في الأسبوع الماضي، أعلنت القطيعة الدبلوماسية الثالثة في تاريخ العلاقات بين المغرب وإيران، إثر اكتشاف السلطات المغربية تشجيع إيران أعمالاً عدائية ضد المملكة ، تستهدف أمنها واستقرارها. القطيعة الأولى تمت عام 1980 بعد قيام «الجمهورية الإسلامية»، التي رفعت شعار «تصدير الثورة» في مواجهة خط الإسلام التقليدي المحافظ والمعتدل، الذي هو مستند الشرعية السياسية في المغرب، وحدثت القطيعة الثانية عام 2009 بعد انكشاف حملات تشييع أيديولوجي واسعة في المغرب تحت غطاء العمل الدبلوماسي والثقافي. في هذه المرة، جرت القطيعة في ظروف إقليمية متوترة تتحمل فيها إيران مسؤولية جسيمة في تفكيك وإضعاف البناء السياسي العربي من خلال إذكاء الفتنة الداخلية في عدد من بلدان المنطقة، ودعم الميليشيات المسلحة، وتكريس الهويات الطائفية.

من هذا المنظور، لم يعد من الخافي على أحد الدور الإيراني في تقويض محور النظام الإقليمي بالسيطرة على قلب المشرق العربي (سوريا والعراق ولبنان)، وتهديد الأطراف الفاعلة واستنزافها في حروب مفروضة عليها للدفاع عن أمنها ومصالحها الحيوية.

ومن هنا، خطورة تصدير الأزمة والاحتقان إلى منطقة المغرب العربي من خلال الدولة المحورية فيها التي تشكل ركن الاستقرار وقاعدة الأمن القومي في الجناح الغربي من العالم العربي. في المغرب العربي اليوم حرب أهلية طاحنة في ليبيا، وأزمة انتقال سياسي صعبة في تونس، وفي حدودها المتداخلة مع منطقة الساحل الأفريقي، إحدى أكثر جبهات الإرهاب والتطرف خطورة (تنظيم القاعدة والفلول الداعشية في شمال مالي وصحراء النيجر وشمال نيجيريا). في هذا الإقليم المتفجر، يضطلع المغرب بدور أساسي في حفظ الأمن الإقليمي ومساعدة الدول الساحلية الهشة على مواجهة الإرهاب والتطرف المسلح، كما يضطلع بدور مهم في حل المعضلة الليبية وتحقيق المصالحة بين الفئات المتصارعة في ليبيا. وكما أن المغرب شكل دوماً أحد المكونات الفاعلة والمحورية في النظام الإقليمي العربي استراتيجياً ودبلوماسياً، فإنه شكّل في الآن نفسه سنداً وملاذاً لبلدان الساحل والغرب الأفريقي التي هو عمقها الروحي، وهي مجاله الحيوي. هذا الدور المزدوج هو مدار استهداف السياسات الإيرانية العدائية لعزل المغرب عن المحيط العربي شرقاً، وتقويض نفوذه في الغرب الأفريقي الذي أصبح منذ سنوات بؤرة اهتمام إيراني غير مسبوق (اضطرت بلدان عدة مثل السنغال إلى قطع علاقاتها مع إيران باتهامها بدعم المجموعات المسلحة المتمردة المناوئة للدولة).

في الجانب الأول، من الواضح أن المغرب هو إحدى الحلقات المهمة في محور النظام العربي الذي يقع عليه التعويل في ترميم المنظومة الإقليمية، وانتشال الأوضاع العربية من الانهيار الحالي، ويحكم علاقاته الخاصة بالدول الخليجية (وعلى الأخص السعودية والإمارات)، وبمصر والأردن، فإنه يشكل عنصراً فاعلاً من عناصر القوة الاستراتيجية العربية. وليس من محض الصدفة أن يكون المغرب هو أكثر بلد (باستثناء دولة المقر)، استضافة للقمم العربية، وأن تكون كثير من القرارات والمبادرات العربية المصيرية قد اتخذت في المغرب مثل الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني (قمة الرباط 1974)، ومخطط السلام العربي (قمة فاس 1982)، وفي الجانب ذاته، نشير إلى الدور المغربي المحوري في العلاقات العربية – الأوروبية بحكم موقعه الجغرافي، وتأثيره الاستراتيجي، ودبلوماسيته الفاعلة.

وفي الجانب الثاني، من الجلي أن المغرب هو أحد أهم الجسور بين العالمين العربي والأفريقي، ولقد بنى ثوابت مقاربته الاستراتيجية على هذا الدور باعتبار أهمية المجال الساحلي – الصحراوي في أمنه الحيوي، ومن هذا المنظور ندرك دلالة عودة المغرب للاتحاد الأفريقي بعد سنوات انقطاع وتطلعه للانضمام لمنظمة «الإيكواس» (المنظمة الاقتصادية لغرب أفريقيا). كان الملك الراحل الحسن الثاني يقول إن المغرب من دون رئته الشرقية، فاقد للبوصلة، ومن دون رئته الجنوبية مشلول الحركة، وهو بهذه العبارة يلخص هذا العمق الاستراتيجي الذي أهّل المغرب ليكون قوة إقليمية مؤثرة وفاعلة يحتاج إليها اليوم العالم العربي للخروج من المأزق الحاد الذي يعاني منه راهناً. وحاصل الأمر أن الأزمة الدبلوماسية الأخيرة بين المغرب وإيران كشفت للعيان حجم الخطر الإيراني على الأمن الإقليمي العربي، فبعد التدمير الهائل الذي خلفه التدخل الإيراني في المشرق العربي والجزيرة العربية، ومحاولات نسف الأمن والاستقرار في الخليج العربي، يمتد الخطر الإيراني إلى المغرب العربي، ويستهدف البلد الذي يشكل ضمانة لاستقرار المنطقة، وسنداً وركيزة لمحور الاعتدال العربي.

 

الاثنين 14 ماي 2018.