروحية  والقصور المعرفي ..

إن ترشيد الدولة , وتقوية  عناصر التلاحم الوطني والتماسك الإجتماعي , والتدبير المشترك إدارة ومراقبة واقتراحا ودعما لكل ثروات الوطن , لايكون بالتفكيك  والإضعاف وخلق الصراعات  بين مكونات وطبقات المجتمع والدولة  , ولايكون بالسكوت على الظلم والغبن والتهميش والطبقية الموغلة في الإستعباد , إنه يكون بالمعرفة اليقينية بأن الأمور لاتستقيم ولا تنجح إن لم نجعل قراراتنا وأعمالنا وبرامجنا وطرق تدبيرنا مسايرة لقوانين الكون الضامنة لإستمرار وجوده وقيامه وأدائه لوظائفة إلى أن تقوم الساعة ..أي ان يكون كل شيئ بعلم وعدل ونظام  وإنسانية وصدق وعمل جاد وعطاء لاينقضي ..

قال تعالى: (إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلامَـٰنَـٰتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً )، سورة النساء

 

تارودانت :الخميس  29 مارس 2018.