(5) الحداثة … أم “ما بعد الحداثة”؟

لعل أهم نتيجة يمكن الخروج بها من استعراض أنماط الوعي الديني والفلسفي حول علاقة الماضي بالمستقبل وأيهما “يحكم” الآخر، هي أن ارتباط الماضي بالمستقبل والمستقبل بالماضي، على صعيد الوعي، مثله مثل الدعوة إلى فك هذا الارتباط، هو من الظواهر الفكرية التي لم يشهدها لا الفكر اليوناني ولا الفكر العربي الإسلامي (ولا غيرهما في العصور القديمة والوسطى)، وبالتالي فهي من المستجدات التي ظهرت مع النهضة الأوروبية. وبعبارة قصيرة إنها من أبرز سمات الحداثة الأوروبية.

وإذن فالإشكالية التي طرحناها من خلال السؤال : “المستقبل والماضي .. أيهما يحكم الآخر”، إنما تجد مرجعيتها، ابتداء، في التجربة الحضارية الأوروبية المعاصرة التي انطلقت مع “عصر النهضة”. هذا العصر الذي لا معنى له هو الآخر، خارج هذه التجربة. ومعروف أنه من مرتكزات فكر “النهضة”، وفكر “الأزمنة الحديثة”، الرجوع إلى الماضي من أجل إعادة بنائه بالصورة التي تجعل من المستقبل المأمول نتيجة “طبيعية” و”منطقية” له. أما الدعوة إلى تجاوز هذا المرتكز الأساسي في “فكر النهضة” (الأوروبية)، والتي تتردد لها أصداء في العالم العربي اليوم من قبيل “نقد السلفية” و”الماضوية” الخ، ستبقى دعوة في فراغ ما لم تربط بالمرجعية نفسها: التجربة الحضارية الأوروبية. إنها دعوة تلخص الأطروحة التي يتحدد بها فكر ما أطلق عليه “ما بعد الحداثة”، والتي تعكس في تاريخ الفكر الأوروبي ثورة نيتشه على هيجل، وهي الثورة التي تتلخص في الدعوة إلى إحلال الجينيالوجيا أو نقد الأصول، محل فلسفة التاريخ التي تنطلق من بناء الأصول.

والحق أن دخول نيتشه في خطاب الحداثة قد قلب الأمر رأسا على عقب. لقد أعلن نيتشه بصراحة وقوة أن الحداثة قد فشلت في تحقيق أهدافها (تحقيق العدالة والمساواة في أوروبا وخارجها الخ)، وأن التاريخ لا يسير وفق الخطة التي يرسمها له العقل، وأن “الأسطورة”، بالتالي، يجب أن تسترجع مكانتها، ليتأسس عليها شكل جديد من الفكر، من الرؤية[1]. لقد كشف الديالكتيك العقلي (ديالكتيك هيجل ثم ماركس) -في نظر نيتشه- عن قصوره وفشله، ففقدت الحداثة بذلك امتيازها. إن فلسفة التاريخ، سواء في صورتها المثالية الهيجلية، أو في صورتها المادية الماركسية، قد سجنت العقل في التاريخ وجعلت التاريخ رهينة للعقل. وإذن فالمطلوب “اليوم” هو تحرير التاريخ من العقل والعقل من التاريخ، لا بل “تحرير الماضي من المستقبل والمستقبل من الماضي”.

(***)

ما ذا يعني هذا بالنسبة لوضعنا العربي الراهن؟ وبعبارة أخرى: ما هو الموقف المطلوب منا بالضبط: هل السير مع خط نيتشه الداعي إلى تحرير التاريخ (أو الماضي) من العقل (والرجوع إلى الأسطورة، إلى الرمز)، وتحرير العقل من التاريخ (من الأصول والقبليات والبناءات الفكرية الشمولية)؟ أم أننا ما زلنا بالعكس من ذلك في حاجة إلى اقتفاء خط تفكير هيجل ومن بعده ماركس، الخط الذي أعطى للتاريخ عقلا “يحكمه” ويقوده نحو هدف هو “التقدم” وبالتالي يجعله ذا معنى، كما منح للعقل تاريخا هو صيرورة قوامها الأطروحة والطباق والتركيب (أو الإثبات والنفي ونفي النفي)، صيرورة تحتفظ بـ”الماضي” في الوقت الذي تتجاوزه إلى “المستقبل”؟

إن موقفي من هذه المسألة هو شبيه، بل نظير، لموقفي من قضية مماثلة وكلت إلي لأدافع عنها، ففعلت عكس ما كان قد طلب مني. ففي ندوة بالقاهرة عقدت عام 1985 لمناقشة موضوع “التراث وتحديات العصر: الأصالة والمعاصرة”[2] طلب مني إعداد بحث في الموضوع التالي: “إشكالية الأصالة والمعاصرة في الفكر العربي الحديث: صراع طبقي أم مشكل ثقافي؟! وكانت “الورقة التوجيهية” التي حضرها منظمو الندوة تميل إلى اعتبار تلك الإشكالية انعكاسا للصراع الطبقي وتعبيرا عنه، انطلاقا من إبراز “أهمية الدور الذي يلعبه الصراع الطبقي في التاريخ”. لقد وقفت من هذه القضية موقفا يختلف تماما عن الموقف الذي كان منتظرا مني. لقد ألححت إزاء هذه القضية –يوم كان التفسير الطبقي يمارس في بعض بلدان العالم الثالث، في الستينات والسبعينات والثمانينات، بصورة آلية كما تمارس العقائد الدينية- ألححت على ضرورة التمييز بين وضع هذه البلدان وتاريخها وبين وضع أوروبا وتاريخها، وبالتالي اجتناب التطبيق الآلي لما يعتبر صحيحا هناك، في حقبة من الزمن، على واقع البلدان “النامية”[3]

