(1)  البداية من المتحف …!

 

تهدف هذه المحاولة إلى مناقشة موضوع من أكثر الموضوعات التي شغلت وتشغل الفكر العربي الحديث والمعاصر: موضوع علاقة الماضي بكل من الحاضر والمستقبل. وبما أن معظم الكتابات العربية التي تناولت وتتناول هذا الموضوع هي –على العموم- كتابات “خطابية” (=تقوم على الدعوة إلى رأي جاهز، وبالتالي على السجال الذي يرفض الرأي الآخر أو يسعى إلى إبطاله)، فإن النتيجة هي أن جوهر الإشكالية التي يطرحها هذا الموضوع، وهي إشكالية فلسفية عميقة الأغوار، يقع تسطيحها وبالتالي الانحراف بها، بقصد أو بدون قصد، إلى عالم اللبس والتزييف والمغالطة!

إن محاولتنا هذه تريد أن تعالج الموضوع في إطاره الفلسفي وفي سياق التطور التاريخي. ومن أجل ذلك سننطلق من سؤال منهجي واضح يعقبه استهلال توضيحي للإشكالية المطروحة، لنعود بعد ذلك إلى “صلب” الموضوع، وهو صلب حقا، لن ندخر جهدا في تليينه.

أما السؤال المنهجي فنصوغه صياغة مبسطة كما يلي: متى بدأ الناس يوظفون الماضي في النظر إلى المستقبل؟ ومتى بدءوا يوظفون المستقبل في نظرتهم إلى الماضي؟ وبعبارة أخرى: متى صار الناس يفكرون في المستقبل بوصفه يمثل، بشكل من الأشكال، تجاوزا للحاضر والماضي؟

هذا سؤال حديث، بدون شك. أعني بذلك أنه يطرح إشكالية تنتمي إلى الفكر الأوربي في العصر الحديث. وسنرى فيما بعد كيف طُرِح أول مرة في هذا الفكر، وكيف تطور التفكير فيه داخل الفلسفة أولا، لينتقل بعد ذلك إلى عالم الإيديولوجيا والفكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي والعلمي.

حقا، إن تاريخ فكرة “المستقبل” يبدأ مع ظهور فكرة “التقدم” في الفكر الأوربي في القرن السابع عشر، وسيادتها على الفكر الفلسفي في الثامن عشر. ومع ذلك فلكل ذي تاريخ “ما قبل تاريخ”. فلنبدأ إذن بـ “ما قبل تاريخ” هذه الفكرة فهو أسهل بسطا وأقرب إلى الفهم عند غير المتخصصين، وسيكون ذلك فيما أعتقد مقدمة مناسبة لـ “إثارة الشهية” للموضوع!

(***)

كنت في زيارة للبحرين بدعوة من “نادي العروبة” عام 1992، وكان برنامج الزيارة يشتمل، من بين مواد أخرى- على محاضرة بعنوان “مستقبل العرب في ظل النظام الدولي”. وقد شاءت المصادفة أن يكون وقت إلقاء المحاضرة عقب زيارة لمتحف البحرين، بحيث انتقلنا منه إلى مكان المحاضرة مباشرة. وشاءت المصادفة أيضا أن يكون أول شيء بدأنا به زيارتنا لأروقة المتحف رواق كان عبارة عن “مدخل” رتب بكيفية معينة، ذكية، عرضت فيه على التتابع معروضات ثلاثة شدت انتباهي بصورة خاصة، نظرا لانشغال فكري بموضوع المحاضرة، “مستقبل العرب…”، فأخذت أقرأ، بدون شعور، تلك المعروضات تحت تأثير فكرة “المستقبل”. ثم ما لبث أن تحولت أشياء ذلك الرواق/المدخل إلى مدخل للمحاضرة التي كلفت بإلقائها. وهكذا قدمت للمحاضرة بالعبارات التالية:

قلت بعد التحية والشكر وعبارات بالمناسبة : “… وقد زرت صباح اليوم متحف البحرين، ولفت انتباهي ثلاثة أمور:

الأمر الأول قبور عليها بقايا عظام وبجانب هذه البقايا أواني الطعام. كان الناس يدفنون موتاهم ويضعون إلى جانب رؤوسهم طعاما ليأكلوه في “المستقبل”. ذلك دليل على أنهم كان يفهمون المستقبل على أنه حياة أخرى تأت بعد “نوم” يسمى الموت. وبالتالي فالميت/النائم سيستيقظ يوما، كما يستيقظ الحي/النائم في الصباح، وسيحتاج ليأكل!

أما الأمر الثاني فقد لفت نظري عندما تقدمنا قليلا داخل المتحف فوجدتني فجأة، اقرأ في عدد من جريدة معلقة على الجدار اسمها “البحرين”، وكان مؤرخا، إذا لم تخني الذاكرة، بـسنة 1939، وفي صفحته الأولى مقال رئيس بعنوان “الوحدة العربية…”.

وأما الشيء الثالث الذي شدني إلى هذا المتحف فهو تلك الرغبة الصادقة والمشروعة في إبراز خصوصية الشعب البحريني في ثقافته العملية وأسلوب حياته، ونضاله اليومي من أجل قوته ومن أجل بلده”.

ثم أضفت:

“فإذا تعاملنا مع هذه الأشياء الثلاثة على أنها رموز أمكن القول إنها تلخص المحاضرة التي أنوي إلقاءها. فالمشهد الأول الذي يتألف من بقايا أجسام موتى وبجانبهم أواني الطعام يمكن أن نقرأ فيه -ولو أن المسافة بيننا وبين أشيائه مسافة طويلة تعد بمئات القرون- مظهرا من مظاهر تشبثنا بمستقبلنا، ولكن مستقبلنا كأفراد: كل فرد لـه “قبره” وأوانيه. والواقع أننا، نحن العرب، ما زلنا نفكر في المستقبل بطريقة فردية، أشخاصا وأقطارا! مازلنا نفكر في المستقبل وكل منا يريد أن يحمل معه جرته وحده، ليأكل بمفرده، وكأن المستقبل هو للفرد وليس للجماعة.

