لقد سبق لي ان ناولت نشأة وتطور  الحركة الاسلامية التي تنادي بإقامة الخلافة الاسلامية ومنها الحركة الاسلامية في المغرب . و في هذا الاطار اكتفي بمحددات الفكر السياسي لهذه الحركات في المغرب و مرتكزاتها .

و هكذا يبدو ان الفكر السياسي عند هده الحركات يرجع الى تاريخ نشأتها و ظهورها . و مما لا شك فيه ان الهدف الاساسي من واقع ظهورها هو تنفيذ مشروعا مبنيا على الفكر السياسي بعدما كان مجالها الطبيعي هو المجال الدعوي . و جاء خطابها ليشكل البديل في نظرها استنادا الى التناقضات الايديولوجية و السياسية للمعارضة الوطنية ضانة تراجع شعبية الخطاب الاشتراكي او اعتقادها الفكر اليساري بصفة عامة في بداية السبعينات و عجز الدولة من تحقيق مسلسل التحديث المتعلق بنهج النمط الاقتصادي و الاجتماعي الموروث عن السياسة الاستعمارية و كان خيارها اعادة تركيب سؤال الهوية الذي وجد تعبيره في الدولة لاستنهاض مشروع الدولة الاسلامية . و على اثر ذالك سقطت في محور التنسيق لديها في جدلية تداخل الديني بالسياسي و ذلك بعدم الفصل بين الدين والسياسة . و كان المقدس الديني عندها هو احد الروافد المركزية الذي يميز مرجعيتها و احد الابعاد المختلفة للنشاط لديها . و من تم يمكن للدين ان يكون اداة سلطة تحقق من خلاله شرعيتها و تستخدمه في نزاعاتها السياسية مع خصومها . و صارت تكرس كل انواع العبادات و ان كانت مخالفة للشرع كما تمارس الطقوس بما في ذلك الخرافات و البدع في سبيل تثبيت ترقيتها و استمرار وجودها . و جاءت هذه الحمولة من افكارها لتشكل المقدس حول الملتبسين به مثل ذلك الزخم الروحي الذي يغذي المرجعيات الفكرية عندها ، فتوظف المقدس الديني كمركز للتصور القيمي للمجتمع يقابله التقديس .

كانت تمارس الفعل السياسي مصاغ بمفاهيم دلالية خارج الاجتماع البشري ، و تنزيل المقدس من خلاله لقراءة الواقع السياسي واليه الفصل فيه لهذا فالمقولات مثل السياسة الشرعية و البرنامج الاسلامي . الاسلام هو الحل والخلافة الراشدة و المنهج النبوي و الشورى لهذه الحركات بشكل او بأخر بالإضافة الى تصورات رمزية عن باقي الفرقاء السياسيين و هي تحمل في طياتها حمولة تعبوية معتبرة ذات امر بليغ عند المتلقي لما تحمله من سكون سيكولوجي نحو استرجاع الهوية الحضارية الاسلامية .

و اذا كان هذا المقدس الاسلامي يعتبر حجر الاساسي في تفكير الحركات الاسلامية داخل المجال السياسي فان هذا المقدس كرؤيا نقدية في احد المكونات الاخرى للفكر السياسي لذى هذه الحركات و هو مبدأ الحاكمية الالهية الذي على اساسه تقوم الدولة المنشودة في تصور هذه الحركات . و الخطير في الامر ان توظيف المقدس في مرجعية الخطاب السياسي عند الحركات الاسلامية في المغرب انه يشكك في مدى توظيف العقل البشري و تغييبه في التفكير بالمجتمع السياسي. فبحضور المقدس يوضع المجتمع خارجه ويضحى الوحي هو المؤسس للفعل السياسي و نظامه و شرعيته بخلاف التفكير الوضعي الذي يعتقد بان التشريع والتقرير من داخل المجتمع و هو ما يتنافى مع قوله تعالى ( و لقد كرمنا بني ادم و جعلنهم خلائف في الارض ) .ومن تم تقوم هذه الحركات بترحيل المفاهيم الدينية من الحقل الديني الى الحقل السياسي و عملية الاخضاع هاته ينصهر فيها المدنس داخل المقدس لتعطيه في اخر المطاف شكل النظام السياسي الذي تبتغيه وتسعى الى اقامته . وهكذا اتضحت مركزية المقدس في تفكيرها بقضايا الدولة والمجتمع . و هذا التفكير تجده سائدا في نظرة حركة التوحيد و الاصلاح لوظيفة الدين و الدولة فقيام الدولة يوصل الى حفظ الدين وسياسة الدنيا به و عليه تقوم جميع المؤسسات و القطاعات حيت يجب ان تكون نظمها صادرة عن الاسلام و ملتزمة به وتكون السياسات العامة للدولة متفقة مع مبادئ الاسلام و مقاصده . ونفس النظرة تلف تصور جماعة العدل و الاحسان مفادها ان قيام الدولة وسيلة لإقامة الدين ونفس التصور يحكم احد المرجعيات الاسلامية الاخرى كالبديل الحضاري الذي ترى في وظيفتها الدعوية ترسيخ الايمان من جديد في عقلية الانسان المغربي ونفسيته و شخصيته و تنقية هذه العقلية مما يشوبها من تراكمات الاجيال و التصورات البعيدة عن الاسلام . و يبدوان تصورات هذه الحركات ومشروعها يأتي حسب اعتقادها كرد فعل عن عجز الدولة في عملية التحديث و بديله في ذلك الاستكانة الهوياتي و التاريخي للحضارة الاسلامية وتلغي اي دور للأجيال الحالية في ابتداع تصور النظام السياسي والمجتمعي الذي يلائم وضعية عصرهم ومتطلباتهم المجتمعية المتطورة في الزمان و المكان .

