﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً (106)﴾ الكهف.

    كثيراً ما نسمع أو نقرأ معاً مقولة : (الإسلام صالح لكل زمان ومكان) من قبل بعض مشايخ الدين, أو من قبل بعض التنظيمات السياسية الإسلامية التي على أساس هذه المقولة طرحت مشروعها السياسي القائم على فكرة (الحاكمية) في تاريخنا الحديث والمعاصر, وخاصة بعد سقوط الخلافة العثمانية وانفصال المشرق العربي ومصر عن هذه الخلافة, ثم مجيئ الاستعمار الفرنسي والانكليزي, بمشروعي سايكس بيكو ووعد بالفور التقسيميين التفتيتيين للمشرق العربي في منطقة سورية الكبرى, وتشكل اللوحة الجغرافية والسياسية المعروفة اليوم في عالمنا العربي.

     مع انتهاء الخلافة العثمانية وتشكل هذه الدول القطرية, راح بعض من كتابها ومفكريها وسياسيها النهضويين, يطالبون بمشروع الدولة القومية للمشرق العربي بشكل خاص, أولمشروع الدولة العربية الواحدة في مشرق العالم العربي ومغربه بشكل عام, ولكن في الوقت ذاته وجد من بين هؤلاء الكتاب والمفكرين والسياسيين من ظل يحمل مشروع الدولة الإسلامية ويطالب بإعادة إنتاجها بعد أن أنهى وجودها السياسي “كمال اتاتورك بعلمانيته. هذا مع تأكيدنا هنا بأن بعض الدول العربية التي قامت بالمشرق العربي بعد سايكس بيكو, اتخذ حكامها طريقاً لنظام حكم يقوم على الفكر الوضعي في بناء الدولة ومؤسساتها. وتأتي العلمانية كقاسم مشترك بين سياسة حكومات هذه الدول باتجاهاتها الليبرالي أو القومي أو الاشتراكي, بغض النظر هنا عن عمق ودرجة هذه العلمانية المطروحة من قبلهم.

    أما السبب الرئيس في طرح المشروع العودة إلى دولة الخلافة, فهو لمواقف سياسية في الدرجة الأولى, حيث كان وراءه مسألتان هما: ظهور “كمال أتاتورك” الذي قضى على الخلافة العثمانية وسار على طريق بناء الدولة التركية العلمانية بعد تحييده للدين أولاً. وهذا ما آثار القوى الدينية السلفية عليه وتكفيره, ومحاولة تفنيد مشروعه من خلال العودة إلى النص الديني (القرآن والحديث) والبحث عن أدلة تبين أن الإسلام دين ودنيا, والموقف الدنيوي في الإسلام, هو الموقف الذي يمنح الدين بعده السياسي, وأن (الحاكمية) هنا, هي حاكمية سياسية. وثانياً: الموقف السياسي أيضاً الذي حمل مشروعه  العديد من المشايخ السلفيين الذين وجههم “الملك فاروق” أو غيره من الحكام العرب الطامحين بالخلافة الإسلامي بعد انهيار الخلافة الثمانية آنذاك. ويأتي حزب (الإخوان المسلمون) الذي تشكل عام (1928) , أي بعد أربع سنوات من انهيار الخلافة العثمانية على يد أتاتورك, في مقدمة المطالبين بعودة هذه الخلافة الإسلامية, وضرورة تنصيب الملك فاروق خليفة للمسلمين. هذا وقد لاقى تيار الخلافة أو الحاكمية ردود أفعال مناوئة لدعاته ليس من قبل العلمانيين فحسب, بل ومن قبل من بعض رجال الدين المتنورين الذين رفضوا اعتبار الدين مشروعاً سياسيا, ويأتي في مقدمة المناوئين لهذا الموقف القاضي والشيخ “علي عبد الرزق” – على سبيل المثال لا الحصر- في كتابه (الإسلام وأصول الحكم ). مع تأكيدنا هنا على أن كلا الطرفين المؤيدين لمسألة الخلافة قد اعتمدا على إعادة تفسير وتأويل النص القرآني بما يخدم رؤيتهم, بعد أن قطعوا الكثير من النصوص المقدسة من سياقها النظري والتاريخي معاً, كاعتمادهم مثلاً على نص بعض الآيات مثل قوله تعالى: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) (المائدة -).44 و ( فأولئك هم الظالمون ) [ المائدة : 45 ] و( فأولئك هم الفاسقون ) [ المائدة : 47 ]. آخذين بعموم اللفظ في تفسيرهم لهذه الآيات, ومقصين خصوصية السبب في نزولها من جهة.  حيث أن كتب التفسير تشير إلى أن هذه الآيات نزلت باليهود وهي تتعلق بأمر قضائي وليس سياسياً, ودليلهم على ذلك النص القرآني ذاته. كما جاء في سورة المائدة قوله تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45). سورة المائدة.