ومع ذلك فـ”نحن العرب” نقول عن أنفسنا إننا مدعوون إلى الارتفاع بهذا المستقبل الفردي إلى مستوى العنوان الذي قرأته في جريدة “البحرين”، إلى مستوى “الوحدة العربية”. فهذا العنوان يقدم لنا نفسه اليوم كرمز آخر لمستقبل آخر، ولتفكير آخر للمستقبل الجماعي. إذن نحن مطالبون بالارتفاع من المستقبل الفردي -واقصد بالفرد هنا الفرد كفرد، والفرد كقبيلة، والفرد كقطر- نحن مدعوون إلى الارتفاع بتفكيرنا وبتمسكنا بالمستقبل الفردي، الشخصي والقبلي والقطري، إلى مستقبل جماعي يجد إطاره في “الوحدة العربية”.

يبقى العنصر الثالث الذي لفت انتباهي في هذا المتحف وهو الشخصية القطرية، شخصية القطر الذي يحكي المتحف تاريخه، شخصية “البحرين” نفسها التي يجب أن تبقى معبرة عن إبداعاتها، عن آلامها وآمالها وطموحاتها وشخصيتها، في إطار الوحدة المنشودة. الوحدة لا تعني أن الأخ الكبير يجب أن يدخل في جلبابه الاخوة الصغار! كلا. الوحدة لا تعني القفز على واقع أصبح الآن واقعا نفسيا واجتماعيا واقتصاديا فضلا عن كونه سياسيا ودوليا. إنه واقع الدولة القطرية التي تبني كيانها القطري، ليس بالمخططات التي تخطط المستقبل فحسب، بل وبالمتاحف أيضا، المتاحف التي تعيد بناء الماضي و”تخطط” له”.

بعد هذا المدخل الأول انتقلت إلى مدخل ثان عندما بدأت أتحدث عن مفهوم “المستقبل” في عبارة العنوان: “مستقبل العرب في ظل النظام الدولي”. فكان مما قلته: “التفكير في “المستقبل” بالمعنى الذي نتحدث به عنه اليوم شيء جديد تماما في تاريخ البشرية! في الماضي البعيد -بعدا حضاريا وليس بالضرورة بعدا زمانيا- كان المستقبل هو ذلك الذي تمثله في المتحف تلك القبور التي مازالت تحتفظ ببقايا عظام إنسان ومعه طعام يأكله، عندما يستيقظ، عندما يبعث. كان المستقبل “ما ورائيا”، يأمل فيه الناس في حياة أخرى يشخصونها تشخيصا. وهذا واضح في متاحف الأقطار التي كانت لها حضارة قديمة وبقيت منها عاديات، مثل البحرين والعراق ومصر الخ.

ثم جاءت الديانات السماوية لترتفع بهذه الصورة المجسمة للمستقبل بعد الموت، إلى مستوى أرفع، مستوى روحي. لكن التفكير في معظمها بقي مع ذلك يتحرك في أفق “الفرد” وحده. الفرد الصالح يدخل الجنة بمفرده، لا أحد يضمن لأبيه أو أمه أو زوجته أو صديقه الخ، أن يدخل معه الجنة. المستقبل في الآخرة مستقبل فردي.

في الديانات الوثنية، كالديانات الشعبية عند اليونان مثلا، لم يكن هناك مستقبل ما ورائي منفصل عن الدنيا، لقد كانوا يتصورون الزمان دائريا، فربطوا مصير الإنسان بحركات الفلك. الفلك يدور و”الدنيا” تدور معه. والدوران على محيط الدائرة يقتضي أن يعود الشيء الدائر، في لحظة معينة، إلى كل نقطة فيها. وبما أن العالم تدبره حركة الأفلاك وهي دوائر وهمية في السماء، فإن كل ما حدث فيه، في لحظة معينة سيحدث هو نفسه مرات ومرات. وقد بقي هذا التصور حيا في الفلسفة اليونانية، ولكن بصورة أكثر تجريدا.

أما اليهود الذين يعتبرون أنفسهم “شعب الله المختار”، والذين جعلوا الله راعيا لهم وحدهم، -هم وحدهم رعيته وقطيعه بالتعبير العبراني- فمستقبلهم، كما يعتقدون، هو في “الأرض الموعودة” (فلسطين)، يعيشون على أمل مستقبل جماعي في “الأرض الموعودة” التي ينتظرون…

أما المسيحية فـ”المستقبل” عندها، أعني مستقبل معتنقيها، مرتبط بالخلاص من “الخطيئة الأولى”. وهذا الخلاص يتم على خط زمني متصاعد كلما ارتقى فيه الإنسان اقترب من “يسوع” وضمن لنفسه الخلاص.

وأما الإسلام فهو دين ودنيا، والمستقبل فيه مستقبلان: مستقبل الفرد على صعيد الدين وهو في الآخرة، هو وحده مسؤول عن أعماله وهو وحده الذي سيجازي عنها إن خيرا فخير وإن شرا فشر. لكن الإسلام ليس دين الفرد فحسب، بل هو دين الأمة أيضا. إن من خصوصيات الإسلام أنه جاء بفكرة الأمة، وهي مفهوم لا يتقيد بقبيلة ولا بجنس، أمة الناس كافة، أعني المؤمنين به. وهدف الإسلام على هذا المستوى هو أن يجعل من الأمة الإسلامية “خير أمة أخرجت للناس”. وهذا نوع من المشروع المستقبلي. لكن مع ذلك لا يمكن أن نقول إن المسلمين في القرون الوسطى فهموا المستقبل كما نفهمه اليوم. نعم كان هناك دوما مستقبل مرتبط بتبليغ الرسالة والنضال من أجلها، بل كان هناك نوع من التخطيط لمستقبل الأمة في الدنيا، كما فعل عمر بن الخطاب عندما عدل عن تقسيم أرض سواد العراق بين المقاتلين الفاتحين وفضل تركها كما هي مع فرض الخراج عليها، مبررا قراره بالتفكير في المستقبل، مستقبل الأجيال القادمة. وهذا نوع من “التخطيط” للمستقبل، بدون شك.

ومع ذلك فالتفكير للمستقبل بالمعنى المعاصر هو شيء جديد تماما، نظرا للتطور الذي حصل. ذلك أن فكرة “المستقبل” في الفكر الحديث ترتبط بفكرة أساسية وهي فكرة التقدم التي ظهرت في أوربا خلال القرن السابع عشر وانتشرت في القرن الثامن عشر. فعندما أخذت أوروبا تتقدم علميا وتكنولوجيا وثقافيا وفكريا، وصار الجديد شيئا يلمس في كل مجال، برزت فكرة “التقدم”، لا بوصفها تحيل إلى تقدم الفرد أو الجماعة فحسب، بل بوصفها تعبر عن اتجاه التاريخ، تاريخ البشرية كلها. ومن هنا ذلك الفرع من المعرفة، أو قل ذلك “المبحث” من الفلسفة الذي أطلق عليه “فلسفة التاريخ”، والذي في إطاره سنتحرك ملتمسين الجواب عن السؤال الذي طرحناه في مدخل هذا المقال ، والذي صغناه كما يلي”: “متى بدأ الناس يوظفون الماضي في النظر إلى المستقبل؟ ومتى بدءوا يوظفون المستقبل في نظرتهم إلى الماضي؟ وبعبارة أخرى: متى صار الناس يفكرون في المستقبل بوصفه يمثل، بشكل من الأشكال، تجاوزا للماضي والحاضر؟”.

