منذ أول أمس الثلاثاء، دخل قرار شركة “دانون” بخفض تزودها من الحليب المجمع لدى نحو 120 ألف فلاح بنسبة 30 بالمئة… حيز التنفيذ.

والواضح أن الشركة واجهت مقاطعة ملايين المغاربة، حسب استطلاع رأي ليكونوميست، بمقاطعة الفلاحين..
نظريا لا ينتظر من الرأسمال، لاسيما عندما يكون أجنبيا، أن يفكر في مصير هؤلاء الفلاحين، بل هو موجود أصلا لكي ينتزع منهم أكبر ما يمكن من الأرباح.
قانون الرضاعة الرأسمالي، لا غير!!

غير أن قرار الشركة يعني أن 36 ألف فلاح، من مجموع المتعاملين مع “دانون” لوحدها، سيجدون أبوابها مغلقة، ولن تدق أبوابهم أيادي المحصلين للترات حليبهم، وابتداء من الثلاثاء الماضي، سيجدون أنفسهم بدون تحصيل ما اعتادوا على بيعه للشركة..

والواضح أن المقاطعة المعلنة، أو المضادة، جاءت بعد إعلان المصالحة..التي لم تدم أكثر من أسبوعين.
فقد أعلنت “دانون”، قبل أسبوعين، عروضا تفضيلية في بعض منتجاتها من مشتقات الحليب بمناسبة حلول شهر رمضان، ودعت إلى “المصالحة” .
كما حاولت أن تقدم نفسها كشركة »أخلاقية« تؤكد بالبيانات أن هامش الربح الذي تحققه “لا يتجاوز 20 سنتيما للتر الواحد من الحليب”.
بعد المصالحة
والتخفيض
تأتي المقاطعة المضادة..

وليس مطلوبا، لا من الفلاحين ولا من المقاطعين، بعد خمسة أسابيع على حملتهم للضغط عليها لخفض الأسعار، …أن يجدوا جوابا على ما وضعته من سياق جديد. لعلاقتها بالفلاحين..

القضية الآن مطروحة على الحكومة..

والحكومة سبق لها أن أعربت عن نزوعاتها في لحظتين اثنتين على الأقل:

الأولى لما صرح الوزير لحسن الداودي بأنه يخشى أن تغلق الشركة الأجنبية أبوابها «وتحط السوارت ثم ترحل..
فهي في هذا التقدير الفوري لأحد وزراء الحكومة، غير معنية بالفلاحين ولها أن تهرب بمجرد أن يجف الضرع..
ويقل الزرع.

اللحظة الثانية هي التي بصمها الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى الخلفي، والذي »حذر في وقت سابق من أضرار جسيمة تلحقها حملة المقاطعة بـ460 ألف فلاح ينتجون الحليب في المغرب بينهم 120 ألفا يتعاملون مع “دانون”.
يمكن أن تسقط الحكومة تحت طائلة الإغراء القائل بأننا نبهنا، وكفى
وأنه أعذر من أنذر
وأنه المسؤولية على المقاطعين… إلخ
غير أن الحكومة موجودة أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا ومؤسساتيا أمام امتحان عسير للغاية :

 أولا، ليس أمامها مخاطب مجسم وممثل يمكن أن تلبسه نتائج متوقعة في المحصلة للمقاطعة..إنها المؤسسة الوحيدة والمؤهلة قانونا لإيجاد الجواب… والتوافق مع المعنيين «والدفاع عن الفلاحين»..

ثانيا، الوزير الناطق الرسمي تحدث بلسانه عن :
* حماية المستهلك خاصا بالذكر إنتاج الحليب.
*أن الحكومة”مسؤولة عن حماية الاقتصاد الوطني «وفي صلبه الفلاح”..

وهذه المعالجة، تجاوزتها الحكومة، في زمن ثالث من زمن المقاطعة، على لسان رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني والذي قال “إن حملة المقاطعة صرخة معاناة من قبل جزء من الطبقة المتوسطة”، مضيفا “لذلك من واجبنا أن نتفهم هذه المعاناة وأن نعمل على اتخاذ إجراءات عملية لرفعها عن المواطنين”.
هناك التزام واضح لكي تعمل الحكومة على رفع المعاناة عن المواطنين.

وفي انتظار ذلك، لا بد من تحرير الفلاحين من ربقة الارتهان إلى أجندة الربح والخسارة لدى الرأسمال الأجنبي..
في الحكومة قطاع وصي، هو وزارة الفلاحة، لا شك أنه المعني المباشر بتبعات القرار الذي اتخذته الشركة وتبعات السياسة التجارية ل”دانون”، وتأثير ذلك على الفلاحين، وهو ملزم بأن يخطط ويجد الجواب ثم وسائل التنفيذ المتعلقة باللحظة الوقائية في هذه الحالة.

تعقد الوضعية يزداد مع التذكير بوجود معنيين آخرين، وهم ممثلو الفلاحين ومنتجو الحليب وهيئاتهم المهنية، وهم في هذه النازلة لا يمكن أن يظلوا في حالة صمت، مهما كانت دوائر الالتباس في القضية ومناطق التداخل.

 

الخميس :15 رمضان 1439.هج/ 31 ماي 2018.