إن الحديث عن الواقع والتفكير في أموره  وماهو  موجود أو يفترض  تحققه .. لايعني بالضرورة تحول ما يمور في  عقولنا إلى واقع ملموس  نعيش تفاصيله وكلياته  كما  اعتقدنا وأحببنا , أو توهمنا ,  أو أردنا أن نوهم الآخرين  ..فأن تسعى لإقناع الناس بما  تقوله وتظن أنك تراه   قد لايعني أي شيئ بالنسبة لهم .. ويتطلب الأمر أن تكون مقتنعا بما تقوله وقادرا على المحاججة والمرافعة الرصينة,  وأن يكون المخاطب  مستعدا للإستماع  وفهم الفكرة والتعامل معها برؤية موضوعية ومنهج نقدي بناء يعطيها حياة متجددة وليس فقط  التقليد والإتباع  …

لهذا  فمراجعة البرامج والمخططات والتصورات كانت فردية أو  مؤسساتية  ومقاربتها مع الواقع تنزيلا  وتطبيقا يكشف للراي العام البسيط  كما للمتخصصين والمتتبعين شساعة الهوة بين النوايا المعلنة بالكلام والموثقة بالأوراق ,  وبين القدرة على ترجمة ذلك في الواقع  في ارتباط بالإمكانيات , وتأثر ذلك بالإكراهات المختلفة التي يتعذر التنبؤ  بها كاملة ..

 فالحديث  مثلا عن العدل  والعدالة الإجتماعية والإقتصادية نسبي في ارتباطه  بمستوى وطبيعة الواقع المعيش تعلق الأمر بالسلب أو الإيجاب ,  وقد يكون مثاليا و مخالفا لطموح الناس وانتظاراتهم  ,  ذلك أن مستويات التوصيف  والتنفيذ  قد تخالف  الجوهر  و تزيد الواقع سوءا  والناس شكا وتشككا ..

كما أن تصورنا للديموقراطية والحديث عنها لايعني أنها موجودة كما عرفها الفلاسفة والسياسيون الثوريون والمتنورون ,  وكما بشرت بها الدساتير والقوانين والسياسات العمومية وهيئات المجتمع  ,  فهي لا تشبه أخواتها بالعديد من الدول المتقدمة والرائدة في هذا المجال  , لهذا يطلق عليها  حكماء علم السياسة :  الديموقراطية المفترى عليها , أو المجهضة , أو المغشوشة …

إن الإستدلال السليم هو أن يدلك الشيئ على نفسه بنفسه   بحضوره وتمثله  أو غيابه , بعدم التناقض و مخالفة العقل والفطرة مع تحقق الواقعية والصدقية , و يؤدي إلى المعرفة والتطور المطرد إيجابا .. أما  الإستدلال الفاسد فيوصل إلى الضلال وطرق الضياع   …

لهذا يقول أهل العلم والتجربة   لا يقبل ولا يصدق أي قول من أي متكلم  إلا  إذا كان واقعيا ومدعما بحجج , لأن من الناس من يتفنن في قلب الحقائق ويخاصم بالباطل ضد الحق وينشر الشقاق والعداوات كي يتسنى له أن ينجز ما يخفيه بأن يغرق الناس في الأوهام والسعي نحو السراب الذي لايسقي أرضا ولا يروي كائنا حيا ..

إن كثرة المحاججين  التضليليين والمتبنين لمنهج التجهيل  أفسد الأحوال  وأساء إلى العقول وفتح أبواب التخلف على مصراعيها ..فالعلم المدرك لايتحقق بالتقليد الأعمى , ولا بالتبعية المعطلة و المبطلة لدور العقل ,  ولا بالخوف والخواء الفكري ..

إن الحقائق تابعة لأدلتها وضوابطها ومرتبطة بعد الإيمان بها بتقديمها وتنزيلها وتطبيقها في أفضل المستويات الممكنة المتكاملة  مع المطلب المنطقي المحقق للمصلحة العامة العادلة …

وهكذا فالجمال دال على نفسه بنفسه , والقبح أيضا  ..و كذلك الظلم والعدل ,  والعلم والجهل ..الخ ,  فالناس يعرفون الفقر والتشرد والسكن غير اللائق والأمية من أحوالهم   وبإجرائهم لمقارنات في الواقع  فيميزون بين الغنى  والخصاص حتى ولو لم تكن عندهم فكرة عن الأمر ..فساكنة البوادي المهمشة والفقيرة  الذين لم يزوروا المدن لا الصغرى ولا  الكبرى قد يظنون أن واقعهم هو وحده الموجود وكل الآخرين مثلهم , فيصنفون أنفسهم بناء على معرفتهم و مستوى عيشهم المعتاد بالبادية بأنه أقصى ما يمكن تحقيقه  وهم على أحسن حال , وعندما يتعرفون على المدن بالهجرة للداخل أو خارج الوطن يصبحون أمام مفارقات ويمتلكون معلومات واقعية  لنماذج وأنماط حياة  تجعلهم يثمنون ما هو متوفر بالخارج ويقدمون لأهلهم  الأخبار والحكايات  عن غرائب وامكانيات ومكتسبات ,  وما حققوه من كسب غير مستوى عيشهم ,  إلا أنهم يحافظون على الإرتباط بالوطن ومحبته  والحنين إلى الأصل  ليعملوا  بالملموس باستثمار أموالهم وخبراتهم المكتسبة من الهجرة في بواديهم وقراهم ومدنهم للمساهمة في  تنميتها وتطورها  فكانوا بذلك نماذج رائدة في التنمية المستدامة التي خففت  بشكل جلي من ثقل العديد من الإكراهات ومنها الهشاشة والعزلة والفقر …

إن كل ما هو ضروري توفره ووجوده للناس  يمكن تحقيقه  ويكون مقدورا عليه  شريطة الإيمان والإرادة  والعمل الجاد والنزيه من أجل ذلك .. فحركة تغير الفرد والجماعة والشعب والواقع  من حال إلى آخر تمر بالتدافع  بين قوى الإيجاب والسلب ..وكلما كان التطور مبنيا على المعرفة و العقل والتدبر وتوخي الجودة  كلما تقلص السلب واتسعت رقعة الإيجاب ..

 

تارودانت : الخميس 12 أبريل 2018.