كيفما كانت قراءة موضوع مقاطعة بعض السلع، في المغرب، سواء بالنسبة لمن دَعَا لها أو من روجها، أو خلفياتها وكل تداعياتها، فإن الصدى الذي تركته، في الواقع المادي، وخاصة في شبكات التواصل ووسائل الإعلام، يجعل منها معطى لا يمكن التغاضي عنه، أو التعامل معه كحدث ظرفي، بل إن أبعاده تتجاوزه لتطرح أسئلة كبرى حول أسباب تجاوب العديد من الفئات معه، من منطلقات مختلفة، لكنها تتمحور كلها، حول صعوبات الوضع الاقتصادي والاجتماعي.

لقد سبق موضوع المقاطعة، عدة مؤشرات دٓقّت ناقوس الإنذار، أخطرها ما حصل في الحسيمة وجرادة، وغيرها من مظاهر الاحتجاج الاجتماعي، بالإضافة إلى ما تعبر عنه الحركة النقابية، من مطالب تؤكد رفضها للسياسة المتبعة من طرف الحكومة، على صعيد الأجور والتعويضات والحماية الاجتماعية، ناهيك عن التظاهرات التي تنظمها فئات مختلفة من الشغيلة، حول ملفات محددة تهم قطاعاتها.

هناك حركية اجتماعية تتطور، في ظل سياسة اجتماعية حكومية لا تتطور، حيث يتم وضع الميزانيات العامة، بطريقة كلاسيكية، تترجم تعاملاً مع الأوضاع العامة، بمنهجية لا تأخذ بعين الاعتبار التحديات الكبرى التي تتضخم باستمرار، من أهمها الضغط الديمغرافي، الذي يزداد كل سنة، في ظل اقتصاد لا يلبي حاجيات التشغيل، وشباب تنتفخ صفوف البطالة داخله سنوياً، زيادة على الطلب المتزايد على التعليم والسكن والصحة والنقل العمومي…
أمام كل هذه التحديات، ليست هناك أي حلول مناسبة، في السياسات العمومية، إذ يتم تجميد الأجور، والتراجع عن بعض المكتسبات الاجتماعية، بينما تضعف القدرة الشرائية، باستمرار، ليس لدى الطبقات الفقيرة فقط، ولكن أيضا المتوسطة.

كل هذا غير جديد. فالحكومة لها تشخيص للوضع، لا يختلف كثيرا عن هذه المعطيات، كما أن الدولة المغربية، سبق لها أن عبرت، على أعلى مستوى، عن وعيها بالاختلالات المتزايدة، على المستويين الطبقي والمجالي، بل دعت إلى ضرورة إحداث تغيير جذري للنموذج التنموي الحالي.

لذلك، يمكن القول إن الوعي السائد مستعد لتقبل دعوات الاحتجاج، بمختلف أشكالها، مثلما حدث مع المقاطعة، التي لا ينبغي الوقوف عندها، فحسب، أو عند تشخيص الأوضاع، فقط، بل لابد من قراءة الرسالة الواضحة واستيعابها، والشروع في الجواب عنها، بكل الجدية التي تتطلبها المراجعة الاستعجالية للنموذج التنموي، من طرف الحكومة، دون إطالة الانتظار.

 

الاثنين : 14 ماي 2018.