فعلا أجدني الآن مضطرا، مرة أخرى، إلى تبني الموقف نفسه إزاء مسألة ما يعبر عنه بـ “تحرير المستقبل من الماضي”. وهذا ليس لأني استصغر دور الماضي في تحديد الرؤية للمستقبل. بل بالعكس فأنا أعي تمام الوعي أنه إذا كانت هناك أمة في هذا العصر يحتاج الفكر والثقافة فيها إلى تحرير التفكير في المستقبل من أوهام الماضي وأحلامه ومشاريعه التي لم تتحقق من جهة، وتحرير التفكير في الماضي من ضعف الحاضر ومخاوف المستقبل وأحلامه من جهة أخرى، فهي أمم العالم الثالث، وفي مقدمتها الأمة العربية التي كانت ولا تزال أمة ثقافية بامتياز. لقد عبرت عن موقفي إزاء هذه القضية بهذه العبارات :”لقد تركت فينا الصيرورة التاريخية التي عشناها طوال المائة سنة الماضية آثارا لا حصر لها: بعضها يجد مصدره في التحدي الحضاري الغربي الذي أيقظنا من سباتنا (ويسميه البعض منا صدمة الحداثة)، والذي ربَطَنا به متخذا من نفسه “مركزا” ومنا “محيطا” أو جزءا من المحيط (في الميدان الفكري أيضا)، بينما يجد بعضها الآخر مصدره في رد فعلنا على ذلك التحدي، رد الفعل الذي لجأنا فيه إلى جعل “الماضي” –ماضينا نحن- “مركزا” للتاريخ كله، والباقي “محيط”. لقد كانت المائة سنة الماضية بمثابة “عصر تدوين” آخر رسمنا خلاله في وعينا، وبكيفية سيئة جدا، صورة للماضي والمستقبل، لـ”نحن” و”الآخر”، رسمناها منفعلين لا فاعلين، يقودنا “عقل” غير واع بذاته، عقل تائه يبحث عن تمتين علاقته بـ”عقل” الماضي بدل أن يعمل على تدشين قطيعة معه، ويحاول ربط نفسه بـ “عقل” العصر بدل أن يكون هو نفسه إحدى تجليات هذا العصر. إن ما أبرزناه من قبل كخصائص أساسية ماهوية في الخطاب العربي الحديث والمعاصر: من الركون دوما إلى نموذج سلف (من التراث العربي أو من الفكر الغربي)، واعتماد القياس الفقهي الذي يقوم على رد الفرع إلى الأصل، وبالتالي قياس الحاضر والمستقبل على الماضي، والتوظيف الإيديولوجي للتغطية على النقص المعرفي، والتعامل مع الممكنات الذهنية كمعطيات واقعية، إن هي إلا عناصر في شبكة الآثار التي خلفتها فينا صيرورتنا العامة الطويلة منذ انبثاق “العقل العربي”. أي منذ “عصر التدوين”، عصر البناء الثقافي العربي العام الذي شهدته الثقافة العربية ابتداء من القرن الثاني للهجرة. فإلى هذه “الشبكة” من الآثار يجب أن نتجه الآن بالتحليل والفحص والنقد. إن الحاجة تدعو اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تدشين “عصر تدوين” جديد تكون نقطة البداية فيه نقد السلاح… نقد العقل العربي”[4] (انظر كتابنا : الخطاب العربي المعاصر)..

لقد أثبتنا هنا هذا النص على طوله لأنه يعبر فعلا عن قناعتنا بخصوص الموضوع الذي نناقشه. ومع ذلك فأنا أتردد كثيرا في السير مع خط نيتشه والدعوة إلى “تحرير المستقبل” من هيمنة من الماضي و”تحرير الماضي” من أحلام المستقبل. فأنا أحس بمقاومة في داخلي تمنعني من الدفاع عن هذا الشعار “الحداثي” بالطريقة التي يدافع بها المحامي عادة عن القضية التي وُكِّل للدفاع عنها. إن انتشار التطرف وهيمنة الأصولية واستيقاظ النعرات الطائفية والقبلية في كثير من البلدان، كل ذلك يبرر الدعوة إلى “تحرير المستقبل من الماضي” فعلا، ومع ذلك فأنا أخشى أن تجرنا الصياغة اللغوية، التي يتبادل فيها المواقع كل من “الماضي” و”المستقبل” بصورة لا تخلو من سحر الخطاب الشعري، إلى نسيان الطرف الثالث الذي أقصي من المعادلة لحد الآن، أعني بذلك “الحاضر”! ذلك لأنه سواء تعلق الأمر بـ” تحرير المستقبل من صراعات الماضي” أو بـ “تحرير الماضي من أحلام المستقبل”، فإن المعني بالأمر مباشرة هو هذا “الحاضر” المسكوت عنه. والسؤال الذي يفرض نفسه مع استحضار “الحاضر”، هذه المرة، هو التالي: أين يبتدئ الحاضر وأين ينتهي، إذا نحن عزلنا عنه الماضي والمستقبل؟ !

لا يتعلق الأمر هنا بمناقشة صورية، كلا. إن الأمر يتعلق، على العكس، بالرغبة في القيام بالتحليل الملموس لواقع ملموس. وبديهي أننا لا نستطيع “لمس” الحاضر إلا من خلال تماسه مع كل من الماضي والمستقبل. فكيف حاول الفلاسفة تحديد هذا التماس؟

وما دمنا قد استحضرنا ابن رشد في القسم الأول من هذا المقال فلنستحضره ثانية هنا. لقد حاول الغزالي في كتابه “تهافت الفلاسفة” الدفاع عن دعوى المتكلمين القائلة بـ”حدوث العالم” ضدا على رأي الفلاسفة القائلين بقدمه، فقال: إنه إذا كان الفلاسفة يقولون ليس وراء العالم شيء آخر من طبيعة مكانية كالخلاء (وأرسطو ينفي وجود الخلاء)، فلماذا لا يقبلون القول بأن ليس وراء العالم شيء آخر من طبيعة زمانية، وبالتالي لا يكون هناك قبل وجود العالم زمان. ويقول ابن رشد الذي أورد نص الغزلي في هذا الشأن : وإذا سلم له الفلاسفة ذلك سقطت حجتهم على قدم العالم، وهي القائلة إن القول بحدوث العالم معناه: أن الله اختار إيجاده في وقت كان قبله أوقات، الشيء الذي يتطلب القول بمرجح جعل الله يخلق العالم في وقت معين دون غيره من الأوقات، وهذا يتناقض مع صفات الله من حيث إن فعله لا يخضع للسببية ولا للترجيح! ويرد ابن رشد على الغزالي الذي لم يخف زهوه بهذا الاعتراض قائلا: إن اعتراض الغزالي على الفلاسفة يقوم على آلية في الإبدال من الإبدالات السفسطائية، وهي هنا: الحكم للزمان بما يحكم به للمكان! ذلك لأنه إذا كنا نتصور جزء المستقيم في الهندسة (أي في المكان) على أنه محصور بنقطة في طرفه، فليس يمكن ذلك في الزمان. فـ ” لا يمكن تصور زمان له طرف ليس هو نهاية لزمان آخر”، لأن جزء الزمان الذي نحس به والمسمى بـ “الآن” هو بالتعريف “الشيء الذي هو نهاية للماضي وبداية للمستقبل، لأن “الآن” هو الحاضر، والحاضر هو وسط، ضرورةً، بين الماضي والمستقبل، وتصور حاضر ليس قبله ماض محال. وليس الأمر كذلك في النقطة (التي هي جزء المكان)، لأن النقطة نهاية الخط وتوجد معه، لأن الخط ساكن. فيمكن أن نتوهم نقطة هي مبدأ لخط، وليست نهاية لآخر. أما “الآن” فليس يمكن أن يوجد لا مع الزمن الماضي ولا مع المستقبل، فهو، ضرورة، بعد الماضي وقبل المستقبل. وما لا يمكن فيه أن يكون قائما بذاته، فليس يمكن أن يوجد قبل وجود المستقبل من غير أن يكون نهاية لزمان ماض (…)، فالذي يجوِّز وجود آن ليس بحاضر، أو حاضرا ليس قبله ماض، فهو يرفع (=يلغي) الزمان والآن بوضعه آنا بهذه الصفة، ثم يضع له زمانا ليس له مبدأ. فهذا الوضع يبطل نفسه”[5].

