أنا أعرف حق المعرفة بأن ما سأقوله هنا لن يرضي الكثير من المعنين بالخطاب الديني أو المدافعين عنه والمؤيدين له في الدولة والمجتمع.. ولكني سأقوله وأكتب عنه وأوثقه, لأن ما سأقوله هو الحقيقة التي عشتها وتابعت مسيرتها ومراقبتها من خلال موقعي ككاتب أولاً, ثم كإعلامي مارس رئاسة تحرير جريدة رسمية يومية هي (الفرات) تفطي ثلاث محافظات من المحافظات السورية النائية, وهي المحفظات الشرقية ثانياً, وأخيراً كوني مارست العمل الحزبي في مؤسساته الثقافية إن كان على مستوى الحزب ذاته, أم على مستوى منظماته, وبخاصة منظمة اتحاد العمال, وهي المنظمة الأكثرأهمية في قيادة الفعل التنويري الثقافي, كونها تتعامل مع التكنولوجيا, والأكثر اطلاعاً على قضايا الواقع ومشاكله الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.

     نعم.. إن قضية مأساة الخطاب الديني عندنا اليوم بعد الأزمة / المصيبة التي يمر بها القطر العربي السوري بعمومه, وديرالزور على وجه الخصوص, هذه المدينة التي حوصرت من الداخل والخارج لأكثر من ثلاث سنوات ونصف في لقمة العيش والماء والكهرباء وكل ما يتعلق بسبل الحياة الكريمة, ولو في حدودها الدنيا, هي ليست قضية عابرة, أو تشكل موقفاً آنياً يكتفى التعبير عنه بـ (بق البحصة) كما يقول مثلنا الشعبي, بل هي قضية جوهرية في حياتنا, إن دلت, إنما تدل على طبيعة البنية الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية التي عاشها القطر وأدت إلى إنتاج هذه الأزمة أو السماح بحدوثها, مما يجب توضيح أسبابها وآلية عملها وما آلت إليه من نتائج مدمرة, دفعنا نحن السوريون بسببها ثمنها غالياً, وربما سنظل ندفع الثمن غالياً إذا استمر السكوت عنها إرضاء لهذه القوى السياسية أو الفكرية أو الدينية أو تلك.

     إن ما سأبينه هنا ليس إلا علامات أو مؤشرات أوليه لمسيرة الخطاب الفكري الديني السلفي التكفيري, الذي غُض النظر عنه لأكثر من أربعة عقود من الزمن, حتى استفحل أمره وراح يدخل في كل مسامات حياتنا, بحيث لم يعد من السهل بمكان تجاوزه بمشروع فضيلة, أو فقه أزمة, إن مسألة تجاوزه بحاجة اليوم لإعادة بناء حقيقية لكل مكونات حياتنا على أسس عقلانية تنويرية, وهذا يتطلب جهوداً واسعة وفاعلة على مستوى الدولة والمجتمع المدني وكل أحزابه وقواه التنويرية.

     إن ما سأبينه هنا ليس إلا غيض من فيض, إلا أنه غيض يشكل بداية الطريق, لا بد أن يحرك عقولنا وشعورنا وممارستنا وحسنا بالمسؤولية تجاه وطننا وأنفسنا وأجيالنا القادمة.