    ومن جهة ثانية, فإن مضمون ودلالات الآيات يتعلق بمسائل قضائية تتعلق بالأحوال الشخصية وليس السياسية. وإن وجد هناك بعض الآيات التي تشير بهذا الشكل أو ذاك إلى بعد سياسي كما يريد أن يفهمها بعض دعاة الخلافة, فهو عام وغير محدد. أي هو لم يحدد شكل الدولة وطبيعة الحكم وترك إدارة هذه الأمور للناس أنفسهم كما تقول آيتي الشورى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}.. [آل عمران : 159]. و قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [سورة الشورى: آية 38). فدلالات هاتين الآيتين تقوم على دعوة عامة للرسول بأن يتشاور مع المسلمين, ووفقاً لطبيعة خصوصيات عصرهم في آلية تداول أمر المشاورة حول قضايا يشعر الرسول بأن الحاجة تستدعي ذلك ولم ينزل بها نص قرآني واضح للبت فيها, بل من حقه أيضاً أن يعزم أمره كما يراه هو ويتوكل على الله في اتخاذ القرار إذا أراد, حتى ولو تمت المشاورة.

  ومن جهة ثالثة: اعتمد أصحاب هذا الموقف السياسي الداعي إلى الخلافة أو الحاكمية أيضاَ على آيات أخرى أكثر عمومية كقوله تعالى : ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾. [النحل: 89] وقوله تعالى: «ما فرطنا في الكتاب من شيء». وهم هنا يجانبون الصواب أيضاً في دلالات هذه الآيات, ويضعونها في غير موضعها, بتأكيدهم على أن القرآن تناول جميع الامور, ولم يهمل لا كبيرة ولا صغيرة .. ومن يتابع السياق النظري وخصوصية نزول آية : («ما فرطنا في الكتاب من شيء»)., يجدهم قد تعاملوا معها بمعزل عن هذا السياق, وقاموا باجتثاثها من موضعها السليم, والجزم بأن الكتاب المقدس وهو القرآن, هو كتاب سياسة أيضاً. أما لو نظرنا في السياق النظري والتاريخي لهذه الآية, وهو : (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ). (الأنعام- (38). فكتب التفسير ومنها تفسير الجلالين للسيوطي على سبيل المثال لا الحصر, تبين أن دلالات هذه الأية لا يمت للسياسة بصلة, فدلالاتها تقول : إن الله خلق كل شيئ في هذا الكون, وما من دابة تمشي على هذه الأرض إلا هي أمم تتدبر أمرها. وإن الله هو من يرعاها وشؤونها ولم يفرط بشيء من هذا التدبير, فكل شيء مكتوب في لوح محفوظ.

