يكتب المفكر والفيلسوف الإسلامي (ابن رشد) عن الخطاب الإسلامي لحركة الأشاعرة, قائلاً” :

     ( لقد أوقعوا الناس بسبب تأويلاتهم وظنونهم الكلامية في شنآن وتباغض وحروب, وفرقوا الشرع وفرقوا الناس كل التفريق, وزائداً إلى هذا كله أن طرقهم في سلوكها لإثبات تأويلاتهم , ليسوا فيها مع الجمهور ولا مع الخواص, لكونها إذا تؤملت وجدت ناقصة عن شرائط البرهان. بل كثيراً من الأصول التي بنت عليها الأشعرية معارفها هي سفسطائية, فإنها تجحد كثيراً من الضروريات, مثل ثبوت الأعراض, وتأثير الأشياء بعضها في بعض, ووجود الأسباب الضرورية للمسببات والصور الجوهرية والوسائط. ولقد بلغ تعدي نطارهم في هذا المعنى على المسلمين. إن فرقة الأشعرية كفرت من ليس يعرف وجوه الباري بالطرق التي وضعوها لمعرفته في كتبهم, وهم الكافرون والظالمون.) (1).

     وقبل أن نقوم بتحليل موقف ابن رشد من خطاب الأشاعرة, دعونا نقف قليلاً عند الظروف التاريخية التي أنتجت هذه الفرقة ومؤسسها, وما هي الرؤى الفكرية التي قامت عليها الأشعريّة, وما هي دوافعها.

     تنتسب فرقة الأشاعرة كفرقة من فرق المتكلمين, إلى مؤسس هذه الفرقة, “أبو حسن الأشعري”, المتوفى عام 324هـ. وهو الذي عاصر جزءاً من تاريخ انتشار الفكر ألمعتزلي الذي بشر به سياسياً المأمون وتابع التبشير به الخليفة المعتصم والواثق, مع بداية القرن الثالث الهجري, وهو فكر دعا إلى تبني العقل وحرية الإرادة الإنسانية عند التعامل مع النص الديني وحوادث الزمان. ولكن مع وصول الخليفة المتوكل, الذي بدا الأتراك السلاجقة يتحكمون بناصية الخلافة في عهده, وهم الذين  أجبروا الخليفة المتوكل نفسه أن يضع التاج على رأس القائد العسكري التركي (إشناس), حيث تحول بعدها الخليفة العباسي عندهم إلى ببغاء في قفص, يقول ما يقال له كما يقول أحد الشعراء العباسيين المعاصرين لمرحلة ضعف الخلافة العباسية, راح الخلفاء العباسيون وأولهم المتوكل, يحاربون فرقة المعتزلة  ومعتنقيها, أو حتى الميالين إليها فكراً, حيث اصدر الخليفة المتوكل بتوجه من القادة الترك فرماناً طالب به المشايخ بترك الفكر القدري والعودة إلى الفكر السلفي الجبري الذي أسندوا له أحاديث تقر بأن أهل السنة والجماعة من القرون الهجرية الثلاثة هم الفرقة الناجية, وعلى هذا الأساس فُتحت محاكم للتفتيش وأخذت تحقق مع المشايخ آنذاك وتمتحن أفكارهم في مسألة خلق القرآن, ومشاهدة الله عز وجل يوم القيامة وغير ذلك من مقولات المعتزلة. وكل من يثبت أنه لم يزل يؤمن بأفكارهم ومقولاتهم وبخاصة مسألة خلق القرآن وحرية الإرادة ودور العقل ومكانته في حياة الفرد والمجتمع, كان يسجن ويعذب, بل وحتى يقتل إذا اقتضى الأمر. وهكذا أوقف ألعمل بقرار الخليفة المأمون الصادر في بداية خلافته – 211هـ, والقاضي باعتماد الفكر المعتزلي القدري ومحاربة الفكر السلفي  الجبري المعتمد على النقل بدل العقل, هذا القرار الذي كان وراءه محنة ابن حنبل في قضية خلق القرآن, التي سجن وعذب من أجلها بسبب عدم إقراره بخلق القرآن, والقول بالرأي كما هو معروف تاريخياً.