     نقول : إن مقاومة ما تقوم به داعش ومن ينتمي إلى مدرستها السلفية التكفيرية اليوم من أعمال إجرامية بحق الإنسان والإنسانية بإسم الدين, لا ينتمي حقيقة لا فكرياً ولا سلوكياً إلى مشروع (الفضيلة/ الأخلاق) كعامل رئيس, على اعتبار أن ما تمارسه هذه القوى التكفيرية من ممارسات لاتمت إلا الفضيلة بصلة, هو لا بخرج في معظمه من حيث الجوهر عن ما ورد في كتب أهل السلف.. وبالتالي فإن مشروع (فضيلة) الذي تطرحه وزارة الأوقاف السورية, أو أية جهة دينية أو سياسية تتكئ على الدين لاعتقادها بأن الخلاص من داعش وتوابعها هو التمسك بالأخلاق الإسلامية التي بشر بها الإسلام منذ 1400 عام, يعتبر برأيي قفزاً على الحقيقة, ومحاولة لذر الرماد في العيون لإيهام الناس بأن كل مايجري اليوم من قتل ودمار وتحطيم للحضارة الإنسانية يرتبط في عدم تمسكنا بالقيم الأخلاقية التي بشر بها الدين الحنيف,وليس له علاقة بالبنية الأيديولوجية للنص الديني الإسلامي, وطريقة تفسيره وتأويله من قبل القوى السلفية الظلامية, بالرغم مما يتضمنه هذا النص من إشكاليات كنا قد اشرنا إليها في دراسات سابقة قد نشرناها في مواقع عدة, الأمر الذي يجعل المسألة ترتبط في حقيقتها بتفسير النص الديني وتأويله وبالتالي ممارسته واقعياً من قبل هؤلاء المتطرفين على الطريقة التي يمارس بها. بينما المنطق يقول: إن ما تمارسه داعش وأخواتها, يرتبط في حقيقة أمره ببعض مدارس أو مذاهب الفقه الإسلامي القروسطي الذي أغلق باب الاجتهاد وأبقى دوال النص الديني مغلقة على تفسير وتأويل ورؤى فقهيه تعود إلى القرون الثلاثة للهجرة, حيث تجاوز الزمن اليوم الكثير من قضايا أو مشاكل العصر الذي نزل فيه النص الديني ذاته من جهة, أو تم تفسيره وتأويله والتشريع بإسمه من قبل المذاهب والفرق الدينية التي ظهرت كتجل لصراع سياسي قبل أي شيئ آخر ابتدأ من السقيفة, واستمرت مفاعيلها الفكرية والعملية مع أبي حسن الأشعري, وأبي حامد الغزالي والقطني, والباقلاني والسفرجيني والجوني وابن تيمية وابن قيم الجوزية والشاطبي ومحمد بن عبد الوهاب وحسن الترابي والقرضاوي ومحمد سعيد رمضان البوطي وغيرهم الكثير من فقهاء ورجال دين سلفيين معاصرين, أو من أحزاب وفصائل دينية سياسية تدعوا للحاكيمة. وأخص هنا الكثير من رجال الدين المعاصرين الذين لم يزالوا يتعاملون فكريا مع الوصفات الجاهزة لفقهاء ورجال دين من العصور الوسطى, حيث ظل هؤلاء يشكلون سداً منيعاً أمام فتح باب الاجتهاد واعتماد العقل بدل النقل, أو الإقرار بالحقيقة على الشريعة, أو اعتماد مناهج التفكير العلمي المعاصرة في التعامل مع الدين بدل اعتماد  قياس  الشاهد على الغائب, وبالتالي الحد من حرية الإنسان وإرادته في إعادة فتج النص الديني على كل دلالاته أو حمولته بما يتفق ومقاصد الدين الأساسية الداعية إلى الخير والمحبة والتسامح وحرية الإنسان في تحقيق مصيره, وإلى التعامل مع معطيات الزمان والمكان وفقاً لتطور حالات مصالح الناس وتبدلها, وبالتالي الوقوف أمام نقل كل أمرض الماضي ومشاكله الطائفية والسياسية والفقهية والكلامية, إلى عالمنا العربي والإسلامي المعاصر الذي لم نستطع حتى هذا التاريخ تجاوزها.

