(1)

تأتي تطورات قضية وحدتنا الترابية لتذكرنا بثوابت، هي مركز الوجود بالنسبة لبلادنا، وقد يحدث، من باب السيولة الزمنية أن نغفل عنها:
وأول هذه الثوابت أن فكرة الوطنية لا يمكنها أن تتقادم، أو تدخل حيز الشيخوخة، وأن الوطنية، كالوطن متجددة الدم باستمرار، وعندما قد يتخللها بعض من روتين التداول، فإنها تثأر لنفسها دوما..
لا يمكن لهذه الفكرة أن تدرج في خانة ما يمكن أن يناقش كمتحول سياسي، أو مؤسساتي أو حتى حزبي، يمكن القفز عليه إلى أفق آخر..
لقد أكدت هذه الفترة التي نعيشها أن شرعية الوجود الحزبي، والوجود الفكري والوجود، بكل بساطة، لا يمكن أن تبرر أو تفسر أو تسوغ الانتقال إلى فضاء آخر.
الفكرة واسعة بالقدر الذي يجعلها دوما أرحب ما يكون…، وتذكرنا اللحظة، أيضا، بأن سقف السياسة عندما لا يكون بهذا البعد، لا يكون خفيضا فقط بل يكون خطرا
وخطأ.
ولا يمكن استبدال لحظة وطنية إلا بما هو أكبر منها، أي فكرة وطنية متجددة..
وأعتقد بأن المغرب، هذا هو التوجه الذي طبع تاريخه، المعاصر بالتحديد..
فكرة النضال الوطني، هي التي أعطت معنى للصراع السياسي تحت نير الاستعمار، وأقامت الفرز داخل الحقل السياسي برمته، وفرزت من مع المغرب ومن مع أعدائه..
والمرحلة التي تكرست عبر ميثاق التحرير الوطني، لم تتكلس، فهي التي كانت وراء الشرعية الكفاحية للملكية مع أب الأمة المرحوم محمد الخامس، عوض ما اقترحه بعض أفرادها مع محمد بن عرفة أنفسهم..
وهي التي كرست بل أعطت شرعية للقوى السياسية في البلاد، بين من يضع نفسه رهن إشارة الوطن ومن يضع نفسه رهن إشارة من هم من خارجه إن لم نقل ضده..
وهي التي أقامت الفرز داخل القوى الدينية نفسها، بين قوى دينية وطنية وأخرى رغم تدينها ليست وطنية، مع الزوايا وبعض رموز التدين المخدوم….
وما دام الوطن يدافع عن وحدته، ترابيا وإنسانيا، ستظل الوحدة الوطنية، بل اللحظة الوطنية هي اللحظة السائدة في ترسيم المعنى السياسي للوجود، وكل فكرة يستفاد منها استنفاد العقد الوطني لشروط وجوبه يجب الحذر منها، ومحاصرتها..
لقد تبلدت أحاسيس كثيرة، بفعل الاسترخاء الذي قد يكون وراءه هذا الظرف الدولي أو ذاك، لكن الواقع يفرض علينا أن ننتبه إلى هذه اللحمة الوطنية في تحديد الأجندة السياسية لوطننا..
محكوم علينا الحفاظ على هذه اللحظة، وكل العقود السياسية المرتبطة بها، على قاعدة أرضية وطنية، تضمن الوحدة والديمقراطية والتطور المؤسساتي بما يخدم البلاد لا بما يخدم السياسة!
لقد وجد المغرب نفسه في امتحان غير يسير، قريبا من الصحراء بعيدا عنها، وهو يواجه موجة شحن وتفريغ كبرى، ذات علو إقليمي، بل دولي، في الفترة الأخيرة، وكانت القراءة الوطنية، من زاوية امتثال السياسة للمصلحة الوطنية، هي الحل.
وقد ساد بعض التوتر السياسي، ليس الوقت وقت التفصيل فيه، بسبب وجود جزء من التفكير الذي لا يعطي للوطنية كامل ترابها في الرقعة السياسية وتفاصيل العقد الاجتماعي الجديد..
وقد يفهم الكثيرون اليوم أن التحصين تم بالقاعدة الثابتة، أي الوطنية مع مرونة اللحظة الإقليمية وامتصاصها ضمن المد والجزر الذي جاء بها في منطقتنا..
وسيكون علينا أن نظل حريصين على استحضار الفكرة الوطنية ونحن نبني المشاريع السياسية، لأن الفكرة ( سواء أممية دهرية أو أممية عقدية) لا يمكنها أن تحتل هذه المرتبة بأي مبررات كانت، لأن الوطن لا بد من أن يكون محددا لأي مشروع يساير ويتفاعل مع الشرط الزمني العالمي..
بلغة أخرى فقد جعل التقدميون تقدميتهم وطنية قبل أن تكون إيديولوجية دون أن يتنكروا للقيم التي كانت وراء ذلك، كما جعل السلفيون سلفيتهم وطنية بدون أن ينزعوا لباس اللاهوت في وحدة الأمة وغير ذلك، مما يدفع دوما إلى الاحتكام إلى الوطنية والوطنيين في تقدير مواقف البلاد …والدفاع عن مؤسساتها التي تكرس هذه الشرعية وترعاها، وتكرس امتدادها في الهنا والآن، وفي القادم من الأيام….