وأنا أعتقد أن وضع “تحرير المستقبل من الماضي والماضي من المستقبل” بدون استحضار الحاضر، هو أيضا “وضع يبطل نفسه”، ليس فقط لأن استبعاد الحاضر معناه رفع للزمان والحكم له بما يحكم به للمكان، بل أيضا لأن عملية التحرير نفسها لا يمكن أن تتم إلا في زمان، ليس هو الماضي ولا المستقبل، زمان لا اسم له إلا “الحاضر”. فإذا نحن تصورنا هذا الحاضر كامتداد مكاني أمكن حينئذ أن نحدد فيه نقطتين تحدد الواحدة منها “ما قبل” والأخرى “ما بعد”. ولكن الماضي ليس من نوع القبلية المكانية ولا المستقبل من نوع البعدية المكانية. ومن يضع الأمور هذا الوضع فهو يرفع الزمان كما يقول ابن رشد.

وإذا كان ذلك كذلك، فالقضية التي يجب التركيز عليها هي الحاضر. وهنا لابد من التمييز بين حاضر وحاضر. ذلك أن شعوب العالم اليوم لا تعيش حاضرا واحدا. إن حاضر الدول المصنعة، سواء كانت في القارة الأوروبية أو في القارة الأمريكية أو في آسيا، حاضر “محرر” من الماضي إلى درجة كبيرة. وبعبارة أخرى لم يعد الماضي ينافس هناك الحاضر، لا على صعيد الوعي ولا على صعيد الواقع الاقتصادي الاجتماعي السياسي. نعم هناك “بقايا” من “الماضي” تعبر عن نفسها من حين لآخر بهذا الشكل أو ذاك، ولكن ذلك لا يشكل في أقوى الحالات سوى الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. أما في البلدان التي كان يجمعها اسم “العالم الثالث”، والتي تصنف اليوم ضمن مقولة الجنوب، فالأمر فيها يختلف باختلاف درجة التحديث فيها ونوع تجاربها، وأيضا نوع علاقتها بثقافتها.

وإذا نحن أردنا أن نستنتج نتيجة أولية من هذا التصنيف فسيكون في الإمكان القول إن تحرير الحاضر والمستقبل من الماضي، في البلدان التي ما زلت تعاني من منافسة الماضي فيها للحاضر، عملية لابد لها أن تتم عبر التصنيع. وهذا صحيح، خصوصا إذا نحن تبينا ذلك التمييز الذي يقام عادة بين ثقافة المجتمع الزراعي الماضوية وثقافة المجتمع الرأسمالي المستقبلية. غير أن هذه النتيجة الأولية يجب أن تبقى أولية، فهي قائمة على التعميم والتبسيط. ذلك أنه يمكن التشكيك فيها بالقول – من وجهة النظر الويبرية([6])– إن التصنيع يحتاج إلى ثقافة جديدة متحررة من هيمنة فكر الماضي، وبالتالي فالتجديد الثقافي ضروري لغرس العقلانية في جسم المجتمع، الشيء الذي يعتبر شرطا لقيام مجتمع صناعي.

نحن نعي تماما زيف المشاكل التي تطرح في صيغة أيهما أسبق: الدجاجة أم البيضة؟ فالبيضة لا تتحول إلى دجاجة من تلقاء نفسها، بل لا بد من ظروف معينة للتفريخ. ومن هنا يمكن القول إن التجديد الثقافي –سوءا جعلناه سببا أو نتيجة- يحتاج إلى عملية من نوع “التفريخ”: تفريخ البيضة، من داخلها طبعا، بتدخل ظروف خارجية ملائمة. ذلك هو مضمون الأطروحة التي ندافع عنها منذ ما يزيد عن عقدين من الزمن، أعني أطروحة “التجديد من الداخل”، فيما يخص الثقافة العربية.

إن “تحرير الحاضر وبالتالي المستقبل من الماضي” عبارة ستكون فارغة من المعنى إذا لم يفهم منها تحرير ثقافة الحاضر والمستقبل من ثقافة الماضي، ذلك أن الهيمنة التي يمارسها الماضي على الحاضر هي، أساسا، هيمنة تتم على صعيد الوعي. أما على صعيد الواقع فالمحراث الخشبي يختفي بمجرد حضور المحراث العصري، شريطة أن يكون هناك ما يكفي من المهارة لاستعماله، وهذه المهارة هي مسألة ثقافية أيضا. ومن المؤسف حقا –إذا جاز التأسف في هذا المجال- أن لا يكون التجديد الثقافي بمثل سهولة إحلال المحراث الصناعي محل المحراث الخشبي! إن التجديد الثقافي يتطلب عملية من نوع تحويل المحراث الخشبي نفسه ومن داخله إلى محراث عصري. وواضح أن العملية تبدو مستحيلة إذا نحن فهمنا من المحراث العصري المحراث المصنوع من الحديد، أعني “المحراث الأوروبي المعاصر”، فالخشب لا يمكن تحويله إلى حديد! وليس من المعقول المرور بنفس المراحل التي مر بها تطور المحراث من محراث القرون الوسطى إلى المحراث العصري الذي تجاوز الصناعي التقليدي إلى الإلكتروني؟

لا جدال في أنه عندما يتعلق الأمر بالتحديث الصناعي فالمطلوب هو الارتباط بالصناعة في مرحلتها الأخيرة من التطور، تماما مثلما تدرس العلوم (الرياضيات والفيزياء والطب الخ) في مدارسنا وجامعاتنا اليوم كما هي في آخر مرحلة من التقدم وصلتها؛ وسيكون من العبث تدريسها كما كانت في الماضي، القريب أو البعيد، أولا، ثم كما كانت بعد ذلك ! كلا. إن ماضي العلم، كما يقول باشلار، هو أخطاء العلم. وكذلك الشأن في الصناعة، وهي ليست شيئا آخر غير تطبيق العلم.

لكن الأمر ليس على هذه الشكل بالنسبة لما عدا العلم من شؤون الثقافة والفكر! وأكثر من ذلك يجب أن نعترف أن التقدم في مجال العلم لا يلزم عنه ضرورة تقدم مماثل في “ما عدا العلم من شؤون الفكر والثقافة”. فكم من علماء كبار في الرياضيات أو الفيزياء أو البيولوجيا أو الطب يمتلكون وعيا يهيمن فيه الماضي على الحاضر هيمنة مطلقة. ومن هنا قناعتنا بأن الحل الوضعي positiviste حل فاشل. إن المطلوب هو الحل العقلاني الذي يرتكز لا على العقلانية الأداتية rationalisme instrumentale بل على العقلانية الموضوعية المعيارية rationalisme objectif , normatif. ذلك لأن المطلوب هو إحداث تغيير جوهري في طريقة التفكير والنظر إلى الأشياء، وهذا لا يتم بدون نقد ابيستيمولوجي ومعياري في نفس الوقت.