بناء على ذلك نستطيع القول: عندما تريد أية قوى سياسية أو مؤسسة دينية محاربة النقائض أو الفساد في المجتمع, أي محاربة كل ما هو غير أخلاقي, أو يناقض القيم الدينية والفكرية الحقيقة للدين من جهة, أو يناقض السياسة القائمة وأيديولوجيتها في هذه الدولة أو تلك من جهة ثانية, أو التتمسك ما تجاوزه الزمن قيمياً, ولم يعد يتوافق مع قضايا وقيم العصر ومستجداته, التي تريد هذه القوى السياسية أو الدينية السائدة سيادتها ونشرها وتعميمها في الدولة والمجتمع من جهة ثالثة, عليها أن تغيير في بيئة الدولة والمجتمع التي ولدت هذه النقائض بطريقة تلغي أو تبدل فيها هذه النقائض إلى فضائل كما ترغب وتدعي. لذلك من المنطق والمعقولية القول : ضع الناس في علاقات اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية ايجابية, أي ضعهم في ظروف لا تساعد على نمو الغرائز الحيوانية والأنانية والطائفية والحقد والكراهية والفساد الأخلاقي بكل أشكاله لديهم, ستتغير الأخلاق مع الأيام. أو بتعبير آخر, عندما نعمل جادين على إبعاد مسببات كل محرضات الغرائز والدوافع التي تساهم في خلق الصراع بين الناس ولا تسمح بخلق أو تحقيق توازن المصالح بين مكونات المجتمع من جهة, وبين المجتمع والسلطة من جهة ثانية, عندئذ ستأتي الفضيلة من تلقاء نفسها تماماً كما يسقط الحجر على الأرض من تلقاء نفسه حين يفقد كل سند له.

إن مشروع فضيلة من الناحية المعرفية مجرد معرفة ذاتية, والمعرفة الذاتية في التحليل الأخير معرفة مغلوطة ومجذبة, وإن مقولة إعرف نفسك بنفسك التي لها طنينها الرنان, قد بدت من الناحية العملية معرفة مشبوهة على الدوام, وهي ليست أكثر من خداع يمارسه كهان أو وعاظ منابر يقومون كل يوم بإعطاء المواعظ التي تجتر نفسها منذ مئات السنين بحيث لم يعد لديهم شيئاً يقولونه أو يبشرون به سوى إرباك الناس بمطالب لا يمكن تحقيقها, وإلى حرف من يقومون بوعظهم عن النشاط المنصب على عالمهم الخارجي, ودفعهم إلى تأمل ذاتي داخلي مغلوط. فالإنسان قادر على معرفة نفسه بقدر معرفته للعالم الخارجي الذي يتحقق من وجوده في ذاته, ويثق بوجوده هو ذاته فيه.

     إن الإنسان الواقعي الذي تنطلق معرفته من الواقع الذي ينشط فيه, يستطيع أن يقف على قدميه في عالم الله الواسع, وهو يستطيع الوقوف لممارسة الفضيلة فقط عندما ينقل تدينه من عالم المثال المجرد, إلى عالم التأمل والعقل ومطابقة معرفته مع واقعه في حركته وتطوره وتبدله.

إن عالم الدين هذا الذي يشتغل عليه مثل هؤلاء الوعاظ قد نخره السل الروحي على مستوى علاقاته الداخلية, من خلال تحويله في عالم الداخل إلى عالم الطائفة والمذهب, وإلى اختلاف مع الآخر وتكفيره وزندقته وقتله على مستوى عالم الخارج.

     إن الطبيعة الإنسانية (الفطرة) لا تجعل الإنسان خيراً أو شريراً, وإنما طبيعة العلاقات بين الناس هي من يجعل ذلك. وبالتالي فالفضيلة ليست بحاجة للتبشير بها, إنما هي بحاجة لأن يمهد لها بالترتيب المعقول للعلاقات الاجتماعية الصحيحة. 

على العموم نستطيع القول في مشروع “الفضيلة” هذا الذي تتبناه المؤسسة الدينية السورية اليوم بسبب ما تمر به سورية من مآسي من قبل حملة المشروع السلفي التكفيري, بأنه : منذ بداية الأزمة السورية ولا أقول الثورة, لأن لكل ثورة مقوماتها وظروفها الموضوعية والذاتية التي إذا ما توفرت تحقق مشروعية الثورة, وبالتالي فإن ما سموه ثورة أو ثورات الربيع العربي هي ليست أكثر من مهاترات ثورية برأيي لفقدانها الكثير من عوامل مقوماتها ونجاحها, وكنا قد كتبنا العديد من المقالات أيضاً حول هذه المسألة سابقاً, وبينا أبعادها السياسية, وهي أن الثورات بطبيعتها ذات فعل تقدمي نهضوي, وليست ذات فعل استرجاعي ماضوي يريد العودة إلى ماض تجاوزه الزمن, أو ثورة راح دعاتها يمارسون الاستبداد على المخالف لهم في الشكل والمضمون, في الوقت الذي يدّعون فيه أنهم يحاربون الظلم والاستبداد تحت شعارات الحرية التي تبين أنها ليست أكثر من شعارات فوضوية غوغائية يراد منها تدمير البلاد والعباد, وتحقيق مشروع سياسي يدعو إلى”الحاكمية لله” منطلقاً له, وهو شعار كان الخليفة “علي بن أبي طالب” قد قال عنه منذ معركة صفين في منتصف القرن السابع للميلاد/ الأول للهجرة بانه : (كلمة حق يراد بها باطل).