وانطلاقا من نظرة هذه الحركات وتصوراتها من شأنها عودة الدولة الاسلامية الى عصر الانحطاط ، و لم تستوعب ان الاسلام دين الانفتاح والتطور يصلح لكل زمان و مكان . و قد اشرت بالتفصيل الى هذا التحليل في احد الحلقات . ولم تعرف ان مصادر العقيدة الاسلامية هي الكتاب و السنة و الاثار كما ان مصادر التشريع في الاسلام هي الى جانب الكتاب و السنة فكان الاجتهاد و القياس والاستصحاب الخ . كما ان فهم الاحكام الشرعية وتطبيقها كما فهمها الخلفاء الراشدون المهد يون و الصحابة و السابقون من الانصار والمهاجرين  وغاب عنها ان الامة الاسلامية امة وسطا تتميز بالدعوة الى الخير و الامر بالمعروف و النهي عن المنكر ولم تجد في تصوراتها ضرورة فهم القران و تدبره و العمل به و بصفة عامة لم تشر الى حديت جبريل عندما سأل النبي (ص) و هو جالس مع بعض الخلفاء و سأله عن الاسلام و الايمان و الاحسان فلما اجاب عنها قال لأصحابه هذا جبريل جاء ليعلمكم دينكم و يتعلق الامر بالأركان الاسلام الخمسة و اركان الايمان الستة و الركن الوحيد في الاحسان و هو ما يجب نهجه من طرف الحركات و لهذا يتعين  الحرص على العلم ذلك انه هو الوسيلة الوحيدة التي يجب التسلح من اجل التقدم في المستقبل اذا لم تتسلح بالعلم المبني على الكتاب و السنة و تساير تطورات العلم فيوشك ان يحل بنا ما حل بغيرنا من البلدان الاسلامية  و يسلطون عليهم اعدائهم سهامهم من اجل ان يضلوا اهلها . و كذلك التسلح بالعلم حتى يكون دعاة هذه الحركات على بينة من امر دينهم و حتى يكونوا مجاهدين بألسنتهم و اقلامهم لأعداء الله . لعودة البدع التي انتشرت بعد الصحابة ، إلا انهم لم يكونوا  يبحثون في  هذه الامور لأنهم يتلقون من الكتاب والسنة على ظهرهما . و على ما تقتضيه الفطرة السليمة اما ما ابتدعت هذه الحركات فناتج عن قلة علمهم او لقصور فهمهم و هو ما ادى الى الفتن في بلداننا العربية الاسلامية . لهذا اذا كان الهدف اقامة دولة اسلامية فكان حريا ان تقيمها في قلوبها .

و انطلاقا مما ذكر ان فرضية مركزية المقدس ومبدأ الحاكمية مكونات تحكم منطق التفكير السياسي عند هذه الحركات و بالتالي هناك فرق بين الروحي و المادي بين العقيدة و حياة الانسان المجتمعية لكن كيف تمارس هذه العملية في تصورها الفكري لمسألة الحكم و الحال انها تبرز الدعوة للدولة الاسلامية و تعتبرها من القضايا المركزية و الاساسية و اهتماماتها او هي سبيل لإعداد الشخصية الاسلامية وبعت الامة الاسلامية عن طريق بناء الخلافة الاسلامية مع ان تصوراتها هذه تحيل على حقل اللاهي يعيد في تقديم المقدس على الفعل السياسي الوضعي الذي ينطلق من الواقع للتفكير في المجتمع بعدما كانت الدعوة منصبة في توجيه علاقة المؤمن بالله . فالحكم دين و دولة و القول بانفصالها هو خروج عن المسار الرباني في المجتمع الانساني وخدمة السياسة بالدين حيت لا علاقة لهذا التصور بمبادئ الشريعة الاسلامية .

 

الثلاثاء 17 أبريل 2018.