لقد اخطا من يعتقد ان المغرب سيحقق ما يصبو اليه من التقدم وتحقيق الاصلاحات في جميع المجالات التي يبدل في شأنها المجهودات التي تؤهله لمسايرة تطورات العصر و التحديات التي تنتظره ما لم يتخلص من نفوذ جيوب المقاومة و هي التي اشار اليها السي عبد الرحمان في سيرته الذاتية احاديت فيما جرى شدرات من سيرتي الذاتية كما رويتها لبودرقة في الصفحة 190 حيث جاء عنها قوله ” و بخصوص ما اطلقت عليه جيوب المقاومة فانه من الصعب تصوير هذه الجيوب تصويرا دقيقا ” الا انه يقصد بها القوى التي تمكنت من بناء مصالح في التغيير و التجديد لتهديد لمركزه الاقتصادي او مركزه السياسي . سيكون منخرطا في بنية هذه الجيوب و يقصد بها القوى التي لها مصالح متراكمة لا بد ان تجعل نوعا من الارث البشر الذي سيستفيد من هذا فنحن لا نستغرب ان تلك الجيوب موجودة و لها اثار سياسية و انشغلت وحاولت وضع العراقيل و لكنها لم تفلح في افشال تجربة التناوب التوافقي . و رغم ان السي عبد الرحمان اشار الى احد الخلاف بين المقاومة و جيش التحرير حول استكمال الوحدة الترابية و استرجاع المناطق المستعمرة ، سواءا التي احتلتها اسبانيا او فرنسا و كذلك طنجة ، و حل جيش التحرير و ادماجه في الجيش الرسمي ، و قد شاطره الراي المرحوم محمد الخامس قبل وفاته حيت قال ”  صحيح لقد اخطأنا عندما اعطينا الاهتمام الاكبر لبناء الدولة قبل استكمال التحرير ” ، و في هذا الصدد نبه المرحوم الفقيه البصري الى تثبيت جيش التحرير و المقاومة لتحرير كل التراب المغربي الى النهاية ” خلافا لما ينادي به عبد الكريم الخطيب ، من تحويل كل عناصر جيش التحرير الى الجيش الرسمي ، و بمناسبة الاحتفال ب 20 غشت الذكرى الثانية لثورة الملك و الشعب القى خلاله الفقيه البصري باسم جيش التحرير و المقاومة كلمة عبر من خلالها عن قلقه حول حركة المقاومة و جيش التحرير من الانزلاق نحو الاستعمار الجديد بإيعاز من الحكومة الفرنسية على فرض اتفاقية تضمن استمرار الامتيازات الفرنسية في البلاد ، كما ان الاحتفال بعده تم تحويله من المكان الذي استشهد فيه علال بن عبد الله يوم 10/11/1953 عندما حاول اغتيال بن عرفة الذي نصبته الحماية بدعم من الخونة من المغاربة ليحل مكان السلطان الشرعي محمد بن يوسف ، و من هنا بدأت بوادر نشأة جيوب المقاومة ويضاف الى هذه النشأة عنصر اساسي داخل حزب الاستقلال بعد انضمام طاقات شابة للحزب و التي دون ان تغطي القيادة المحافظة في الحزب ، حيت ينظر اليها المرحوم علال الفاسي بغير رضا ، بعدما اتسمت القيادة بالانغلاق و الجمود و هذه الطاقات التي استقطبها بن بركة وتأطيرها هي التي حملت المشعل و هي التي اطلقت شرارة المقاومة ، و هكذا اصبحت القواعد الجديدة هي التي تقود حزب الاستقلال بدلا من القيادة المحافظة ، من هنا جاءت مبادرة المهدي بن بركة ما يكرس ما اطلق عليه اللجنة السياسية التي ضمت اغلب العناصر الشابة وسارت في التغيير و التطوير و التجديد ، و انذاك شرع المهدي و البصري الى عقد مؤتمرات جهوية لإعادة تنظيم حزب الاستقلال انطلاقا من القاعدة و اطلقوا هذه العملية الجامعة المستقلة لحزب الاستقلال و هو ما يعرف بحركة 25/10/1959 و من تم قامت