إن تحرير الحاضر، وبالتالي المستقبل، من الماضي لا يتم بمجرد الدعوة إلى الإلقاء بالماضي في “سلة المهملات”. ذلك لأن الماضي الذي تدعو الحاجة إلى التحرر منه هو بالذات هذه “السلة من المهملات”! الماضي –والمقصود ثقافة الماضي- ليست بضاعة في صناديق، بل هي مجموعة من المفاهيم والتصورات تحضر في الوعي الحاضر بألف شكل. والغالب أنها لا تحضر فيه بنفس الشكل الذي كانت عليه في وعي أولئك الذين أنتجوها واستهلكوها كثقافة لحاضرهم. لنأخذ مثالا من الثقافة العربية. إن سيرة النبي محمد كما كتبها ابن هشام، نقلا وتلخيصا عن ابن إسحق الذي توفي حوالي سنة 150 هجرية، هي عبارة عن نص تاريخي يحكي وقائع تاريخية بلغة تتوخى الدقة وتتجنب التفخيم والتقديس. غير أن “السيرة النبوية” كما أعيدت كتابتها مرارا، نثرا ونظما، كانت تبتعد عن الخطاب التاريخي الوضعي –أو القريب من الوضعي- الذي كتبت به أول مرة لتتحول إلى نوع آخر من الخطاب يتضخم جانب اللاتاريخي فيه مع تقدم الزمن. والشي نفسه حصل مع “الحديث النبوي” الذي كان قليلا زمن النبي، ولكنه أخذ في التضخم بـ”الوضع” مع مرور الزمن، حتى أصبح يعد بمئات الآلاف. ومع أن كثيرا من الأئمة في الإسلام لا يقطعون إلا بصحة عدد محدود من الأحاديث لا يتجاوز بضع عشرات، فإن ما وظف “الحديث” ويوظف في الخطاب الديني المؤدلج –سواء على طريقة الخوارج الذي يمكن التعرف عليهم من خلال “الطالبان” في أفغانستان اليوم، أو على طريقة “معاوية” الذي يمكن التعريف به هو الآخر بالمقارنة مع كثير من الحكام في العالم العربي اليوم- هو أكثر من أن يحصى، وهو في جملته من قبيل “الموضوع”، كليا أو جزئيا. وليست هذه الظاهرة مقصورة على الإسلام، بل لقد عرفتها اليهودية من خلال التلموذ، إن لم يكن من خلال التوراة أيضا. كما عرفتها المسيحية كذلك. وإذا كانت المسيحية لم تؤثر في التراث الإسلامي كبير تأثير، فلقد كان لما عرف في الإسلام بـ “الإسرائيليات” دور كبير ورئيسي ليس فقط في تضخيم الحديث، بل أيضا في تفسيرالقرآن.

ولكي نعطي لمفهوم “التجديد من الداخل” معنى مشخصا في هذا المجال، مجال الفكر الديني، يمكن القول إنه لو تم استبعاد جميع الأحاديث التي لا تتعلق بالعبادات والتي لا سند لها في القرآن وليست من المتواتر([7])، واستبعدنا كذلك جميع التأويلات لشؤون العقيدة، التي يرجع أصلها إلى “مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين”([8]) بما في ذلك تأويلات الأشعري نفسه -مؤلف كتاب بهذا الاسم- وغيره ممن ينتمون إلى فرقته، لتَحَرَّر هذا المجال من تسعين بالمائة مما نسميه هنا بـ “الماضي”.

ومن المفيد هنا استحضار ابن رشد مرة أخرى. فلم يكن مشروع هذا المفكر الكبير محصورا في شرح كتب أرسطو وتقريبها من أفهام الناس، بل لقد عمد أيضا إلى ما عبر عنه هو نفسه بـ “تصحيح عقائد شريعتنا مما داخلها من التغيير”([9]). يقصد بذلك تأويلات المتكلمين الذين قال عنهم إنهم “أوقعوا الناس من قِبَل ذلك (=التأويل) في شنآن وتباغض وحروب، ومزقوا الشرع، وفرقوا الناس كل التفريق”([10]). وذلك لأنها تأويلات “ابتعدت عن مقصد الشرع عن الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها”([11]). إن العقائد التي “قصد الشرع حمل الناس عليها”، إذا أخذت كما هي في ظاهر النصوص وحسب مقصد الشارع فقط، أي بعيدا عن التوظيف الإيديولوجي المباشر وغير المباشر، هي عقائد بسيطة ليس فيها تطرف و لا تشعب و لا تعقيد، هدفها غرس الفضيلة في النفوس. ومن هنا كانت لا تتعارض مع النظر العقلي ولا مع المعرفة الصحيحة التي يمكن اكتسابها بالعقل، سواء من طرف “المشاركين لنا في الملة أو المخالفين”. كما يقول ابن رشد([12]).

هذا النوع من الرجوع إلى “الأصول” لبناء تراث جديد يخلف القديم ويتجاوزه هو ما نقصده بـ”التجديد من الداخل”. وغني عن البيان القول إن القيام بهذه المهمة تتطلب نوعا من “الرشدية” جديدا: كان ابن رشد واسع الاطلاع على الثقافتين: العربية الإسلامية واليونانية الفلسفية التي كانت تمثل “الحداثة” في ذلك الوقت. لقد كان يتكلم داخل كل منهما من موقع “المفتي”، مسلحا بروح نقدية نادرة المثال. إن الجمع بين الثقافتين على الطريقة الرشدية ضروري لعملية التجديد من الداخل: وكما ذكرنا قبل فالبيضة لا تتحول إلى دجاجة من تلقاء نفسها، بل لابد لها من ظروف مواتية تقع خارجها. وواضح أن هذه “الظروف المواتية” لا تصنع دجاجة بمفردها بل لا بد من البيضة أولا.

تحرير الحاضر والمستقبل من الماضي عملية يجب أن تبدأ بالمصالحة مع هذا الماضي، باستيعابه والعمل من ثم على تحريك عوامل التجديد فيه وبالتالي إعادة بنائه. إن “الماضي” -ولنقل “التراث” فهو المقصود أساسا- ليس هوية جاهزة دوما ومثبَّتَة نهائيا. كلا. إنها هوية تصير مثلها مثل الحاضر. كل عصر وكل فريق يقرأ الماضي حسب حاجته. فإذا عجز أصحاب عصر ما عن قراءة ماضيهم حسب حاجتهم فالعيب ليس في الماضي بل فيهم هم، و غالبا ما يكون هذا العيب هو أنهم لا يعرفون ماضيهم فلا يتبـيَّـنون فيه حاجتهم. وحتى لو كانت هذه الحاجة هي التخلص منه فلا بد من معرفته، فالتخلص من الشيء لا يكون بالجهل به ولا بتجاهله. وقديما قيل لمن منع الفلسفة: تعلم الفلسفة واجب. وحتى إذا كنت ترى العكس فيجب أن تتعلمها لتعرف لماذا تمنعها.