(2) مفهوم “التقدم” … والرجوع إلى أصل المسألة..!

إذا نحن انتقلنا بهذا السؤال إلى فضاء تاريخ الفكر الفلسفي فإننا سنحصل على جواب نلخصه في الفقرات التالية (قبل الانتقال إلى الخوض فيه بتفصيل):

لم يبدأ المستقبل –كما ننظر إليه اليوم- يدخل في دائرة المفكر فيه في الفكر الفلسفي إلا مع النهضة الأوروبية، وبالخصوص في القرن الثامن عشر مع ظهور “فلسفة التاريخ” في ألمانيا مع كل من هردر وكانط وهيجل، هؤلاء الذي أعطوا للتاريخ معنى من خلال فكرة “التقدم”.

ومن أجل التأسيس لهذا المنطلق ارتأينا التذكير هنا بما ميز به كل من هردر وكانط تصورهما للتاريخ عندما صرَّحا، في إطار السجال الذي قام بينهما، بأن المهم ليس ما يختلفان فيه بل المهم –في نظرهما- هو أن لا تصير فلسفتهما للتاريخ على “طريق ابن رشد”، الذي تصور “التقدم” على أنه عملية تتم على صعيد “النوع” الإنساني، بينما يرى هذا الفيلسوفان أن التاريخ الذي هو مسرح للتقدم والذي يشكل موضوعا لفلسفة التاريخ، هو التاريخ البشري كما يتشخص في الحضارات المتعاقبة. ومن هنا السؤال الذي يفرض نفسه علينا تاريخيا، وهو: لقد دعا هردر وكانط إلى تدشين قطيعة مع ابن رشد، فلماذا لم يفعل هذا الأخير مثل ذلك مع أفلاطون، مع أنه خالفه في مسألة أساسية، وهي رفضه ليأسه –يأس أفلاطون- من إقامة “المدينة الفاضلة” على الأرض، بينما يرى هو –ابن رشد- بأن ذلك ممكن “في زماننا هذا وبلدنا هذا”، يقصد الأندلس في عصره؟

كان لابد أن يؤدي بنا هذا السؤال –الذي يستعيد أفلاطون- إلى طرح التصور اليوناني الدائري للزمن والتاريخ (الذي لا مكان فيه للتقدم بل كل شيء يدور ويتكرر)، وهو التصور الذي بقي سائدا، بهذه الدرجة أو تلك عند مفكري الإسلام بما فيهم ابن رشد، وابن خلدون أيضا، كما بقي سائدا في أوروبا نفسها طوال العصور الوسطى إلى عصر النهضة، ولم تتخلص منه نهائيا إلا مع الفيلسوف الألماني إيمانوييل كانط الذي أدخل بصورة حاسمة مفهوم “التقدم” في التاريخ. وكان ذلك، بطبيعة الحال، نوعا من التعبير عن التحول التاريخي الكبير الذي كانت أوروبا مسرحا لـه في زمانه: الثورة العلمية (نيوتن) والثورة الصناعية، خاصة في بريطانيا، والثورة السياسية الاجتماعية (الثورة الفرنسية).

ومع أن التقدم الذي كان حقيقة ملموسة في الميادين العلمية والصناعية والسياسية قد قطع نهائيا -أو كان يعني على الأقل- القطيعة مع الوضع السابق، فإن نقل مفهوم “التقدم” إلى ميدان التاريخ، -وهذا هو الأساس الذي قامت عليه فلسفة التاريخ الألمانية أو الإيديولوجية الألمانية بتعبير كارل ماركس- كان يعني إعادة بناء التاريخ بالصورة التي تجعل من الحاضر، وبالتالي المستقبل، نتيجة طبيعية للماضي. ومن هنا دخل “الماضي”، لأول مرة في التاريخ، كعنصر ضروري في كل تفكير في المستقبل، وصار التفكير في “الماضي” أي كتابة التاريخ، وبالأحرى فلسفته، موجها هو الآخر بحاجةِ المستقبل إليه. وبدون هذا النوع من “شهادة” الماضي لفائدة المستقبل، و”حاجة” الماضي نفسه إلى إسقاط المستقبل عليه نوعا من الإسقاط، لم يكن من الممكن التبشير بمستقبل للإنسانية تتحقق فيه الحرية والعدالة وكل صنوف “التقدم”، كما فعل كانط وفلاسفة الأنوار عامة.

كان ذلك هو محور ما عرف بـ”فلسفة الأنوار”. إنه “الحداثة” باختصار. وبما أن “التاريخ” لا يسير دائما حسب تصور الناس ولا حسب رغباتهم، فقد تبين بسرعة، من خلال الأحداث والوقائع، أن “الأنوار” لم تف بوعودها وأن “الحداثة” قد خانت قضيتها، وأن تصحيح الوضع أصبح يتطلب إعادة الاعتبار للفرد وحريته وتلقائيته ومعقولـه ولامعقولـه، وبالتالي التحرر من هيمنة فلسفة “التاريخ” وأوهامها. ومن هنا “النزعة الوضعية” ونزعة “ما بعد الحداثة”، في آن واحد!

هذا الطرح التاريخي لإشكالية علاقة المستقبل بالماضي والماضي بالمستقبل، قد مكننا في هذه المحاولة من النظر إلى الموضوع من زاوية النسبية. وهكذا ميزنا بين هذه الإشكالية كما تطرح في الغرب، وبين الوضع في العالم الثالث، لنختم بالنظر إلى الموضوع من خلال معطيات ما يعرف اليوم بـ “العولمة”. وفي هذا المجال خلصنا إلى نتيجة نعتبرها أساسية وهي أن الرغبة في التحرر من قيود الماضي أو من أوهام المستقبل أو منهما معا، يجب أن لا تنسينا الحاضر. ليس فقط لأن عملية التحرير المطلوبة لا يمكن أن تتم إلا في “حاضر”، بل أيضا لأن ما يجعل المستقبل مرهونا للماضي ليس هو الماضي نفسه بل حاجة الحاضر إليه، تماما مثلما أن ما يدفع إلى إسقاط طموحات المستقبل على الماضي ليس المستقبل نفسه، بل عجز الحاضر عن تحقيقها.