     بعد أن ثُبتت الخلافة أو من يتحكم بها بالفكر السلفي الجبري الذي وجدوا فيه المبرر القانوني والشرعي لوجودهم بالسلطة, وبالتالي إجبار الرعيّة على قبول هذه السلطة كونها أمرا أقره الله وقدره ولا شأن للرعيّة فيه, وهذا ما راح يشتغل عليه المشايخ والأئمة السلفيون الجبريون الموالون للسلطة الحاكمة, وفي مقدمتهم الفقيه “ابن حنبل” وتياره ومن تأثر به. ففي مثل هذه الظروف التاريخية غير الموضوعية, جاء أيضاً الشيخ “أبو حسن الأشعري” كي يطرح نفسه شيخاً سلفيا مدافعاً عن هذا التيار السلفي الجبري بعد أن ظل ما يقارب أربعين عاماً يتبنى الفكر القدري المعتزلي القائل بالعقل وحرية الإرادة, وربما كان السبب في تحوله هذا, هي محاكم التفتيش التي وضعت لمحاكمة ومعاقبة من يقول بالفكر المعتزل أو تثبت ميوله للمعتزلة منذ صدور قرار المتوكل الذي اشرنا إليه.

     مع بداية القرن الرابع للهجرة, بدأ نشاط الشيعة يزاد تحت مظلة الخلافة الإسلامية, بسبب سيطرة الأتراك السلاجقة على الخلافة والتلاعب بالخلفاء العباسيين قتلاً وعزلاً وسبلاً للعيون, فوجد دعاة البيت الشيعي الكثير من الرعيّة وخاصة في العراق وبلاد فارس ومصر بعد وصول الفاطميين إلى السلطة, من يساندهم في دعواهم للخلافة والوقوف بوجه الأتراك السلاجقة مغتصبي السلطة.

    لقد خرج الموقف السياسي للأشاعرة تحت وطأة هذه الظروف التاريخية المليئة بالصراع والفتن, متأثراً هو نفسه بالصراع الدائر حول مسائل (الإمامة والوصيّة والشورى) بين الشيعة كـ (معارضة) الذين طرحوا الإمامة والوصيّة في مسألة الخلافة, على اعتبار أن علياً أحق بالخلافة من غيره وفقاً لما جاء في النص المقدس الذي كانوا يستشهدون به كحديث الغدير مثلاً, أو تفسيرهم وتأويلهم لبعص النصوص القرآنية في هذا الاتجاه, وبين  السنة الذين طرحوا مسألة الخلافة كقضية تأتي عن طريق الشورى, والتي تبرر أيضاً أحقية أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية وكل البيت الأموي والعباسي فيما بعد بالخلافة من البيت العلوي. وبالتالي يجد المتابع للمواقف الأشعريّة السياسية من الخلافة, مواقف معادية في فحواها وبدرجة أكبر في صياغتها للبيت العلوي. بل تبدوا وكأنها مجموعة من الردود الطاعنة بمقولات الشيعة بشان الإمامة والوصيّة والعصمة, والتأكيد على أحقية أبي بكر وعمر وعثمان بها أي الخلافة. (2).

     من هنا نجد أن طعون أبي حسن الأشعري كانت منصبة على طعون الشيعة والدفاع عن أحقيقة أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية ومن جاء بعدهم, والعمل فكرياً على تأصيل خلافتهم على أسس مستمدة من القرآن والحديث والاجماع والقياس, بمنهج من لا يكتفي بإثبات الجواز كما يقول الفقهاء, بل يحاول فرض الإلزام. وهذا الموقف جعل في الحقيقة النظرية الأشعرية أسيرة للحزام التاريخي الذي وجدت فيه من جهة, وللجدل الدائر بحدته وقسوته الذي فرضه جدل الخصوم من جهة ثانية.

     أمام هذه المعطيات التي جئنا عليها يمكننا العودة إلى “ابن رشد” وموقفه المتشنج والمعادي للنظرية الأشعريّة وما تركته من تعميق للخلافات والصراعات بين السنة والشيعة منذ ظهورها حتى عصره, بل لنقل ما تلعبه حتى  بالنسبة لنا في عصرنا الراهن من دور تفتيتي لهذه الأمة, تحت مقولات الفرقة الناجية وغيرها من رؤى سنبينها الآن عند دراستنا لموقف ابن رشد عن نظرية الأشاعرة.

     قبل أن نبين مواقف ابن رشد من النظرية الأشعرية, نحب أن نشير إلى مسألة على درجة عالية من الأهمية وهي: إن “ابن رشد” الفيلسوف العقلاني الذي آمن بدور العقل واعتبره هبة من الله كي نعرف به طريقنا إلى الحق, وهو القال : (ليس من المفروض علي لكي أكون حكيماً أن أكون نبياً, فطالما أنا امتلك العقل فأنا حكيم.). هذا الفيلسوف العقلاني الذي حورب على أفكاره العقلانية من قبل أصحاب التيار السلفي التكفيري الحنبلي والأشعري معاً, هو ذاته الذي عندما مات لم يخرج في جنازته إلا عبده وحماره في وطنه, بينما نجد الغرب يحتفي بفكره وعقلانيته, ويتخذ منها مدرسة أسست فيما بعد للمدرسة العقلانية في الفكر الأوربي الغربي, وسميت هذه المدرسة العقلانية بـ (المدرسة الرشدية).

