أتخيلك الآن في هذه اللحظة التاريخية تملأ فراغا بقلمك المتدفق على صفحات المجلات والجرائد محللا، مساجلا، ومطاردا الحدث بالتحليل والتفسير والتأطير التاريخي له، ومستشرفا الممكن والمتاح .. دون أن يكون ذلك على حساب تفرغك الاكاديمي للبحث والتأليف , لقد كنت التجسيد الحي “للمثقف المناضل ” الذي يضيء الطريق نحو المواقف التي لا تضيع معها البوصلة ,ولا الاختيار ولا المبادئ

في كل محطات مساره الفكري والنضالي، ظل الفقيد الجابري يرفع عاليا مطلب الديمقراطية باعتبارها ضرورة وجودية وتاريخية، فلا نهضة في نظره بدون الديمقراطية، إلا أن المشكلة الرئيسية في تحقيق هذه الضرورة هي كما تناولها في أكثر من مقالة كيفية الانتقال إلى الديمقراطية في تربة غير حبلى بالديمقراطية. ويعتبر فقيدنا جوابا على هذه المشكلة أن المدخل الرئيس إلى الديمقراطية هو تأسيس الوعي بها في مجتمعنا العربي، أي أهمية الثقافة الديمقراطية كرافعة للبناء السياسي والمؤسسي لها، يقول في هذا السياق: “إن أولوية الثقافي تعني في السياق الذي نتحرك فيه اليوم قيام نوع من الإجماع الفكري بين جميع التيارات السياسية والطبقات والفئات بما في ذلك الطبقة المسيرة نفسها أو قسم منها على الأقل حول قضايا وأهداف وطنية وقومية تفرضها الظروف على الأمة ككل”. هذا هو ” الطريق الخاص” إلى الديمقراطية وشرط أية نهضة أو تقدم , ومضمون “الكتلة التاريخية” التي دعا ونظر لها فقيدنا، وساجل حولها الكثير من المتحفظين من هذه الدعوة التي تختزل ” الكتلة التاريخية ” في مجرد تحالفات حزبية . وقد أكد الجابري في أكثر من مناسبة ردا على ذلك ,أن الكتلة التاريخية لا تلغي اختلاف المرجعيات الإيديولوجية والعقدية، وإنما تؤجله، وأنها ليست أبدية، بل انتقالية، فهي في الأخير الجواب الممكن على حالات الانحلال والعجز لمختلف التشكيلات الحزبية والنقابية في أقطار الوطن العربي، إذ لا أحد منها بإمكانه لوحده تحقيق الديمقراطية والتنمية الشاملة. ويطمئن فقيدنا الأحزاب المدعوة إلى الانخراط في بناء هذه الكتلة التاريخية بأنها لن تخسر فيها “أحلامها ولا تاريخها”، الذي ستخسره هو”الشرنقة المترهلة التي تسجن فيها نفسها” (مواقف عدد 67). بل إن ربحها أكبر، فمن داخل هذه الكتلة التاريخية، باعتبارها أداة الانتقال إلى الديمقراطية، ستعيد هذه الأحزاب تجديد ارتباطها بالمجتمع “ارتباطا جديدا، حيا، فاعلا والمساهمة بالتالي في بعث الحركة فيه من جديد”.

بعد ثماني سنوات من الغياب مازال محمد  عابد الجابري المفكر والباحث والسياسي المناضل والمربي المكون لأجيال من الباحثين حاضرا بقوة كأفق للتفكير .. وكمرشد للفعل ..

 

الخميس : 03 ماي 2018.