هذه الحركة بسحب الثقة من اللجنة التنفيذية و كان رد القيادة اغلاق المقرات امام هذا التيار الجديد ، قام يوم 06 مارس بتغير الاسم و سمت نفسها الجامعات المستقلة لحزب الاستقلال وتم وقع قانون اساسي لها بقيادة جماعية و هم محمد البصري و المهدي بن بركة – عبد الرحمان اليوسفي و محمد بلمختار و الحسين امخي ، و على اثر ذلك تقدمت اللجنة التنفيذية بدعوى ضد هذا التنظيم ، الا ان هذا الاخير سارع الى عقد اجتماع بطنجة اعلن فيه تأسيس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية و في 06 شتنبر عقد المؤتمر التأسيسي و يصادق على ميثاقه و ثم تعيين لجنة التأسيس التي صادقت على اللجنة الادارية يضم 60 عضوا و هذا الصراع داخل حزب الاستقلال هو الذي تمخض عنه الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ومن هنا ايضا بدأت نشأة جيوب المقاومة من المحافظين من حزب الاستقلال وهي التي سيسميها المهدي بن بركة القوى الثالثة ، كل هذه المسائل تعرض لها السي عبد الرحمان عن المخاض السياسي الذي يعرفه دون الاشارة بالتفصيل الى المخاض السياسي  خلال الفترة الممتدة مند تاريخ الاستقلال الى تاريخ 1960 بعد اقالة حكومة عبد الله ابراهيم و تموقع الاتحاد في المعارضة . اما بالنسبة لبوادر نشأة جيوب المقاومة فيبدو من خلال الجزء الاول من مذكراته الثلاث ، فان الشروع في السياسة المنتهجة من طرف الحكومات المتعاقبة على الشأن العام قد انطلقت من سنة 1960 و هي السنة التي اقيلت فيها حكومة الاتحاد التي كان يترأسها المرحوم عبد الله ابراهيم و هي السنة التي تموقع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والاتحاد الاشتراكي حاليا في المعارضة التي استغرقت ما يناهز اربعين سنة و تميزت بمعارضة السياسات الحكومية طيلة هذه المدة اعطى خلالها المناضلون تضحيات جسام بالغالي و النفيس و ضل صامدا امام آلات القمع والتعذيب و الاغتيال و النفي من اجل الديمقراطية و حرية المواطن و كرامته و الدعوة الى استكمال ما تبقى من جيوب الاحتلال الاجنبي و كان ذلك في ظل نظام المرحوم الحسن الثاني و استمرت هذه الجيوب الى الان .

و هذه الحقبة المتوترة بين الحاكمين و الاتحاد قد تناولها استاذنا اطال الله عمره السي عبد الرحمان بالتفصيل في الجزء الاول من مذكراته احاديث فيما جرى كما تناول احداث ما قبل الاستقلال كما تحدث ايضا حول المدة التي تولى فيها رئاسة حكومة التناوب الى تاريخ اعتزاله السياسة و استقالته من الحزب ، تلك الفترة التاريخية الممتدة من استقلال المغرب الى سنة 1960 غائبة في مذكراته والحال ان هذه الفترة التي تعرف مخاضا سياسيا و صراعا مريرا لم تستقر معه اية حكومة بدءا من حكومة البكاي و بلافرج و عبد الله ابراهيم و غيرها إلا بعد ما تولاها المرحوم محمد الخامس و نائبه ولي العهد انداك الحسن الثاني الذي تولى بعد والده رئاسة الحكومة شخصيا .

لقد كان الخلاف الدائر داخل حزب الاستقلال قبل انشقاق الاتحاد عنه سنة 1959 و بروزا لقوى المحافظة و بين القوى الثورية المكونة من الشباب بزعامة عبد الرحمان اليوسفي ، محمد الفقيه البصري و المهدي بن بركة بما في ذلك مكونات المقاومة و جيش التحرير .