وما يطبع حاضرنا اليوم –في عصر العولمة- هو فعلا هذه الثورة التي لم يسبق لها مثيل على مستوى الاتصال ونشر المعلومات، والتي من خصائصها أنها بصدد إنشاء جيل محرر من “الماضي” تماما: من الانتماء الجغرافي والتاريخي والثقافي، وباختصار من الانتماء القومي. هذا صحيح، ولكن هذا ليس إلا أحد وجهي عالم “العولمة”. أما الوجه الآخر فهو ذلك الجيل الأكثر عددا والذي تعج به شوارع بلدان العالم الثالث، وأيضا أحياء مدن العالم “الأول” –المتقدم المصنع- الجيل الذي يعاني من الفقر وسوء التغذية ومن الأمية والبطالة الخ. وبما أن هذا الجيل من أبناء الفقراء لا يرى أي بصيص من النور في “المستقبل الآتي”، فهل يمكن أن نحول دونه ودون الاستلاب في “المستقبل الماضي”؟

ممكن. ولكن شريطة أن يكون ذلك مرفوقا بتحسين أوضاع الحاضر.

هذا من جهة. ومن جهة أخرى يبدو أن الجوانب الإيجابية في “العولمة” لن يكون لها ذلك الدور المأمول منها في تعميم المعرفة إلا إذا تحررت المعرفة من الاحتكار الذي تمارسه الدول المصنعة، وبالخصوص منها الرافعة شعار العولمة مقرونا بسلوك يستهدف الهيمنة على العالم.

(***)

بعد هذا الجواب/ الخلاصة على السؤال الذي طرحناه أعلاه ننتقل إلى تفصيل ما أوجزنا منطلقين من الوجه الفلسفي “الخالص” للمسألة، فنتساءل: ما هي حقيقة العلاقة، التي أشرنا إليها أعلاه، بين ابن رشد من جهة والفيلسوفين الألمانيين، هردر وكانط، من جهة أخرى، وهما اللذان يعتبران المؤسسين لفلسفة التاريخ في الفكر الحديث، التي في إطارها تطرح العلاقة بين الماضي المستقبل؟

للجواب عن هذا السؤال يجب أن نعود إلى شرح فيلسوف قرطبة لـ”كتاب النفس” لأرسطو، وهو الكتاب الذي يحيل إليه في كتبه الأخرى بوصفه يتضمن رأيه النهائي في المسائل التي تركها أرسطو معلقة، وبالخصوص منها طبيعة ذلك الجزء من النفس البشرية الذي سماه أرسطو بـ “العقل بالقوة” intellect en puissance وعُرف عند شراحه بـ”العقل الهيولاني” أو “المادي” intellect materiel، والمقصود: ذلك الجزء من العقل البشري الذي هو عبارة عن الاستعداد لتقبل المعقولات intelligibles، أي المفاهيم والتصورات والأحكام التي ليس لها وجود حسي.

وبما أن كل “ما هو بالقوة” en puissance (أي ما وجوده ممكن فقط وليس قائما بالفعل) لابد له من ذات أخرى تنقله إلى الفعل en acte ، حسب المنظومة الأرسطية، فإن تحول هذا “الاستعداد العقلي” في الإنسان إلى “عقل بالفعل” يمارس فعالياته العقلية يحتاج إلى عقل من مرتبة أعلى يقوم بهذه المهمة، سمي بـ “العقل الفاعل”” intellect agent. وقد قطع أرسطو في أمر هذا العقل الأخير، فقال عنه إنه “مفارق séparé ، ليس مختلطا بالمحسوسات أصلا، وبالتالي فهو لا يفنى بفناء المحسوسات، بل من طبيعته أنه خالد أزلي، لا يفسد ولا يفنى بفناء أشخاص النوع الإنساني. وقد جعل منه بعض شراح أرسطو الإله نفسه، بينما جعل منه آخرون كائنا إلهيا في مرتبة أدنى من الله.

أما “العقل الهيولاني”، أي الذي حاله حال “القوة” والاستعداد، فقد جاءت عبارة أرسطو عنه غامضة تحتمل القول بفساده corruption وعدم أزليته وتحتمل العكس -على الأقل في الترجمة العربية التي اشتغل عليها ابن رشد.

تصدى ابن رشد لهذه المشكلة فحلل كعادته آراء شراح أرسطو السابقين، مثل الإسكندر الإفروديسي d’Aphrodise  Alexandre وثامسطيوس Thémistius ، وبين مواطن الضعف فيها وانتهى إلى رأي خاص يقول بأزلية العقل الهيولاني، ولكن دون أن يعني ذلك أنه يقع خارج النفس البشرية. فالعقل الإنساني واحد عند ابن رشد. وما نسميه العقل الهيولاني، والعقل الفاعل أو الفعال، والعقل بالفعل أو المكتسب، ليس سوى مظاهر ثلاثة للنفس العاقلة، توجد كلها داخل النفس وليس خارجها وهي واحدة في حقيقتها، وإنما تتبدَّى في صورة “العقل بالقوة” باعتبار، وفي صورة “العقل الفاعل” باعتبار، وعلى هيأة “عقل بالفعل” باعتبار آخر.

والمشكلة التي تعترض القول بأزلية العقل الهيولاني –وهو، كما قلنا، ذلك الاستعداد الذي في النفس لأن يصير عقلا بالفعل يمارس عملية التعقل- هي أن أفراد البشر الذين يتميزون كنوع، بالعقل، تفنى أجسادهم وبالتالي يفنى معها كل ما يرجع في عقولهم ومعارفهم إلى الإحساسات والمحسوسات. فكيف يمكن تصور أزلية العقل البشري أو جزء منه أو مظهر من مظاهره والحالة هذه؟

(3) كيف فكر فلاسفة الألمان في فلسفة التاريخ تحت مظلة ابن رشد!

