لست متأكدا من أن لدينا متسعا من رفاهية الاختيار، كي ننجر بسهولة إلى صب اللعنات على السياسة وأدوات ممارستها (من أحزاب ومنظمات وخطب وتجمعات ونقاش وانتخابات…) كلما انخرطنا في معركة نبحث من خلالها عن تكريس إرادتنا الحرة، كما هو الشأن اليوم مع مبادرة مقاطعة بعض المنتجات، لكسر تحالف الاحتكار الاقتصادي والهيمنة السياسية.

أسمع وأقرأ، في خضم المعركة تسفيها متواصلا للسياسة من كل الأطراف المتفاعلة حول المبادرة. المنخرطون في المقاطعة يقولون: على السياسيين أن يبتعدوا عن المبادرة الشعبية؛ ومنهم من يرفض مجرد الإشارة إلى كلمة “سياسة” أو أي من مشتقاتها في الموضوع. والمعارضون للمقاطعة يقولون إنها حملة سياسية لحزب معين، ينبغي فضحها، ويدعون “الصف الديمقراطي التقدمي” إلى عدم الانسياق فيها، حتى لا يتيحوا للحزب المختبئ وراء المقاطعة أن يجني مكاسب سياسية منها. و”الليبراليون” المتضررون من حملة المقاطعة يقولون إن علينا أن نبعد أرزاق آلاف الفلاحين عن التلاعب السياسوي، ويصمون دعاة الحملة بانعدام الحس الوطني، بل يتهمونهم بالعمالة.

هكذا، تتحول مبادرة سياسية في صميمها (سياسية لأنها اختارت الفعل في صيغة مدنية سلمية، عوض أي شكل آخر من أشكال الفعل الممكنة؛ وسياسية لأن هدفها الرئيسي سياسي، وهو فك الارتباط بين احتكار السياسة واحتكار الثروة، من خلال تحالف طبقي مصلحي) إلى موضوع يلح الجميع على إبعاد السياسة عنه. هل نحن جادون حقا فيما نفعل ونقول؟

أفهم أن يكون المواطنون قد فقدوا الثقة في التعبيرات السياسية القائمة حاليا. لكننا لا ينبغي أن ننطلق من رفض التعبيرات السياسية الحالية، كي نصل إلى رفض السياسة في المطلق. المبادرة سياسية، ولا بد أن تجد الأدوات السياسية الملائمة لتتمكن من ترصيد نجاحها وترتيب أفضل النتائج الممكنة عليه. وإلا فإن مآلها سيكون حتما إلى التآكل بلا أفق.

الفعل التلقائي الشعبي المتجدد بذاته ليس سوى فكرة رومانسية، تفصل بينها وبين الفعل التاريخي الحقيقي، ضرورة وجود قيادة طليعية، تعلن عن نفسها بوضوح، وتقترح برنامج عملها، وتدفع النقاش السياسي القائم حاليا إلى تجديد حدوده ومفاهيمه وأولوياته، بما فيها التصور العام لمكونات نظام الحكم وتوزيع السلط، وموقع الإرادة الشعبية في بلورة هذا النظام ومفهوم سيادة الشعب…

في ضوء بناء منظم لمبادرة المقاطعة والزخم الشعبي الذي يحملها اليوم، سيصير ممكنا فرض سقف آخر للنقاش السياسي وطرق إدارته وتنظيمه، ولم لا ابتكار تعبير سياسي جديد يتجاوز التعبيرات الحزبية الحالية، المستنفذة منها والمصطنعة، أو يعيد صهرها في براديغم paradigme سياسي جديد.

وفي سبيل الوصول إلى هذا التدبير السياسي الناضج لحركة الشعب “التلقائية”، أظن أننا مطالبون بالتنبه إلى عدم الوقوع في فخ فكرة إبعاد السياسة عن الشعب؛ لأن ترجمتها الوحيدة في الواقع هي: “تجريد الشعب من وسائل التعبير عن إرادته”.

هذا الفخ بني بإحكام منذ ما يقرب من عشرين عاما، هناك في المشرق العربي، حيث لا أحزاب ولا تعبيرات سياسية لدى الشعوب، وحيث التشكيلات الحزبية الوحيدة التي كانت متاحة، كانت تحت صيغة “الحزب الوحيد الحاكم” أو “التحالف الحزبي الحاكم”، وهي في الواقع صارت شبكات علاقات ومصالح، أكثر منها تعبيرات سياسية.
بني الفخ هناك، وسخرت لترويجه آلة إعلامية ضخمة،هي قنوات البترودولار بكل توجهاتها التحريرية. بدأت هذه الآلة الإعلامية باستهداف كل التعبيرات والمشاريع الفكرية التي كانت قائمة قبل مرحلة الانهيار الكبير الذي نعيشه اليوم، وذلك تحت مسمى “النقاش الحر المفتوح”، أو تحت شعار “الرأي والرأي الآخر”. وفي خضم انتفاضات 2011، حرص هذا الإعلام المسموم على تغذية فكرة: “تلقائية الفعل الشعبي”، وتسفيه كل مبادرة سياسية منظمة، بدعوى أن هدفها هو الاستحواذ على الثورات. والكل يعرف اليوم مآل تلك “الثورات الشعبية” الموؤودة، التي “رفضت” أن تكون لها قيادة سياسية. ولعل تحليل مآل انتفاضة الشعب السوري، تُظْهِر هذا التآمر بشكل واضح على مصير شعوب المنطقة. ففي سوريا، تم وأد كل محاولات المعارضة السياسية السورية في الداخل والخارج للأخذ بزمام الحراك الشعبي، لأن غرض دعاة إبعاد السياسة عن الشعب، لم يكن هو إعطاء المبادرة للشعب، بل حرمان الشعب من طليعته، ومن وسائل ممارسة سيادته على قراره، وفي النهاية تسليمه إلى الحرب الأهلية.

لهذا، أجدد التأكيد على أن ذم التعبيرات السياسية القائمة شيء، وذم السياسة بالمطلق شيء آخر. كل دعوة إلى إبعاد السياسة عن الحراك الشعبي، هي في جوهرها دعوة إلى إبعاد الشعب عن السياسة، وإلى حرمان الشعب من أدوات ممارسة سيادته. وعلي المثقفين والسياسيين وكل أهل النظر أن يتنبهوا إلى دلالة أن يكون هناك إجماع بين الأطراف المتنازعة المصالح في مبادرة المقاطعة، على ضرورة إبعاد الشعب عن السياسة، وإبعاد السياسة عن الشعب، كما شرحت ذلك في بداية المقال.

 

الاحد 9 أبريل 2018.