    كما يعتمدون على نص الآية التالية: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (المائدة/3). وما ينطبق على فهمهم المبتسر والمجزوء للآية السابقة ينطبق على نص هذه الآية في سياقها العام  أيضاً وهو : (حُرِّ‌مَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ‌ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ‌ اللَّـهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَ‌دِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُ‌وا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَ‌ضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ‌ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ‌ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ‌ رَّ‌حِيمٌ.) المائدة[3]. فمضمون هذه الآية يتعلق كما نرى بموضوع آخر تماماً ليس له صلة بالسياسة, وهو موضوع يتعلق بما حلل الله وما حرم عليهم اكله.

    على العموم, يستوقفني هنا موقف فقهي للشافعي أكثر عقلانية ومعقولية وفهماً للنص الديني ومدى ارتبط هذا الفهم في قضية مقولة (الإسلام صالح لكل زمان ومكان), حيث يضع الأمور في نصابها الحقيقي بالنسبة لمفهموم الآيات التي قطعوها من سياقها النصي ووظفوها توظيفاً مصلحياً لخدمة السياسية ومنها: (وما فرطنا في الكتاب من شيئ). فالشافعي يفسر دلالة هذه الآية وما ينطبق عليها من نصوص قرآنية واحاديث من موقف عقلاني حيث يقول في كتابه الرسالة: (ليست تنزل بأحد من دين الله نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدي فيها). فالشافعي في موقفه الفكري هذا يؤكد بأن ما من شيئ يحل بالإنسان أو يقوم به إلا وفيه دليل في كتاب الله, ولكن هذا الدليل يأتي على سبيل الهدي بالرؤية العامة لمفهوم النص المقدس, وليس على سبيل القطع في تقرير الحادثة ذاتها أو العمل ذاته الذي يقوم به الإنسان عبر تاريخه. والمقصود بقوله : (على سبيل الهدي), هو أن الدين يحمل مقاصد إنسانية كبيرة في خطوطه العريضة (الاستراتيجية), أي في المضمون العام للآيات وليس الخاص, هذا المضمون الذي تتحدد مقاصده في الهداية والإرشاد والتزكية والعمران وحفظ الوجود البشري واستدامته. وإخراج البشرية من الظلمات إلى النور. وهذا ما اعتمد عليه ابن حزم وابن رشد في تناولهما للمسائل الفقهية, حيث فتحوا هذا النص على كل دلالاته ومقاصده الإنسانية التي يبشر بها الدين الإسلامي حتى يتفق وخصوصيات العصر. فعلينا إذاً أن نبحث في هذه المواقف الاستراتيجية للدين كي نعمل على تسيير مصالح الناس وفقاً لخصوصيات المرحلة المعيوشة. وهذا برأي عين العقل والمنطق, لأن النص القرآني ذاته يؤكد أن أمور الحياة كثيرة ومستجدة دائماً, وبالتالي علينا في حال لم نجد حتى في النص من دليل أن نعود إلى أهل الذكر (العلم) كما أمرنا الله بذلك كقوله تعالى: (فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). (النحل 43.). بل إن أول آية نزلت تقول: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ), وهي مكية بإجماع ، وهي أول ما نزل من القرآن في قول أبي موسى وعائشة رضي الله عنهما . … (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ). (5) ). (سورة العلق). فمضمون هذه الآية يقول: إن الله يقول لنا بأن المعرفة والعلم لا يأتيان من النص الديني وحده, بل هما مكتسبان أيضاً عن طريق التعلم القلم), وهنا يأتي دور ومكانة الفكر الوضعي وتأثيره على حياة الإنسان في كافة مجالات الحياة. وهذه الآية المفتوحة في دلالاتها على كل انواع المعرفة تكذب من يقول بأن المعرفة التي يريدها الله هي معرفة العلوم الدينة فقط وكل علم غير هذه العلوم هو من باب الخروج عن الدين الصحيح وإدخال فكر آخر عليه لم يقره الله.  كما يفتي مفتي السعودية الوهابي “عبد العزيز بن باز” بقوله: (الفكر والكفر واحد, بدليل أن حروفهما واحدة. ). ولم يتوان في تحليل دم من يقول بدوران الأرض وكرويتها, أو مصادرة أملاكه إذا استتاب.