انتهى ابن رشد من مناقشة الإشكالات المنطقية التي تعترض القول بأزلية “العقل الهيولاني” إلى تقرير أن العقل الذي يسمى بهذا الاسم هو بمثابة “المكان” للمعقولات النظرية، ويعني التصور الذي تعطيه الفلسفة البرهانية –فلسفة أرسطو- عن الكون. ومعلوم أن المكان والمتمكن فيه يشكلان كلا واحدا، وبالتالي فليس العقل الهيولاني هو وحده أزلي، بل المعقولات النظرية أيضا أزلية. والمعقولات النظرية ليست شيئا آخر غير الفلسفة، وبكلمة أوضح المعرفة “العلمية” بحقيقة الوجود. والقول بأزلية العقل الهيولاني وبخلود الفلسفة بهذا المعنى، يستلزم خلود الإنسان، لأن المعرفة “العلمية” بحقيقة الوجود هي من اختصاص الإنسان، ولكن لا الإنسان كفرد بل الإنسان كنوع، الإنسان الذي يتحدد بقولنا: “حيوان عاقل”. فهو إنما يكون “عاقلا” بحصول المعقولات فيه.

كيف يمكن تصور ذلك؟

كان ابن رشد قد أدلى قبل خوضه في مسألة العقل برأي طريف في مسألة الوجود التي كان النزاع فيها بين الفلاسفة والمتكلمين الإسلاميين يدور أساسا حول ما إذا كان العالم قديما أزليا، وهذا رأي الفلاسفة، أم أنه حادث مخلوق من عدم كما يقول المتكلمون؟ وفي رأي ابن رشد أن العالم ككل لا يمكن أن يقال فيه إنه حادث لأن ما نعرفه ونشاهده هو أن العالم مسرح للكون والفساد génération et corruption: أشياء تتكون وأخرى تفسد، ولكننا في الوقت نفسه لا نستطيع أن نحكم بذلك على عالم السماء لأنه ليس موضوعا لمشاهدتنا، وبالتالي فأليق شيء بالعالم ككل، أن يقال عنه –يقول ابن رشد- لا إنه قديم ولا إنه حادث، بل إنه “دائم الحدوث”، أو إنه في “حدوث دائم”.

وقد طبق ابن رشد مفهوم “الحدوث الدائم” على مسألة العقل التي أثرناها أعلاه فقال: إنه إذا كان القول بأزلية العقل الهيولاني وأزلية الفلسفة يؤديان إلى القول بخلود النوع الإنساني، فإنه لا شيء يمنع من قبول ذلك، خصوصا إذا فهمنا الخلود على أنه الحدوث الدائم. وهكذا يمكن أن نفترض أن “المعمورة” لا تخلو من إنسان يكون عن إنسان عن إنسان الخ، كما يكون الحصان عن حصان الخ. وإذا كان الربع الجنوبي من الأرض خاليا من السكان كما يقال، فالأرباع الأخرى لا تخلو من النوع البشري، خصوصا وقد ثبت أن الإقليم المعتدل (حوض البحر البيض المتوسط) صالح لسكنى بني الإنسان؟

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فلما كان الوجود البشري يقتضي قيام صناعات طبيعية بها يستقيم وجوده، فمن الممكن أن نتصور وجود صناعة الفلسفة ملازمة لوجود الإنسان. أو ليست الفلسفة نظرا عقليا، والعقل هو ما يميز الإنسان؟ أليست الفلسفة هي البحث عن الحقيقة، وهذا نزوع ملازم للإنسان؟ ويذهب ابن رشد إلى أبعد من ذلك فيقرر أن التقدم في الفلسفة، أي في فهم العالم، ممكن من حيث أن الناس يمكن أن يتعاونوا على ذلك، وأيضا من حيث أن الخلف يستفيد مما يتركه السلف، وبعبارته هو: إن “دور السلف هو أن يكون معينا للخلف” في التقدم على صعيد المعرفة.

***

عندما وصلت في قراءتي لكتاب ابن رشد المعروف بـ”الشرح الكبير لكتاب النفس” إلى هذه النقطة تذكرت المساجلة التي قامت بين المفكرين الألمانيين الكبيرين، هردر وكانط، حول التصور الذي ينبغي أن تنبني عليه “فلسفة التاريخ”، وقد كانا بصدد تشييدها. كان كانط قد كتب في نوفمبر من سنة 1784 مقالة بعنوان “فكرة من أجل تاريخ عام من منظور كوني” عرض فيها وجهة نظر جديدة في التاريخ تقوم على فكرة التقدم -وهي الفكرة التي تأسس عليها الفكر الأوربي منذ ذلك الوقت- فقال: إن التقدم يسري عبر التاريخ بخطى بطيئة ولكن متصلة، وأن هذا التقدم يتم على مستوى قدرات الإنسان الأصلية وأنه لا يظهر بصورة صريحة في الفرد بل هو يتحقق في النوع الإنساني”.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان معاصره وصديقه هردر قد شبه الحياة الإنسانية بالكائن الحي الذي وُضع تصميمُه بحيث يتمكن من خلق كائنات عليا تنمو من داخله، فانتقد كانط هذا التصور وقال عنه إنه يحمل جميع عيوب “الفلسفة التأملية” التي يتجاوز طموحها حدود العقل الإنساني.، فرد عليه هردر منتقدا فكرته حول التقدم الذي قال عنه إنه “يتحقق عبر النوع الإنساني” فكتب يقول في كتابه “أفكار من أجل فلسفة لتاريخ البشرية” (1785):

“إذا قال شخص بأن ما يجب تربيته ليس الإنسان الفرد بل النوع البشري فهو بالنسبة لي يقول كلاما لا معنى له، فالجنس والنوع مفهومان مجردان لا يتحقق لهما وجود إلا في الأفراد”، ثم أضاف، وهذا ما يهمنا هنا، فقال: “ينبغي أن لا نترك فلسفتنا للتاريخ تقوم بمغامرة على شعاب فلسفة ابن رشد”. وعلى هذا النقد رد كانط موضحا وجهة نظره، مؤكدا أنه لم يكن يقصد أن النوع يتحقق بصفة كاملة في الفرد، وإنما يقصد أن الفرد البشري يمكن أن يتقدم تدريجيا ويقترب من أن يتحقق فيه النوع، ولكن دون أن يتحقق يوما تحققا كاملا. ثم ختم بالقول: “ومهما يكن فإن سوء التفاهم، الذي أبرزناه في المقطع السجالي أعلاه، لا يعدو أن يكون أمرا تافها، والأهم من ذلك هو خاتمة المقطع التي نقرأ فيها قوله (=هردر): “ينبغي أن لا نترك فلسفتنا للتاريخ تقوم بمغامرة على شعاب فلسفة ابن رشد”.