و مما لا شك فيه ان هذا الصراع يعتبر بوادر نشأة جيوب المقاومة الا انه اثناء الاستقلال اكتشفت نوايا هذه الجيوب التي كان يطلق عليها المهدي بن بركة القوى الثالثة التي كانت من صنع الاحتلال لتصبح استعمارا جديدا بهدف حماية مصالح المعمرين و لارتباط مصالحهما و كان الخلاف يدور حول الاقتصاد و الديمقراطية و نمط الحكم في البلاد و استكمال الوحدة الترابية واستمرار المقاومة وجيش التحرير في استكمال الوحدة الترابية و طرد المعمرين الفرنسيين و الاسبانيين و طنجة التي كانت تخضع انداك لنظام دولي و على رأسه بريطانيا وهي الاخطاء التي سقطت فيه الحركة الوطنية و مظاهر الخلاف بين التيارين ذلك ان اهداف القوى المحافظة الاهتمام بالإدارة و الاستيلاء على مواقع اقتصادية و سياسية لحماية مصالحها و مصالح المعمر و في المقابل يسعى التيار الثوري الديمقراطي الى ما اشير اليه حول اوجه الاختلاف و على رأسها انتخاب مجلس تأسيسي منتخب من طرف الشعب لصياغة دستور البلاد ، و في نظري فان ما جرى خلال هذه الفترة جديرة بالاهتمام و ليس التقليل من قيمة المذكرات و لا من شخصه بل العكس كان من واجب الاتحاديين الاعتزاز و الافتخار بهذا الرمز الذي استمد انجازاته و تكوين شخصيته من الاتحاد الاشتراكي كالمهدي وعبد الرحيم و اخرين و كذلك جيل ما بعد الاستقلال كاليازغي و عمر و غيرهم ، لقد ارتايت الاشارة الى اهمية هذه الحقبة لما تبين ان السي عبد الرحمان قد استهل في الفصل الثالث من الجزء الاول تحت عنوان المعارضة حيث تضمن وقائع هامة كشف عن حقائق في التاريخ السياسي في المغرب و يتعلق الامر بالاستفتاء عن دستور 1962 و الانتخابات التشريعية و الانتخابات المحلية و المؤامرة وما صاحبها من انتهاكات واسعة النطاق اودت باعتقال 900 من المناضلين و بداية المحاكمة و المطالبة بإصدار احكام الاعدام و ملتمس الرقابة سنة 1964 والوطنية الصادقة اي معنى ومرافعة القيمة للدكتور عبد اللطيف بن جلون رئيس الفريق الاتحادي انذاك للرد على الحكومة . كما تطرق للفشل في نفس الفصل الى المحاولة الاولى للتناوب و مبعوث الملك للمهدي بن بركة قصد العودة الى المغرب من اجل تشكيل حكومة وطنية و الكشف عن ظروف اختطاف المهدي و اغتياله بمشاركة المخابرات الفرنسية و الامريكية و الاسرائيلية و المغربية برئاسة افقير الذي استعان بعصابة اجرامية لتنفيذ عملية الاغتيال و مؤامرة الاختطاف الى جانب تفاصيل اخرى ومحاكمة افقير من طرف القضاء الفرنسي . ثم جاء اختطاف المانوزي و الاشارات التي شجعته الى العودة و عمر بن جلون كاتبا اولا للاتحاد في المؤتمر الاستثنائي و اعتذاره و تولاه عبد الرحيم بوعبيد و رسالة عمر للمحجوب بن الصديق و تناول هذه القضايا التي توجد بالتفصيل في الفصل الثالث من الجزء الاول كما ذكرت ، و انتقل الى الفصل الرابع من الجزء الاول حيث استهله بكلمة تأبين المرحوم عبد الرحيم بوعبيد الذي كان لوحده مؤسسة يحتاج اليها الحزب في الظرف الراهن و كانت وفاته رحمه الله يوم 08 يناير 1992 و افتتح السي عبد الرحمان كلمة تأبين عبد الرحيم  ” قسما ان لجهادك لحافظون ” . و السؤال المطروح هل نحن في الاتحاد محافظون على جهاده رحمه الله .


 الاحد 22 أبريل 2018.