    أما الشيخ “شكري مصطفى” (من جماعة التكفير والهجرة). فله موقف واضح من العلوم الوضعية كافة حيث يقول: (لا نتعلم إلا بقدر الحاجة, تماماً كما كانت أمة رسول الله, فقد كانت جماعة رسول الله لا تتعلم لمجرد العلم, ولا تتعلم للدنيا, ولكن تتعلم للعبادة.).(1). وهؤلاء كلهم متمسكون بفتوى ابن صلاح من العلوم الدنيوية وهو القائل : (من تمنطق تزندق).  

   إن الدين وفقاً لهذه المعطيات هو صالح لكل زمان ومكان من حيث (الهدايا) كما بقول الشافعي,هذه الهداية الكامن مضمونها في جوهر مقاصد النص الديني الإنسانية القائمة على المحبة والعدالة والمساواة وتعمير الحياة بما فيه خير الإنسان. ولم يأت الدين لتقرير حوادث علمية أو اجتماعية أو حتى أخلاقية أعطيت مرة واحدة منذ قيام الدعوة الإسلامية إلى أبد الآبدين. إن الداعين إلى مثل هذا الموقف الجبري الامتثالي الوثوقي, إنما يعملون على لي عنق النص الديني كي ينسجم مع قيم معيارية سار عليها سلفنا في القرون الهجرية الثلاثة الأولى وهي خير القرون كما يقولون, وكل من صاحب الرسول فيها أو كان تابعاً وتابع التابع منهم فيها فهو نجم ساطع علينا الاقتداء به. كما يرى مشايخ وفقهاء تلك القرون الثلاثة أو من أخذ عنهم من مشايخ عصرنا.

    إن مسألة التفسير ذاتها, فهناك موقف منها عند الكثير من فقهاء العصور الوسطى ذاتهم.

    فهذا “عبيدة بن قيس الكوفي” المتوفى سنة 72 هـ , وهو من أصحاب ابن مسعود له رأي في سبب نزول بعض الآيات حيث يقول: ( عليك باتقاء الله والسداد, فقد ذهب الذين كانوا يعلمون فيما نزل القرآن).(2). كما روي عن “أحمد بن حنبل” في هذا الاتجاه, أي حول تفسير القرآن والحديث فقال: ( ثلاثة أشياء لا أصل لها التفسير والملاحم والمغازي). المرجع نفسه ص 410

    وهذا الشعيبي يقول في هذا الاتجاه ايضا : ( ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت : القرآن والروح والرأي).(3).  

    وهذا الأصمعي يقول أيضاً: (تقول العرب معنى هذا كذا ولا أعلم المراد منه في الكتاب والسنة أي شيء هو. ). (4)

   ملاك القول الدين كما تقول أيات الله المحكمات : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج). الحج 78. و (وما يريد الله ليجعل عليكم حرج.). المائة -6. (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر). البقرة 185. يظل هو الدين الصحيح الذي يطمح إليه العقلاء من المسلمين ومشايخهم.  لقد علمنا الرسول الكريم: أن (لا مشادة في الدين). (ولقد هلك المتنطعون). و في الختام نقول كما قال العقلاء من فقهائنا: (الأصل في الأشياء الإباحة). والحياة كمياه النهر الجاري لا تقف ولن تقف.

 

 لنشرة المحرر : الكاتب : د.عدنان عويّد/من ديرالزور – سورية
الهوامش:
1- عن مجلة النهج- العدد-20/ خريف 1999/ ص 193.
2- حسن ابراهيم حسن. كتاب تاريخ الإسلام . دار الجيل . بيروت 1991. ج1 ص 410
3- المرجع نفسه ص144.3-
4- المرجع نفسه ص144.  
الخميس 19 أبريل 2018.