(***)

لقد تحدثنا عن “تحرير الحاضر والمستقبل من الماضي” بالنسبة للثقافة العربية. أما الثقافة الأوروبية فهي لم تعد في حاجة إلى هذا النوع من “التحرير”، لأنها قد قامت به بالفعل وعلى الطريقة نفسها، أعني التي ذكرنا. وكما شرحنا ذلك في مكان آخر([13]) فلقد بدأت عملية “التحرير” هذه فيها مع القرن الثاني عشر الميلادي في صورة إحياء الآداب الرومانية والإغريقية، وما أعقب ذلك من قيام “النزعة الإنسانية” Humanisme والثورة على كنيسة القرون الوسطى وقيام حركة الإصلاح الديني وغير ذلك من مظاهر حركة النهضة، مما كانت نتيجته أن تفككت بنيات نظام القرون الوسطى فانفتح الباب أمام انبثاق فكر جديد، وعاد “مركز السلطة الفكرية إلى تجربة الفرد وعقله”. ومن هنا أصبح الإنسان الأوروبي ينظر إلى “المستقبل” على أنه شيء في يد الإنسان، على أنه في هذا العالم لا في عالم آخر، كما صار ينظر إلى “التقدم” على أنه ما سيأتي وليس “ما تقدم”، على أنه حركة متنامية انطلقت من “الماضي” السحيق متجهة بدون كلل ولا انقطاع إلى المستقبل. ومن هنا فلسفات التاريخ التي تحدثنا عنها قبل، والتي اتجهت إلى إعادة بناء تاريخ البشرية بالصورة التي تجعل التقدم الحاصل في الحاضر نتيجة لحركة التاريخ في الماضي ومقدمة لما سيحصل في المستقبل. وفي هذا السياق نفسه وكامتداد له يجب وضع النداءات التي تتردد أصداؤها اليوم من قبيل الدعوة إلى “تحرير المستقبل من الماضي وتحرير الماضي من المستقبل”. وإذا كانت الحاجة تدعو فعلا إلى هذا النوع من التحرير، في كل مكان من عالم اليوم، فيجب أن لا تؤخذ هده الدعوة في صورتها المطلقة، بل لابد من التفكير فيها على ضوء المرحلة من التطور التي يوجد فيها هذا البلد أو ذاك. وذلك ما حاولنا فعله في الصفحات الماضية.

(***)

كان الحديث يدور لحد الآن حول الشق الأول من عنوان موضوعنا:”تحرير المستقبل من الماضي”. ويبقى علينا أن نقول كلمة عن الشق الثاني:”تحرير الماضي من المستقبل”. وفي اعتقادي أن هذا الشق الأخير من السؤال لا يمكن إعطاؤه معنى ملموسا يحرره من أسار اللغة وسحرها إلا في إطار الفهم الذي عرضناه بالنسبة للشق الأول: أعني بذلك ما قررناه من أن تحرير “المستقبل” من “الماضي” إنما يتم عبر إعادة بناء الماضي لا عبر إلغائه. وهنا يدخل الشق الثاني (“تحرير الماضي من المستقبل”) كاحتياط منهجي بل كشرط في عملية البناء. إن ذلك يعني أنه يجب تجنب قراءة طموحاتنا أو مخاوفنا المستقبلية في الماضي، أعني إسقاطها عليه و من ثم “اكتشافها” فيه.

ليس ثمة من شك في أن الرجوع إلى الماضي إنما يكون حصرا بدافع من الحاضر. فالماضي لا يكتب ولا تعاد كتابته باستمرار إلا تحت ضغط حاجة الحاضر. هذا شيء لابد من الاعتراف به، إذ ليس في الإمكان كتابة “تاريخ وضعي”، حتى ولو كانت هذه “الكتابة” مقتصرة على جمع الوثائق وترتيبها. إن جمع الوثائق عملية تقوم على الاختيار، وترتيبها عبارة عن تقديم وتأخير وإبراز وحذف. وهذه أمور تتم دوما تحت ضغط الحاضر والقيم السائدة فيه، العلمية منها والأخلاقية والإيديولوجية. ومع ذلك فهناك فرق كبير بين التاريخ “العلمي”، الذي يكتب من أجل المعرفة والفهم فقط، فهم الماضي كما كان لا غير، أو من أجل إضفاء نوع من المعقولية على أحداثه ومساره، بهدف الاستعانة به في فهم الحاضر، من جهة، وبين التوظيف الإيديولوجي للماضي من جهة أخرى.

والتوظيف الإيديولوجي للتاريخ يتخذ في الوقت الراهن أشكالا شتى. فما يسمى اليوم بــ”الجماعات الأصولية”، التي تنتسب إلى ديانات مختلفة وأعراق متباينة تتخذ من الماضي ملجأ تضفي عليه كل رغبات الحاضر وآمال المستقبل. وقد كان هناك من “المنظرين” للنهضة والتقدم في العالم العربي من أسقط “المستقبل المأمول” على التاريخ العربي الذي حُمِّل من صنوف التقدم الفكري والحضاري العام، ما لا يحتمل. وواضح أن هذا النمط من الإسقاط لأحلام المستقبل على “حقائق” الماضي لا ينفع إلا في تزييف الوعي، وهو شيء مضر أشد الضرر بالقضية التي يريد خدمتها.

لكن، هناك ما هو أخطر من هذا لكون ضرره لا يقتصر على صاحبه، بل يطال الغير أيضا، بل ويهدد مستقبل الإنسانية جمعاء. نعني بذلك الهواجس التي نشرت باسم “البحث العلمي” و”الدراسات الاستراتيجية” والتي روجت لها وسائل الإعلام إلى الدرجة التي جعلت منها “قضية العصر”. وهكذا، فبمجرد ما تأكد سقوط الاتحاد السوفيتي ارتفعت أصوات في الولايات المتحدة خاصة تبحث عن “عدو الغد” فوجدوه بسهولة في “الإسلام”. وهكذا قام هنتنغتون Huntington  ينظِّرُ لما دعاه بـ “صدام الحضارات”. ولكي يبرر ادعاءه بأن “عدو الغد” للحضارة الغربية سيكون هو “الإسلام” –إلى جانب الكنفوشية- طلع علينا هذا الرجل بمفاهيم غريبة مثل”دينامية الحروب الحضارية” و “الدم في الحدود الإسلامية” الخ. ثم راح يقرأ تاريخ الإسلام على أنه تاريخ الصدام مع “الغرب”، وذلك إلى درجة أنه لم يتردد في وصف الحدود التاريخية بين الإسلام ودول أوروبا بأنها “حدود دموية”([14]). إن مثل هذه القراءة للماضي إنما تجد تبريرها في الخوف من فقدان المصالح والهيمنة في المستقبل، سواء كان هذا الخوف حقيقيا، أم كان مصطنعا بهدف تمرير مصالح معينة في الحاضر. وكما هو واضح فإن هذا النوع من رهن الماضي للمستقبل لا يقتصر ضرره على صاحبه بل هو يزرع الخوف من المستقبل ويدفع إلى الصدام في الحاضر.

(***)

لقد ركزنا في هذا التحليل على الجانب التاريخي في الإشكالية (problématique ) المطروحة، وبما أنها إشكالية محورها الأساسي، إن لم نقل الوحيد، هو “التقدم”، فلقد كان لابد من استحضار كل من كانط وهردر. فهذان الفيلسوفان هما أول من طرح فكرة التقدم في التاريخ الحديث فأسسا بذلك فلسفة التاريخ.