إذاً ليس موضوع الثورة أو (الخرف الثوري) موضوعنا هنا, وإنما هو رد فعل المؤسسة الدينية في سورية على ما جرى ويجري في سورية من دمار وقتل وتشويه للحقيقة والتاريخ بإسم الدين خلفه هذا الخرف الثوري. أي ربط هذه المؤسسة الدينية الرسمية في سورية ما يجري من دمار للحجر والبشر, هو نتيجة لفهم الخطاب الديني الخاطئ  والابتعاد عن وسطيته من جهة, ثم لابتعاد حملته من القوى السلفية التكفيرية عن التمسك بقيم الفضيلة المحمدية ومن اتبعها من السلف الصالح.

نعم…إن المتابع لنشاط المواجهات الفكرية والعملية من قبل مؤسسات الدولة الحاكمة في سورية خلال هذه الأزمة, يجد أن وزارة الأوقاف قد تحملت العبء الأكبر فيه, إن لم نقل أنها هي الوحيدة التي تصدت لهذه الأزمة مع غياب واضح لمؤسسات الدولة الثقافية والحزبية, حيث راحت تقيم الندوات, وحلقات الذكر للطريقة الشاذلية, ثم حلقات الدعاء التي عمت بعض جوامع دمشق وعلى رأسها الجامع الأموي التي شارك فيها مسؤولوا وزارة الأوقاف ذاتها وكل مشايخ الشام لساعات طويلة وهم يقرأون بعض الأوراد أو آيات من الذكر الحكيم لإزالة هذه الغمة التي ابتلينا بها, ثم إقامة ذكرى إحياء شيخ المتصوفة “محيى الدين بن عربي” وغير ذلك من نشاطات دينية وفكرية (دينية) وصلت إلى حد مشاركة وزارة الأوقاف ذاتها مع المنظمات الشعبية في ندوات حول مواجهة الفكر الأصولي الظلامي, ولاسيما منظمتي الشبيبة والطلبة, اللتان تمثلان جيل الشباب, وهم الذين خاطبهم الرئيس الراحل حافظ الأسد في مؤتمرالشبية  الرابع أثناء أزمة الثمانينيات قائلاً: (علينا محاربة الفكر الرجعي بكل أصوله وفروعه, وأن نعمل لبناء مجتمع الطبقة الواحدة).