على العموم:

     لقد اعتبر ابن رشد النظرية الأشعرية الكلامية مدرسة أدخلت الناس بعد أن قامت بتأويل وتفسير النص الديني بناءً على ظنون كلامية قائمة على رؤى ذاتية ليس لها مساس بالواقع المعيوش, ولا بدلالات النص الديني المقدس, وهي بتعبير آخر سفسطائية – أي غير منطقية, فالأشاعرة ترفض الضرورة في الواقع, أي وجود قوانين موضوعية مستقلة عن أية قوى أخرى تتحكم بحركة الواقع الطبيعي والاجتماعي وعلى الإنسان السعي لاكتشافها. على اعتبار أن الإنسان عاجز عن معرفتها بعقله, كونها مقدرة من الله وما على الإنسان إلا الرضوخ والامتثال لها لأنها أوامر الله. وبالتالي هم يرفضون ثبوت الأعراض (الأشياء) وفقاً لخصائصها أو طبائعها المرتبطة بها, كما يرفضون تأثير هذه الأشياء بعضها ببعض ووجود الأسباب الضرورية للمسببات والأشياء والصور الجوهرية والوسائط. أي أن كل ظواهر الطبيعة أو المجتمع وفقاً لمبدئهم الذري التجزيئي, هي ظواهر أو أشياء معزولة عن بعضها وقائمة بذاتها لا تؤثر بغيرها ولا يؤثر غيرها بها, فهي مخلوقة لله, وبالتالي هم يرفضون هنا حركة الزمان والمكان. بل إن الأمور وصلت عند حجة الإسلام الأشعري “أبو حامد الغزالي” للقول بأن الأشياء تجري في شكلها ومضمونها وحركتها بناءً على ملك وظفه الله لهذا الشيء, وليس بإرادة الإنسان. وهو ذاته الذي انتقد الفكر الفلسفي العقلاني في كتابه ( التهافت). ورد عليه ابن رشد بكتابه (تهافت التهافت). فبهذا الموقف الفكري من الحياة ومكوناتها أدخل الأشاعرة كما يقول ابن رشد الناس في صراعات وحروب وتباغض, وفرقوا الشرع, وفرقوا الناس كل تفريق. بل إن كثيراً من الأصول التي بنت عليها الأشعرية طرقها وسلوكيات اتباعها في إثبات تأويلاتهم  لا تمس حياة الجمهور ولا الخواص, كونها لا تنتمي إلى العقل بصلة, كموقفهم من مرتكب الكبيرة كافر هو أم زنديق, أو موقفهم من الصفات الإلهية هل هي بذاتها كالصفات العقلية أو المعنوية كالخلق والبصر والسمع والرؤية والقدرة.. الخ, وغيرها غير موجود؟. أو قولهم في خلق القرآن هل هو كلام الله, أم يوحى به, أي هل كلام الله هو مواضعة أي وضعه الناس عبر علاقاتهم, أم هو توقيف أو إلهام, أي يوحى به من عند الله. أو قولهم بالجبريّة ونظرية “الكسب” التي أقروا بها يأن الله منح الإنسان العقل والإرادة لا لكي يتصرف بها من عنده, وإنما وفقاً لمشيئة الله, وهذا ما جعل ابن تيمية يقول عن أبي حسن الشعري في نظرية الكسب هذه, بأنه أراد أن يخرج من الجبر فوقع فيه.

     من هذا المنطلق بقول ابن رشد عن الأشاعرة بأنهم دخلوا في تفسير وتأويل قضايا لا يعلم بها إلا الله, كبحثهم في صفات الله العقلية, ومن هو الكافر, وكيف توجد حياة الإنسان وغير ذلك من قضايا لم يثبتها العلم حتى الآن برأينا, وعليها كفروا وزندقوا من لا يؤمن بها. وهكذا كانوا مصدراً لفتنة المسلمين التي لم تزل قائمة حتى اليوم.

     رحم الله ابن رشد, ورحم كل المفكرين الإسلاميين العقلانيين كغيلان الدمشقي, وجعد بن درهم, وجهم بن صفوان بسبب تبنيهم العقل والتنوير وحرية الإرادة.

 

لنشرة المحرر : كاتب وباحث من ديرالزور – سورية
1- محمد عابد الجابري – تكوين العقل العربي – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – ط1 – 1984 –  ص 320.
2- عبد الجواد ياسين – السلطة في الإسلام – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – 1998 – ص28.