واضح أن كلا من هردر وكانط يحيلان هنا إلى نظرية ابن رشد في خلود النوع الإنساني التي شرحناها أعلاه. إنهما يريدان أن يكون موضوع فلسفة التاريخ هو التاريخ البشري الحي الذي يصنعه الأفراد. أما “التاريخ” العام” أو الكوني الذي يتحدثان عنه فيجب أن لا يفهم منه “النوع” الذي هو مقولة فلسفية، مجردة، لا وجود لها في الواقع، بل المقصود هو الإنسانية في تاريخها المشخص عبر القرون والأجيال.

والغالب على الظن أن هذين الفيلسوفين الألمانيين الكبيرين، الذين كانا يفكران في هذه المسألة تحت مظلة ابن رشد، لم يطلعا، أو على الأقل لم يستحضرا نظرية ابن رشد التي يقرر فيها إمكانية قيام المدينة الفاضلة في عالم الإنسان المشخص، عالم التاريخ: تاريخ الأجيال. ذلك أن فيلسوف قرطبة قد اعترض على أفلاطون الذي عبر عن يأسه من إمكانية قيام المدينة الفاضلة ما دام رؤساؤها يجب أن يكونوا فلاسفة، وما دام الناس لا يسلمون الحكم للفلاسفة. لقد عقب ابن رشد على هذه النتيجة اليائسة، في الشرح “المختصر” الذي كتبه لـ”الجمهورية”، فقال معترضا على أفلاطون: “يمكن أن نربي أناسا بهذه الصفات الطبيعية التي وصفناهم بها ومع ذلك (=إلى جانب ذلك) ينشأون وقد اختاروا الناموس العام المشترك الذي لامناص منه لأمة من هذه الأمم من اختياره، وتكون مع ذلك شريعتهم الخاصة بهم غير مخالفة للشرائع الإنسانية، وتكون الفلسفة قد بلغت على عهدهم غايتها. وذلك كما هو الحال في زماننا هذا وفي ملتنا هذه. فإذا ما اتفق لمثل هؤلاء أن يكونوا أصحاب حكومة [حكم ]، وذلك في زمن لا ينقطع، صار ممكنا أن توجد هذه المدينة ” الفاضلة”.

أعتقد أنه لو اطلع هردر وكانط على هذا النص لما ألحَّا ذلك الإلحاح على أنه “ينبغي أن لا تبقى فلسفتنا للتاريخ على طريق الفلسفة الرشدية”. فالطريق الرشدية في “المدينة الفاضلة” طريق تاريخي يقوم على الإيمان بالتقدم التدريجي الذي قال به كانط، كما يتفق مع هردر في أن ما يجب تربيته ليس النوع البشري بل الإنسان الفرد: أعني أناسا مشخصين، كما هو الحال “في زماننا هذا وفي ملتنا هذه”، كما يقول ابن رشد. ويمكن أن يذهب المجادل إلى أبعد من ذلك فيرى فكرة التاريخ العام عند كانط تنتمي هي الأخرى إلى فضاء “المدينة الفاضلة” وليس إلى النظرة التاريخية: فـ”التقدم” الذي جعل منه كانط القانون العام الذي يحكم حركة التاريخ، يجب أن يؤدي في نظره إلى قيام دولة عالمية واحدة أو جمعية دول يتحقق بها السلام على الأرض.

(***)

أنا لا نقصد الدخول في جدال حول هذا الموضوع الذي ربما ينتمي إلى ذلك النوع من”الماضي” الذي يجب أن نحرر منه نظرتنا للمستقبل. ومع ذلك فإن هناك سؤالين هامين لابد من طرحهما :

أما السؤال الأول فيمكن صياغته كما يلي: ألا يعبر إلحاح كل من كانط وهردر، على ضرورة تجنب “طريق الفلسفة الرشدية” في تشييد فلسفة للتاريخ، عن نوع من الرغبة في تجنب النظر إلى الماضي بوصفه يحكم المستقبل، باعتبار أن “طريق ابن رشد”، أي الميتافيزيقا أو “فلسفة الوجود”، تمثل الماضي، وأن “فلسفة التاريخ” تمثل المستقبل؟

وأما السؤال الثاني فيمكن التعبير عنه بالقول: لقد قرر ابن رشد أنه من الممكن تشييد المدينة الفاضلة على غير الوجه الذي ذكره أفلاطون وأعطى مثالا على ذلك، فلماذا لم يذهب إلى حد القول: “ينبغي أن لا تبقى مدينتنا الفاضلة على طريق الفلسفة الأفلاطونية”، على غرار الموقف الذي اتخذه كل من هردر وكانط من “طريق الفلسفة الرشدية”؟ وإذا نحن أردنا استعمال مفهوم رائج في عصرنا أمكن أن نصوغ هذا السؤال كما يلي : لقد دعا كل من هردر وكانط إلى تدشين قطيعة ابيستيمولوجية مع ابن رشد، فلماذا لم يدعُ ابن رشد إلى تدشين قطيعة مماثلة مع أفلاطون، وبالتالي مع الفكر اليوناني؟

يجب القول ابتداء إننا لا نقصد من القطيعة الإبيستيمولوجية غير شعور الباحث أو المفكر –أو من يدرس فكره- بأن المرحلة التي يمثلها بمنهجيته ورؤاه –في الحقل العلمي الذي يعمل فيه- تشكل في تاريخ هذا الحقل نقطة اللارجوع non retour. إن هذا يعني أن كلا من هردر وكانط كانا يشعران أن تطور المعرفة –ويتعلق الأمر هنا بالمعرفة التاريخية ولنقل بالوعي التاريخي بالأحرى– قد بلغ في عصرهما نقطة يشعر المرء معها بانفصال المستقبل عن الماضي. وبالتالي فالحاضر في مثل هذه الحالة ليس عبارة عن نقطة اللقاء التي يتصل عندها المستقبل بالماضي، اتصال حلقات السلسلة، بعضها مع بعض، كما هو الشأن في الأحوال العادية، بل إن الحاضر، في حال القطيعة، ويمكن أن نقول في حال الطفرة التاريخية باصطلاح الماركسية، هو النقطة التي تقوم فيها بداية جديدة تدَّعي لنفسها الجدة التامة والأصالة والاستقلال.