بيد أن الأهم من حلقات الذكر والدعاء هذه, كان مشروع “فقه الأزمة” (الذي كان أول من طرحه على الساحة الدينية شيخ الفتنة القرضاوي الموجه الفكري للإخوان اليوم), ثم مشروع ” فضيلة”. هذا عدا ما تقوم به الوزارة من حلقات وندوات فكرية على القنوات السورية وخاصة قناة ” نور الشام”, حيث اشتغلت على مسألة محاربة التطرف والدعوة إلى الوسطية في الإسلام, وأن الدين الإسلامي هو دين الرحمة والتسامح, وكذلك الحديث عن أخلاق الرسول والصحابة والتابعين وتابعي التابعين حتى القرن الثالث للهجرة, وهو زمن الفضيلة والأخلاق الحميدة للمسلمين, كما تحدثت عن قيم وأخلاق الأولياء الصالحين الذين لا تبلى أجسادهم بعد وفاتهم كما يقول أحد مشايخ هذه المؤسسة الدينية , في الوقت الذي كانت فيه الحلقات المتعلقة بـ (العقيدة) تتكئ على الفكر الأشعري السلفي, هذا الفكر الذي يرفض السببية, وأية عليّة لها تأثير في حياة الإنسان والطبيعة عدا عليّة الله الذي أمره إذا أراد شيئاً يقول له كن فيكون, حيث تتحطم هنا حركة الزمان والتاريخ الإنسانيين ويتحول تاريخ الإنسان إلى ذرات لا يربطها مع بعضها شيئ إلا بأمر الله , وهذا التذرير يعمل على إلغاء حرية وإرادة الإنسان التي يقول بها العلمانيون الكفرة, بالرغم من اعتماد الفكر الأشعري على نظرية (الكسب) التي حاولت الالتفاف عبرها على مسألة الجبر إلا أنها لا تخرج في حقيقة أمرها عن الجبر.هذا كما تناولت الحلقات والندوات إياها الموقف من العقل والتفكير الحر في النص المقدس, وخاصة بعد أن خاطبهم السيد الرئيس مطالباً إياهم بضرورة استخدم العقل والفلسفة في إعادة تفسير النص وتأويله بما يخدم تطور الواقع وخصوصيات المرحلة المعاصرة, حيث قالوا رداً على دعوته: إن دور العقل يقتصر فقط على تثبيت النص وليس الحكم عليه, أي هم يرفضون فتح النص المقدس على دلالاته المتعددة بما يتفق وتطور الواقع, وبالتالي هم سيظلون متمسكين بالنقل على حساب العقل, منطلقين من المقولة الفقهية السلفية ( إن صريح العقل لا يخالف صحيح النقل) التي راحت تردد كثيراً في هذه الأزمة من قبل مشايخ المؤسسة. كما كان لهم موقف معادي من الفكر الآخر الوضعي الذي يطرح نفسه من خلال مناهجه البحثية كفر قادر على معالجة الواقع ووضع الحلول له, منطلقين من القراءة السلفية ذاتها في أن القرآن والحديث وما تركه لنا فقهاء المذاهب الأربعة السنية من تراث يتعلق بتفسير النصوص المقدسة التي لم تترك صغيرة أو كبيرة في هذا الحياة وما سيأتي في المستقبل من مستجدات حياتية إلا ولها حل في مخزون النص المقدس وما ترك لنا من آثار السلف الصالح, فالشيخ البوطي يدعو مريديه ومستمعيه في إحدى حلقاته الدينية التي تبث على وسائل إعلامي بطريقة محمومة, بأن تعلم أركان الصلاة أفضل بكثير من تعلم من هو أول شخص دار حول الكعبة.!!!. لأن هذا السؤال يضعهم في إرباك معرفي وعقيدي تشتق منه أسئلة جوهرية مثل: متى بنيت الكعبة؟. ولماذا بنيت؟. ثم لما هذا الطواف حول الكعبة ؟. وما هي علاقته بالدين الإسلامي؟.. وغير ذلك من الأسئلة التي ستخرجهم من عباءة الفكر التوراتي في هذه المسألة.

إن مؤسستنا الدينية تقر بالضرورة مسألة “الحاكمية” دون إعلان إسمها صراحة. أما معرفة الله, فتأتي من القلب مباشرة وليس عن طريق العقل والفكر, كون الدين عندهم هو دين الفطرة والغريزة, ضاربين بذلك كل مضامين أول آية نزلت وهي (إقرأ). و بهذا الموقف قد أوقفوا الاجتهاد أو اقتصروه على قضايا الحيض والنفاس وغيرها من قضايا الأحوال الشخصية المتعلق بالإرث والميراث التي لا تمت إلى جوهر الدين الحقيقي ومقاصده في تحقيق تنمية الإنسان وتطوير مداركه وقواه العقلية بصلة جوهرية, متناسين مواقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه العقلانية من النص ذاته في عام الرمادة والمؤلفة قلوبهم وتوزيع أراضي الخراج على المقاتلين. أما موقفهم من المذاهب والفرق الإسلامية, فقد اقتصر قرارهم على اعتبار الدين الحقيقي هو ما يمثله أهل السنة والجماعة, أي عند حدود مذاهب السنة الأربعة. كما تطرقوا لأسماء الله وصفاته العقلية منها والمعنوية…وأن ليس كمثله شيئاً.