(2)

صف واحد متراص، لكنه صف متحرك يسير، وليس جامدا في الزمان والمكان
والزمان هنا سياسي
والمكان مؤسساتي…
هكذا تحدث، بالمعنى لا باللفظ، الفقيد الكبير عبد الرحيم بوعبيد، وهو يربط بين جمود السياسة، في محطة شبه ثابتة، وتحرك القضية، وسط تلاطمات الجيواستراتيجية ولاشعور التاريخ عند الجيران..
ولهذا أيضا، يكون الدفاع بالحركة ..
وليس بالصمود وحده أو بالاصطفاف وحده..
لعل من قوة المعركة الوحدوية في بلادنا، ومن تميزها عن العديد، إن لم نقل كل معارك الدول التي خاضت قدرها العسكري من أجل الحرية، أنها انبنت في جزء منها على تطوير الإصلاح وتطوير أداء مكونات الدولة والمجتمع معا..
لاصوت يعلو على صوت المعركة، لكن المعركة ليست وحيدة الخلية
بل هي متعددة الجينات: الوحدة، الديموقراطية،التنمية …
لقد كان الوطن، منذ نشأة حركته المطالبة بالاستقلال وطنا منذورا للديموقراطية…
لهذا وجدت إشكالات المؤسسات في صلب الاستقلال الأول ثم في صلب الاستقلال الثاني لجزء من أراضي الجنوب، ثم في صلب الاستقلال الثالث، استقلال الوحدة في الأرض وفي الإنسان..
نذكر بهذه البدهية لكي يعرف كل واحد موقعه، ولكي يعرف بعضنا أنه لا يمكن أن يجد آذنا صاغية إذا هو اعتبر بأن الحديث عن الديموقراطية
والشراكة السياسية
والتعددية
تعفيه من الوطن!
أبدا..
وأن الوطن يكون دوما على حق، عندما يدافع عن نفسه، كل حقه يتعزز بالشراكة الوطنية الواسعة،
القضية جماعية ..
كما لا يمكن أن يعتقد أحد بأن الفقراء يمكن أن يشفعوا له في أن يستصغر معركة الوطن: البعض يستسهل المعركة الآن
والبعض يعتبر بأنه غير معني سوى بالدفاع عن الشغل والوضع الاجتماعي والحق في العيش، والوطن ليس شرطا لهذا..
هؤلاء أيضا جربتهم ظروف الأممية الثانية والثالثة
وجربتهم النزعات البروليتارية
وجربتهم أيضا العولمة الأيديولوجية، ولم يثبت أنهم بقوا بعد الأوطان، ولا أنهم استمروا لأن مقايضة الفقراء بالشماتة في الوطن ليست جدلا صائبا..
الذين يسخرون من أعطاب السياسة لكي يستصغروا معركة البلاد، لا يمكن أن يرتفعوا..
أبدا، لم يثبت أن من استصغر بلاده في المحن أصبح كبيرا بديموقراطية… في الفراغ..
لا ديموقراطية إلا ديموقراطية الأرض التي تحت قدمي… أيها السادة.
الذين يعتبرون بأن معركة القانون قد تلغي الواجب الوطني في الدم وفي الشريان، لن يقدموا تعريفا بيولوجيا للوطن، وليس أكثر من التعريف الأسري الفج للوطنية
شرقا أو غربا
جنوبا أو شمالا
سياسيا أو اجتماعيا
الوطن يوجد في الدم، لكنه لا يختزل فيه
الوطن كريات حمراء وخضراء
لكنه لا يعزل في الامتداد الأسري …المفضي إلى الريع:
ذلك الريع الذي انتقدته السلطة الأولى في البلاد ومن أعلى منابر السلم المؤسساتي فيها!
نحن لا نعيد التعريف للوطن لكي نتفاوض معه..
نحن نعيد امتلاكه، بالدفاع عنه، تسندنا الديموقراطية
ولا تشغلنا عنه
وتسعفنا العدالة ولا تكفرنا به ….
والسلام.…

 

الاربعاء 11 أبريل 2018.