(4) الوعي التاريخي … بين فلاسفة أوروبا وفلاسفة العرب

وإذا نحن أردنا أن نعبر بلغة أبسط قلنا إن الفرق بين “طريقة ابن رشد” و”طريقة هردر وكانط”، هو أن الطريقة الأولى –أعني الرؤية التي تقدمها للعالم- كانت تقوم على الاعتقاد في أن الحقيقة توجد في “الماضي” أساسا، عند أرسطو -أو أفلاطون لا فرق- أما المستقبل فهو مجرد امتداد للماضي، وما قد يحصل فيه من تقدم لن يكون سوى شرح وتكميل، وفي أحسن الأحوال تطوير لما تقرر في الماضي. وواضح أن هذه النظرة كانت مستوحاة من استعراض أحوال الماضي و”الحاضر” وهي أحوال بقيت متشابهة في جميع المجالات، فلم تحدث طفرة علمية ولا صناعية ولا ثورة سياسية، تجعل من غير الممكن استمرار حضور الماضي بكل بنياته في الحاضر. وبالعكس من ذلك الطريقة الثانية، طريقة هردر وكانط ومن سار على دربهما. فهؤلاء كانوا يرون أن الحقيقة توجد في “المستقبل” وليس في الماضي، وذلك هو مفهوم “التقدم” في فلسفة التاريخ عند كانط خاصة، هذا المفهوم الذي سيضع هيجل مكانه فكرة “المطلق”.

غير أن “اللغة الأبسط” لا تعبر دوما عن الحقيقة بإخلاص، ذلك لأن الواقع المشخص هو دوما على درجة ما من التعقيد، وكلما بدا بسيطا كان أكثر تعقيدا. والحق، كما يقول باشلار، أن البسيط هو المبسَّط! نقول هذا لأننا إذا فكرنا مليا في الدعوى المبسطة السابقة سنجد أن أهم ما يميز “طريق الفلسفة الرشدية” عن طريق “فلسفة التاريخ الكانطية” هو غياب التاريخ، وبالتالي “الماضي” في المنظور الفلسفي الرشدي أي اليوناني، وفي المقابل حضوره حضورا قويا مهيمنا في المنظور الكانطي أي الأوربي الحديث!

وهكذا فبالنسبة للمنظور اليوناني: التاريخ شيء مزعج وغامض. إنه، كما يقول رويسن، مصدر قلق لهذا الفكر: ذلك لأن التاريخ بالنسبة لفكري اليونان هو صيرورة تجري في الزمن. والصيرورة والزمن تقلقان الروح اليونانية لأنها ترى فيهما مزيجا غامضا من الوجود واللاوجود، بينما كان همها الأول البحث، وراء ذلك، عما هو ثابت أزلي، عن أصل الوجود ومبدأه (مادة الأيونيين، وجود بارمينيد، ذرات ديموقريط، مثُل أفلاطون، المحرك الأول عند أرسطو).

ومعروف أن اليونان كانوا يتصورون الزمن على أنه مقدار حركة الكواكب، وهي حركة دائرية وبالتالي فالزمن دائري. ومن هنا فكرة، بل عقيدة “العود الأبدي” ومفهوم السنة الكبرى التي تستأنف دورتها مع دورات الكواكب. وقد عبر عن ذلك أفلاطون باليأس من قيام مدينة فاضلة في هذا العالم لأن “المدن” أو نظم الحكم (الملكية، والأرستقراطية، والأوليغارشية، والديموقراطية، والطغيان) يتحول بعضها إلى بعض على صورة دائرية، ومن هنا كانت “الكارثة الدورية” للإنسانية التي تتمثل في كوارث متتالية تظهر على أشكال مختلفة. وبكيفية عامة تنتمي الصيرورة التاريخية من المنظور اليوناني إلى عالم الكون والفساد (الحياة والفناء)، عالم ما تحت فلك القمر المحكوم بدورية حركة الكواكب. ومن هنا كان الكون وكان الفساد دوريان، يقول أرسطو: “الكون” (خروج الشيء من العدم إلى الوجود) هو دوري ضرورة. وإذن فمن الضروري أن يحدث كل شيء بصورة دورية. فإذا كان من الضروري أن يحدث شيء ما في هذا الوقت فقد كان كذلك من قبل. وإذا كان شيء ما موجودا الآن فمن الضروري أن يوجد في المستقبل، وهكذا دواليك”.

ومن هنا كان التاريخ في التصور اليوناني، وكذا الروماني، تأريخا للحاضر أو للأزلي، تاريخا بدون تاريخية. وكما لاحظ شبينغلر فـإن “جميع أعمال المؤرخين القدماء كانت تقف عند عرض الوضعية السياسية زمن المؤرخ، وذلك في تعارض تام مع الأعمال التاريخية في عصرنا التي تتناول كل شيء، بدون استثناء، في الماضي البعيد”.

بالفعل بدأ الماضي –الماضي البعيد- يمارس سلطته مع بداية عصر النهضة، في القرن الخامس عشر والسادس عشر، حينما تجاوزت أوروبا ما عرف بـ “الرشدية اللاتينية” لترتبط مباشرة بالآداب اليونانية الرومانية. هنا أصبح الماضي مرجعية للحاضر والمستقبل. لقد تحولت الأنظار إلى الماضي البعيد بحماس منقطع النظير، فأصبح أقرب إلى الناس من الماضي القريب الذي يلتصق بحاضرهم. وهذا ما كان يبرر عملية “الرجوع إلى الأصول” ويؤجج “الرغبة في البحث في الماضي عن إنسانية أفضل، أكمل وأكثر حرية”. لقد اكتشف الوعي الأوروبي الناهض الحاضرَ في العودة إلى الماضي، واستند إلى الماضي المستعاد، ماضي “العصر القديم” لكي يسفه جمود العصر الوسيط. وتبلغ فلسفة التاريخ قمة أوجها مع هيجل الذي قرر بأسلوب تجريدي وبضباب فلسفي أن التاريخ بأجمعه هو عبارة عن مسيرة “الروح” أو “الفكرة” في تطورها ونموها نحو المطلق، روح الشعوب وروح الحضارات. ومن هنا كان التاريخ هو تاريخ هذا التطور لـ”الروح”. ذلك لأنه إذا كانت العملية التاريخية تتألف من أعمال الإنسان، فإن هذه الأعمال ليست سوى التشخيص العملي لما يريده الناس ويفكرون فيه. ولما كان التاريخ بهذا المعنى هو تاريخ “الفكرة” فإن العملية التاريخية هي في صميمها عملية منطقية. ومن هنا فإن كل ما هو واقعي فهو عقلي وكل ما هو عقلي فهو واقعي.