وبمناسبة الاحتفال هذه السنة بمرور ثمانية قرون على وفاة ابن رشد فقد رأينا من المناسب استحضاره هو كذلك، خصوصا وقد ورد اسمه في المساجلة التي جرت بين كانط وهردر حول الأساس الذي يجب أن يقوم عليه رصد التقدم على مدى تاريخ الإنسانية. ومن المقارنة بين المفكر الألماني والمفكر العربي طرحنا علاقة كل منها بمرجعيته، فأبرزنا كيف أن ابن رشد لم يكن في إمكانه، تاريخيا، تدشين قطيعة مع جمهورية أفلاطون، التي إنما عمد إلى “اختصار”ـها لعدم توفره على كتاب “السياسة” أرسطو. فقلد كان يعتبر أرسطو “المجدد والمتمم” للفلسفة، وبالتالي كان كل طموحه قراءة “سياسة” أفلاطون بواسطة أرسطو. لقد كان التقدم يتمثل عنده في الارتفاع بجدل أفلاطون إلى “برهان” أرسطو من جهة، والرجوع بـ”الأفلاطونية الحديثة” (الإسكندر الإفروديسي، وثامسطيوس، والفارابي وابن سينا) إلى أرسطو. وبما أن البنيات الاقتصادية والعلمية لم تكن قد عرفت في عصره أي تغيير يسمح بانبثاق فكرة “التقدم”، لا في ذهن الفيلسوف ولا في أفق المصلح الديني، فقد بقي “رجوعه إلى الأصول” سواء في الفلسفة أو في الدين، مقيدا بالنموذج الذي يمثل “التقدم” في الماضي: أرسطو من جهة، وعصر صحابة النبي من جهة أخرى. أما “التقدم” الذي يتجاوز أرسطو، والذي لم يكن ابن رشد يستبعده، فقد كان يبدو له في أفق بعيد، يحتاج إلى مئات السنين. ذلك ما عبر عنه بصدد إمكانية حصول “التقدم” في علم الفلك والطب، إذ لاحظ أنه لابد من أن يمر زمان طويل قبل أن يضيف المتأخر شيئا ذا بال إلى ما قرره الأقدمون في هذين العالمين. (يمكن أن نفسر ذلك بغياب الملاحظة المجهزة بالآلات الدقيقة).

أما كانط فقد أمكنه أن يرى “التقدم” يسير أمامه على رجليه، مسرعا الخطى، بفضل ما تحقق في أوروبا آنذاك من تقدم هائل على صعيد العلم وتطبيقاته.(خاصة علم نيوتن الذي كان الأساس الذي أرسى عليه كانط فلسفته). ليس هذا وحسب، بل إن التقدم السياسي الاجتماعي كان مشهدا يمشي على رجليه في فرنسا عصر الأنوار والثورة، تماما كما أن التقدم الصناعي كان يسابق نفسه في إنجلترا. لقد كانت أوروبا آنذاك تعيش “التقدم” في مختلف مكونات حاضرها وعلى مستوى آفاق مستقبلها. كانت ألمانيا آنذاك في مؤخر القافلة وكان فلاسفتها أكثر وعيا لحقيقة التغيير الذي كان يحصل لدى جيرانها في فرنسا وإنجلترا فرأوا فيه “التقدم” بعينه، فعاشوا على صعيد الحلم ما كان يعيشه هذان البلدان على صعيد الواقع، حسب تعبير ماركس. لقد عاشوا “التقدم” على صعيد الوعي الحالم. ولما لم يتبينوه في حاضر بلدهم بحثوا عنه في تاريخ أوربا ككل، لا بل في التاريخ العام كله الذي أصبح منذئذ خاضعا للمركزية الأوروبية.

ولعل القارئ يتساءل: لماذا هذا الاهتمام بألمانيا، وما الذي يجعلها تحضر بالبال عند كاتب عربي؟

الواقع أن النموذج الألماني قد فرض نفسه على الفكر العربي الحديث والمعاصر كمرآة يقرأ فيها المنظِّرُ العربي واقع العرب وطموحهم. كانت ألمانيا مجزأة فصاغت لنفسها نظرية في الوحدة القومية فحققت هذه الوحدة. وحلمت بـ”التقدم” الذي كان يجري بجوارها فلحقت الركب وحققت في بلدها التقدم نفسه وبخطى أعمق وأسرع.

والعالم العربي الذي استيقظ على مدافع نابليون في حملته على مصر، والذي قطف من الوعود التي تلقاها خلال الحرب العالمية الأولى خيبة مريرة، إذ لم يجن من التحالف فيها مع إنجلترا وفرنسا سوى تمزيقه إلى كيانات مصطنعة، في معظمها، ترزح تحت الهيمنة الاستعمارية، إن العالم العربي الذي وعى مفكروه وعيا عميقا هذه الوضعية “المأساوية” وجد عزاءه، على صعيد الحلم الإيديولوجي، في التجربة الألمانية. وهكذا صيغت “نظرية الوحدة العربية” على الأسس نفسها التي صيغت بها نظرية الوحدة في ألمانيا، وصار التقدم الذي حققته ألمانيا محركا للأمل في تحقيق تقدم مماثل. وقد تعزز هذا الأمل بنوع من القراءة للتاريخ شبيه بذلك الذي قام به كانط وهردر، مع مبالغة في إسقاط حلم المستقبل على وقائع الماضي ليخرج الفكر العربي من ذلك بشعار: “ما تحقق في الماضي يمكن تحقيقه في المستقبل”([15]).

لماذا لم ينجح العرب طوال المائة سنة الماضية في تحقيق حلمهم النهضوي ذاك؟ إنه مهما يكن من أهمية العوامل الداخلية فإن المرء لا يملك إلا أن يلاحظ أن النهضة العربية التي تجسدت في تجربة محمد علي في مصر، في العقود الأولى من القرن الماضي، لم تجهض من الداخل، بل إنما قُضي عليها بمدافع الاستعمار الإنجليزي. أما محاولة الشريف حسين والقوى الوطنية السورية تحقيق وحدة المشرق العربي في دولة واحدة، في مستهل هذا القرن، فقد قضت عليها عملية تقسيم غنائم الحرب العالمية الأولى بين إنجلترا وفرنسا. كما وأن التحالف الاستعماري بين فرنسا وإسبانيا قد قضى على الحركة الدستورية في المغرب في المهد، أوائل هذا القرن، كما قضى على الأمل الذي جسدته ثورة ابن عبد الكريم في التحرر من الاستعمار وبناء دولة حديثة. ومن الممكن النظر إلى تجربة جمال عبد الناصر من هذا المنظور نفسه: إن العدوان الثلاثي عام 1956 كان إنذارا “تاريخيا” توالت بعده إنذارات مماثلة، تنبه العرب، بواسطة أكثر الأسلحة العسكرية تطورا، إلى أن الوحدة والتقدم أمران يتناقضان مع مصالح “الدول الكبرى”، وأن هذه الأخيرة لن تترد في استعمال جميع الوسائل الخ.