إن من يتابع كل تلك النشاطات من قبل المؤسسة الدينية يجد نفسه أمام خطاب ديني سلفي لا يختلف من حيت الجوهر عن الفكر الأصولي الإسلامي السياسي بصيغته الإخوانية والوهابية, الذي حمل السلاح في وجه الدولة والمجتمع بإسم (الحاكمية لله), إلا في قضايا بسيطة تتعلق بإطلاق بعض التصريحات الشعارية المتعلقة باعتبار الدين ضد الإرهاب. وأن ما يقوم به المتطرفون ليس من صلب الإسلام, وأن إسلامنا  (إسلام أهل الشام) إسلام الوسطية, وهوضد العنف وضد الطائفية, ويحترم الرأي والرأي الآخر, وذلك إرضاء للسلطة التي يعملون تحت إمرتها, أما في جوهر ما كان يقال وينظر فيه داخل الجوامع والتكايا, فهو لا يختلف عما يقول به متطرفوا الإسلام من وهابية وحنابلة وإخوان وغيرهم. فهذا     الأشعري الذي تتكئ عليه المؤسسة الدينية في سورية بنبري مدافعاً عن مقولات ابن حنبل بعد أن تبنى آراءه وهو القائل في ذلك: ( قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها هي التمسك بكتاب الله وسنة نبينا محمد (ص) وما روي عن السادة الصحابة والتابعين, وأئمة الحديث, ونحن بذلك معتصمون بما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل نضر الله وجهه وأجزل مثوبته قائلون, ولما خالف قوله مخالفون.).(13). والسؤل المشروع هنا هو : أليست هذه المصادر التي اعتمد عليها الفكر الأشعري الرسمي في سورية, هي الفكر الحنبلي.؟!!, وهي ذاتها التي اعتمد عليها ابن تيمية وابن قيم الجوزية والجويني وأبو حامد الغزالي والاسفرجيني ومحمد بن عبد الوهاب, وحسن البنا, وسيد قطب  وكل ما مثله  بعض هؤلاء وغيرهم من تيارات فقهية أو كلامية أو سياسية

إن ما أريد عرضه والتركيز عليه هنا هو القول: بأن سورية منذ أحداث ثمانينيات القرن الماضي, والتي كان لـ (لإخوان المسلمون) الدور الأول في قيامها, رحنا نلمس توجها غير عادي لدى السلطة والحزب في فسح المجال واسعاً أمام نشر الخطاب الديني فكراً وممارسة, رغبة في مواجهة التطرف الإخواني وإظهار أن الدين الإسلامي دين رحمة ومحبة من جهة, ثم تعميم فكرة أن النظام القائم في سورية رغم علمانيته فهو ليس ضد الدين من جهة أخرى. الأمر الذي أعطى للمؤسسة الدينية الرسمية بدار إفتائها ووزارة أوقافها دوراً فاعلاً في تجذير وبلورة هذا الخطاب الديني على كافة المستويات داخل القطر, حيث راحت تبنى الجوامع والمساجد في معظم أحياء القطر, بل وصل بناء الجوامع حتى محطات الوقود على الطرق العامة بين المحافظات, هذه المساجد التي وصل عددها مع قيام الأزمة إلى أكثر من /23/ ألف جامع, وأن أكثر من 90% منها يشتغل على مذهب واحد هو مذهب أهل السنة والجماعة, متجاهلين في ذلك حالات التعدد الطائفي والمذهبي المعقد في سورية, كما رحنا نلمس في المقابل بناء الكنائس العديدة, الأمر الذي أدخل المسلمين والمسيحيين في بعض المحافظات السورية حالات من التنافس من حيث إظهار البذخ في بناء دور عبادتهم. هذا مع بدء تعيين دعاة للفكر السلفي الرسمي من قبل وزارة الأوقاف حيث بلغ عددهم عشرات الألوف بين داع وداعية, كلهم يعملون على تغذية الفكر الديني السلفي في الجوامع التي غابت عنها الرقابة, حيث كان يعطى فيها دروس الفكر السلفي التكفيري ممثلاً في فكر ابن حنبل وابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب وأبي حامد الغزالي وأبي حسن الأشعري, هذا عدا الفكر الصوفي ألامتثالي, الذي ساهم كثيرا بتغييب العقل ونشر الأساطير المتعلقة بالكرامات, ممثلاً هذا الفكر بطرق الشاذلية والرافعية والخزنوية والقادرية وغيرها من طرق. الأمر الذي حول الجوامع في سورية إلى مراكز تجمع ونشاط ديني لكل فرقة أو تيار, حيث رحنا نجد للشاذلية جوامعهم وللخزنوية جوامعهم وللوهابية جوامعهم… إلخ. دون أن ننسى هنا دور المدارس الدينية التي وصل عددها في سورية إلى أكثر من / 130ِ/ مدرسة, يضاف إلى دورها التعليمي معاهد تحفيظ القرآن وكليات الشريعة الخاصة والعامة, وغيرها من المؤسسات الدينية الخاصة, التي وجد فيها الإخوان ملاذا لتمرير فكرهم.