وهكذا ربطت فلسفات التاريخ، التي عرفت رواجا واسعا في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بين “العقل” و”الواقع”، فأعطت للتاريخ عقلا ومنحت للعقل تاريخا، فربطت بين “المستقبل” الذي هو مجال العقل، مجال الممكن الذي لم يتحقق، وبين “الماضي” الذي هو مجال التاريخ، مجال الممكن الذي تحقق، فدمجت “المستقبل الماضي” و”المستقبل الآتي” في صيرورة واحدة تبلغ قمتها وكمال سيرورتها في الحاضر (الأوروبي) الذي أصبح ينظر إليه لا على أنه مجرد التقاء الماضي بالمستقبل، بل على أنه نقطة اندماج “حاصل الممكنات التي تحققت” و”مشروع الممكنات التي يجب أن تتحقق”.

ما نريد أن نخلص إليه مما تقدم هو أن اشتباك وارتباط المستقبل بالماضي، والماضي بالمستقبل، هو خاصية أساسية من خاصيات الوعي الأوربي الذي تشكل مع عصر النهضة. وما دمنا قد انطلقنا من استعادة حضور ابن رشد في حقل تفكير أكبر “المشرعين” للمستقبل انطلاقا من الماضي، في الوعي المذكور، أعني كانط، فلنقف لحظة مع ابن رشد لنطرح عليه السؤال حول نوع العلاقة التي كانت تقوم في وعيه بين الماضي والمستقبل.

يمكن الإجابة، مبدئيا، عن هذا السؤال بأن ابن رشد ينتمي فلسفيا إلى الفكر اليوناني الذي رأيناه يستبعد الصيرورة التاريخية من مجال اهتمامه، ويضع مكانها تصورا دوريا للزمن يجعل من “التقدم” فكرة تنتمي إلى مجال اللامفكر فيه، بل إلى مجال غير القابل للتفكير فيه. ومع أن فكرة خلود النوع البشري عند ابن رشد، التي نوهنا بها أعلاه، كانت تنطوي في نفس الوقت على الاعتقاد في إمكانية نمو وتقدم معارف الإنسان إلى المستوى الذي يقترب فيه من “العلم المحيط” بنظام الكون وحقائق أسراره، فإن منتهى هذا “التقدم” هو الخلاص والسعادة القصوى: جنة الفلاسفة، حسب التقليد اليوناني. كما أن ذلك الخلود لم يكن من الناحية الأنطولوجية خلودا للنوع على خط مستقيم، مشخصا في تتابع الحضارات، كما تصورت فلسفات التاريخ في أوروبا، بل خلودا بيولوجيا يتم على شكل دائري: إنسان يُصنع من مادة إنسان قبله بفعل تحريك المحرك الأول وهكذا. وقد لا يجوز أن نلوم ابن رشد على عدم اهتمامه بالتاريخ، على الرغم من اهتمامه بجميع حقول المعرفة في عصره، من علوم دينية وعلوم فلسفية. ذلك لأن التاريخ في الحضارة العربية، كما في الحضارة اليونانية، لم يكن يعتبر علما ولم يدخل في أي تصنيف للعلوم من ذلك النوع الذي يرتكز على مفهوم “العلم” كما حدده أرسطو بقوله: “لا علم إلا بالكليات”. والتاريخ كما عرفته الثقافة العربية، والذي ازدهر فيها ازدهرا، هو ميدان الجزئيات بامتياز.

لنختصر الطريق إذن، ولننظر إلى نوع الوعي التاريخي الذي كان لدى ذلك المؤرخ العربي الذي جاء بعد ابن رشد يحمل إرثه الثقافي، والذي عبر بصراحة عن طموحه إلى الارتفاع بالتاريخ إلى مستوى العلم. أقصد بذلك ابن خلدون، الذي جعل من مفهوم “طبائع العمران” ما يوازن قولنا “كليات الاجتماع والتاريخ”. غير أن ما يثير الانتباه حقا، هو غياب فكرة “المستقبل” في تحليلات ابن خلدون. لقد كان فكره مسكونا بالحاضر الذي كانت تعمره الفوضى، وتتجه فيه الأمور نحو مزيد من التدهور والانحلال. لقد انخرط في عالم السياسة ولمس عن قرب كيف أن الصراعات والحروب والمنافسات كانت تجري مجرى العبث، فأراد أن يجد لهذا “العبث” معنى من خلال استعراض جزئيات التاريخ العربي الإسلامي، فانتهى إلى نظريته في “الدورة العصبية” التي تجعل من التاريخ مسرحا تتناوب عليه التجمعات القبلية، كل يعيد الدور نفسه. ومن هنا كانت نظرية “أطوار الدولة” عند ابن خلدون امتدادا مباشرا لما قرره ابن رشد في “المختصر” الذي عمله لجمهورية أفلاطون، أعني بذلك تعاقب “المدن” على شكل دائري. لم يكن “المستقبل” حاضرا في فكر ابن خلدون؛ وقد واخذ المؤرخين السابقين له على أمور كثيرة، ولكنها جميعا مما يتصل بالماضي، ولم يَلُم أحدا منهم لكونه لم يهتم بالمستقبل. لقد لخص عيوب المؤلفات التاريخية السابقة له في كون قارئها يبقى بعد قراءتها “متطلعا بعدُ إلى افتقاد أحول مبادئ الدول ومراتبها، مفتشا عن أسباب تزاحمها أو تعاقبها، باحثا عن المقنع في تباينها أو تناسبها”! أما مستقبلها فهذا ما كان ينتمي عنده إلى اللامفكر فيه. وإذا كان لا بد من أن ننتزع من نصوصه فكرة ما عن “المستقبل” في علاقته بالماضي، فقد لا نجد سوى هذه العبارة التي يقول فيها: “فالماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء”، وهذا يعنى أن تاريخ البشرية، ما تقدم منه وما تأخر، عبارة عن بحر، قد تتلاطم أمواجه هنا وتهدأ هناك ولكن الماء يبقى دائما شبيها بنفسه؛ وكذلك “الماضي” و”الآتي” يشبه الواحد منهما الآخر كما يشبه بعض ماء البحر بعضه الآخر. وكل ما يمكن استخلاصه لفائدة “المستقبل”، من هذا البحر المتلاطم الأمواج، هو “العبرة”، أي الدرس الأخلاقي الديني الذي ينبه الإنسان إلى أن هذه الحياة الدنيا تافهة وزائلة.

 

الخميس 03 ماي 2018.