هنا تنفصل التجربة العربية في مضمار السعي نحو “الوحدة والتقدم” عن التجربة الألمانية. إن دور العوامل الخارجية مختلف تماما هناك عنه هنا. لقد حققت ألمانيا حلمها فتم بذلك فيها “تحرير المستقبل من الماضي والماضي من المستقبل”. أما في العالم العربي فقد بقيت قضية “الوحدة والتقدم فيه” هدفا دائما لمدافع وصواريخ الغرب الاستعماري. ولما قَمَعت الأطماع الاستعمارية والمصالح الإمبريالية محاولات القوى الوطنية العربية التي كانت تقودها البورجوازية الناشئة، قبل منتصف الخمسينات (محولاتها في تحقيق التقدم والوحدة)، جاء رد الفعل من شباب الطبقة الوسطى والفقيرة في الجيش فكان حكم العسكر الوطني. ولما ضرب هذا البديل من طرف القوى الاستعمارية أيضا جاء رد الفعل في صورة “صحوة إسلامية”. فليس غريبا إذن أن يهرب بعض الناس إلى الماضي، الوطني منه والديني، يقرؤون فيه مستقبلهم، ثم يعيدون صنع هذا المستقبل في وعيهم بالصورة التي تمكنهم من مواصلة الحلم.

(***)

هل سيتغير الوضع في عصر ما يدعى الآن بـ “العولمة”؟

العولمة Globalisationتعني جعل الشيء على مستوى عالمي، أي نقله من المحدود المراقب إلى اللامحدود الذي ينأى عن كل مراقبة. والمحدود هنا هو أساسا الدولة الوطنية التي تتميز بحدود جغرافية وبمراقبة صارمة على مستوى تبادل البضائع مع الخارج، إضافة إلى حماية ما بداخلها من أي خطر أو تدخل أجنبي سواء تعلق الأمر بالاقتصاد أو بالسياسة أو بالثقافة. أما اللامحدود فالمقصود به العالم: الكرة الأرضية. وإذا نحن أخذنا بهذا التحديد لـ “العولمة” فإنه سيكون بالإمكان أن نستنتج أن الإشكالية التي شغلتنا طوال الصفحات الماضية تجد حلها -النظري- السريع والتلقائي في نظام العولمة هذا! ذلك أن إلغاء الدولة الوطنية (والثقافة الوطنية عنصر مركزي فيها) هو الطريق الملكية لتحرير الماضي من المستقبل، وتحرير المستقبل من الماضي.

لقد أظهرت الصفحات الماضية بما فيه الكفاية كيف أن الهاجس الوطني، هاجس “الوحدة والتقدم”، هو الذي يدفع الشعوب إلى إعادة بناء الماضي على صعيد الوعي بصورة تجعل تحقيق حلم المستقبل يأتي نتيجة طبيعية لـ”الصيرورة التاريخية”، لـ”منطق التاريخ”!

ولكن هل يمكن الوصول يوما إلى عولمة بهذا المعنى، أي إلى عالم يخلو من الشأن الوطني الذي يتحدد أساسا بالجغرافية والتاريخ والثقافة؟ أما أن تكون وسائل المواصلات والاتصال المعاصرة قد قلصت البعد الجغرافي، بعدَ المسافة، إلى نقطة تتجه نحو الصفر، فهذا ما نراه رأي العين! وأما أن يؤدي إلغاء الجغرافيا إلى التقليل من شأن التاريخ، فهذا ما يبدو منطقيا: فالتاريخ بدون جغرافيا لا يهم الوطنية في شيء، وإذا كف التاريخ عن أن يكون قوميا صار أركيولوجيا وانثروبولوجيا، لا غير! أما الثقافة فواضح أنها إذا تحررت من البعد الوطني فستكون بحق ثقافة سيبرانية CYBERCULTURE ([16])، (الفضاء الاعتباري!)

هل يتعلق الأمر بمجرد افتراضات! قد يكون. ولكن ما يجعل من هذه الافتراضات إحدى ممكنات المستقبل هو أنها اليوم موضوع حلم يختلف عن جميع الأحلام الإنسانية السابقة. لنستمع إلى هذا النموذج:

يقول كاتب معاصر: “هناك نوع آخر من الحالمين. يتعلق الأمر بأولئك الذي يصدرون عن رؤية ليبرالية للمجتمع السيبرنيتي الذي لا يأخذ في حسبانه إلا ” الموانيت”  netoyens »، مواطني “النيت”  net ، أي شبكة الأنترنيت، هؤلاء الذين يجهلون علامات التعريف التقليدية التي هي الانتماء القومي والانتماء الإثني والدين والجنس والتجذر الجغرافي، والذين هم، بالخصوص، قادرين على الجمع بين أدوات الإقناع الأكثر تنوعا والأكثر شؤما، وضررا وغرابة، والمنتشرة في كل مكان. لقد نشر السيد جون بري بارلو M. John Perry Barlow عالِمُ المستقبليات المشهور وأحد المؤسسين لمؤسسة الحدود الإلكترونية لدافو Davos (…) بيانا سماه “بيان استقلال الفضاء السيبرنيتي”،يقول في مستهله : “يا حكومات العالم المصنع، أيها العمالقة المُتْعَبُون المصنوعون من اللحم والفولاذ، لقد جئتم من الفضاء السيبرنيتي،المأوى الجديد للفكر (…). نحن لا نرحب بكم عندنا. لستم أسيادا في هذا الفضاء الذي نجتمع فيه (…) إن مفاهيمكم القانونية عن المِلكية، والتعبير، والهوية، والحركة والسياق لا تنطبق علينا. إنها مؤسسة على المادة. ولا مادة هاهنا”. نحن بصدد “إنشاء حضارة للروح في الفضاء السيبرنيتي” ستكون:”أكثر إنسانية وأكثر عدلا من العالم الذي شيدته من قبلُ حكوماتُكم”. وفي هذا المنظور، من البديهي أن الدولة لن تعود مصدرا للسلطة ولا لشرعيتها، ولا للهوية”([17]).

هل يتعلق الأمر بنبوءة علمية أم بمجرد أَضغاث أحلام؟

لنقل إنه نوع من “الخيال العلمي” الذي يتحدث عن مستقبل غير منظور. وواضح أنه لابد قبل الوصول إليه من المرور عبر المستقبل المنظور. والمستقبل المنظور يبدأ من الحاضر. والحاضر، حاضرنا الراهن، يقدم كل يوم ألف دليل على أن “العولمة” محكومة، اليوم على الأقل، بمنطق الهيمنة التي تمارسها وتطمح لممارستها على الكرة الأرضية كلها “الدولة الكبرى” في عالم اليوم. وما دام الأمر كذلك، فإن رد الفعل لن يكون شيئا آخر غير التشبث بالجغرافيا والتاريخ، أعني: التمسك بالدولة الوطنية والدفاع عنها. وليس هناك من سلاح للدفاع عن الدولة الوطنية غير الثقافة والتاريخ، وبالتالي “الماضي” الذي يوظف في تدعيم الحاضر. أما ما نشاهده اليوم من “عودة” الديني و الإثني فهو رد فعل مؤقت. وليس من الممكن أن تتحقق “العولمة” من خلال هذين المظهرين. إن الدولة الوطنية الحديثة هي إحدى نتائج الثورة الصناعية في القرنين الماضيين؛ وبما أن العالم يدخل الآن – أو هو داخل فعلا-في عصر تكنولوجي جديد تماما، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن إعادة بناء الدولة الوطنية في عصر الثورة العلمية المعلوماتية informqtiaue؟ هذا سؤال حقيقي في نظرنا، وذلك لسبب بسيط وهو أن الدولة الداعية إلى “العولمة” تتصرف بمنطق الدولة القومية الساعية إلى الهيمنة! فكيف يمكن أن يتصور المرء استجابة حقيقة لهذه الدعوة غير تلك التي تنطلق من منطق الدولة القومية؟

إن حلم كانط بقيام دولة عالمية واحدة أو جمعية دول يتحقق بها السلام على الأرض، مثله مثل حلم ابن رشد بإمكانية قيام مدينة فاضلة “في زماننا هذا وملتنا هذه”، حلم نبيل بدون شك. ويجب أن يبقى مطمحا للبشرية، وموضوعا للتربية في المستقبل. ومع ذلك، ولكي لا تكون خيبة الأمل من عدم تحقق هذا الحلم في المستقبل المنظور، مريرة قاسية، ينبغي العمل على حل مشاكل الحاضر. إن العالم تقترب أجزاؤه اليوم من بعضها بعضا أكثر من أي وقت مضى. وما دام الظلم الذي يستشري فيه، السياسي منه والاجتماعي والإثني، سواء على صعيد البلد الواحد أو على صعيد العلاقات الدولية، لا يجد طريقا للتصفية والتجاوز في إطار علاقات تقوم، لا أقول على العدل وحده فهذا حلم، بل أقول على توازن للمصالح عادل، فإن آليات رد الفعل من المظلومين لن تستغني عن السكنى في ماض ممجد تسقط عليه جميع طموحات المستقبل، وبالتالي التصرف، في هذا العالم القريب بعضه من بعض، بما يمكِّن من إلحاق الأذى بـ”الآخر”، ويزرع الخوف في الحاضر والمستقبل.

إن تحرير المستقبل من الماضي والماضي من المستقبل يمكن اعتباره من شروط تعميم التقدم والأخوة والتسامح في عصرنا الحاضر. غير معطيات هذا العصر تفرض أن يكون ذلك مصحوبا بتحرير الحاضر من الظلم الاجتماعي داخل كل بلد، ومن الهيمنة ذات الطابع الإمبريالي على الصعيد العالمي.

 

 (***)

[1]– Cf. J. HABERMS, Le discours philosophique de la modernité. Trad. Christian Bouchindhomme et Rainer Rochlitz . Ed. Gallimard, Paris 1988, p.105
[2]– نظمها في القاهرة مركز دراسات الوحدة العربية الذي مقره بيروت. وذلك أيام 24-27 سبتمبر 1984
[3]– انظر نص هذا البحث في كتابنا: إشكاليات الفكر العربي المعاصر. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت. ط1 1998 ط2 1990 ص 12
[4] – محمد عابد الجابري: الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية” الطبعة الأولى. دار الطليعة. بيروت 1982. ص 190-191الطبعة الرابعة: مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت. 1992. ص 207 . هذا وقد أنجزنا مشروع “نقد العقل العربي” في ثلاثة مجلدات: الأول بعنوان: تكوين العقل العربي 1984 والثاني بعنوانبنية العقل العربي1986 والثالث بعنوانالعقل السياسي العربي” 1990، وقد صدرت كلها عن مركز دراسات الوحدة العربية. هذا ونحن نعمل الآن في الجزء الرابع وموضوعه :”العقل الأخلاق العربي”.
[5] – ابن رشد: تهافت التهافت. ضمن ساسة مؤلفات ابن رشد بتحقيق فريق بإشراف محمد عابد الجابري. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت 1998 ص 167-168
-[6]- نسبة إلى ماكس ويبر
[7]– الحديث المتواتر هو نقتله جماعة لا يصح عقلا اتفاق أفرادها على الكذب.
[8]– كتاب لأبي الحسن الأشعري عرض فيه آراء الفرق الإسلامية في مسائل العقيدة وجلها إن لم يكن كلها يكفر بعضها البعض.
[9]– ابن رشد: شرح كتاب السماء والعالم“. مخطوط مبتور بالمكتبة الوطنية بتونس رقم: 18118 . ذكره جمال الدين العلوي في النسخة التي حققها من “تلخيص السماء والعالم” لابن رشد. كلية الآداب فاس. 1984. ص 47
[10]ابن رشد . فصل المقال. طبعة جديدة بإشراف محمد عابد الجاري. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت. 1997. ص 121
[11]– ابن رشد. الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة. نفس المعطيات السابقة. ص 99
[12]– ابن رشد. فصل المقال. نفس المعطيات السابقة. ص 90
[13]– محمد عابد الجابري . إشكاليات الفكر العربي المعاصر. نفس المعطيات السابقة. ص 23
30- Samuel P. Huntington, LE CHOC DES CIVILISATIONS. Trd. Jean-Luc Fidel. Editions Odile Jacob. Paris, 1997. pp. 282, 295
[15]– من كبار المنظرين للوحدة العربية في هذا القرن: أبو خلدون ساطع الحصري، وميشل عفلق، وقد ارتبط الأول بنظرية الوحدة الألمانية صراحة، بينما ارتبط الثاني بالرومانتيكية الألمانية.
32- Cf. Pierre Levy. CYBERCULTURE. Rapport au Conseil De l’Europe. Editions Odile Jacob. Paris.1997
33- Mais il est une autre catégorie de rêveurs. Il s’agit de ceux qui ont une vision libertaire de la communauté cybernétique, qui ne prennent en considération que les «netoyens » ces citoyens du «net», du réseau Internet, qui ignorent les signes d’identification traditionnels que sont la nationalité, l’appartenance ethnique, la religion, le sexe, l’enracinement géographique, et qui, pourtant, sont capables de relier entre eux les détenteurs de convictions les plus diverses mais aussi les plus sinistres, perverses ou étranges, disséminés un peu partout. M. John Perry Barlow, éminent futurologue, cofondateur de la Fondation de la frontière électronique de Davos (…) a publié une «Déclaration d’indépendance du Cyberspace ». Elle s’ouvre par ces mots : « Gouvernements du monde industrialisé, géants fatigués faits de chair et d’acier, j’arrive du Cyberspace, la nouvelle habitation de l’esprit (…). Vous n’êtes pas les bienvenus parmi nous. Vous n’êtes pas souverains là où nous nous rassemblons. » Et de défier ouvertement tout contrôle territorial : « Vos concepts juridiques de propriété, d’expression, d’identité, de mouvement et de contexte ne s’appliquent pas à nous. Ils sont basés sur la matière. Il n’y a pas de matière ici. » M. Barlow s’engage à «créer une civilisation de l’esprit dans le Cyberspace. » Elle sera, selon lui, «plus humaine et plus juste que le monde auparavant créé par vos gouvernements ». Dans cette optique, l’Etat n’est à l’évidence en rien source de pouvoir, d’identité, d’autorité légale. ”
RICHARD FALK. Le Monde diplomatique – mai 1996 – Pages 16 et 17

الخميس 03 ماي 2018.