أمام هذا المشهد الديني المرعب في حجم مؤسساته ونوعية خطابه, كان هناك حصار وتضييق على الفكر العقلاني والعلماني, بل ومحاصرة أصحاب هذا الفكر على مستوى الساحتين الثقافية والإعلامية, ممثلة بالمراكز الثقافية والتلفاز والصحف والمجلات السورية. كما رحنا نلمس الدعوات المحمومة لارتداء الحجاب, واللباس الصوفي والوهابي, حتى انتشرت ظاهرة القبيسيات للنساء وارتداء (الدشداشات) القصيرة وتربية الذقون وحف الشارب وحمل المسواك للشباب.

ثلاثة ظاهرات بدأت تنتشر في سورية في العقدين الأخرين قبل الأزمة هما:

1- انتشار ظاهرة الحجاب والقبيسيات.

2- محاربة الفكر التنويري العلماني ودعاته.

3- انتشار ظاهرة بناء الجوامع والمدارس والمعاهد الدينية, وإعطاء الدروس الدينية المشبعة بالفكر السلفي التكفيري دون رقابة.

وهذه الظواهر الثلاث لم يكن انتشارها على مستوى سورية فحسب, بل هي ظواهر راحت تعم عالمنا العربي, وكان وراءها الفكر الوهابي في السعودية وداعميه مالياً وسياسيا.

أما على المستوى السياسي وبخاصة الحزبي, فقد رحنا نلمس توجها لوضع من يتمتعون بعقلية دينية في المناصب السياسية الحزبية, والمراكز الثقافية, الأمر الذي فرض بالضرورة وجهاً دينياً للدولة والمجتمع والحزب معاً, لاقى فيه رجال الدين ومشايخه حظوة ومكانة لم يلقوها في كل عصور الدولة الإسلامية, حيث أصبح للعديد منهم مريديهم ومدراسهم, بالرغم من أن المرجعية العقيدية والفقهية واحدة تقريباً لهؤلاء, إلا أنها شهوة الوجاهة وسلطتها. فالدين ورموزه من الماضي والحاضر أصبحوا هم أصحاب الكلمة والرأي والموقف السائد في الدولة والمجتمع, هذا في الوقت الذي راح يقصى فيه كما أشرنا قبل قليل أصحاب الفكر العلماني والعقلاني التنويري, ويشهر بهم داخل الحزب الحاكم وخارجه على أنهم كفرة وزنادقة, ومن رفع صوته منهم ناقداً مايجري من ممارسات خاطئة, أو مشيراً إلى ظواهر الفساد التي انتشرت عمقاً وسطحاً من الرغيف إلى الكلمة, اتهم بأنه ضد الدين والوطن والقومية العربية. يرافق هذا الموقف تهميش الفكر العلماني والفكر القومي والعقلاني على مستوى المؤسسات التعليمية, حيث همشت على سبيل المثال مادة الثقافة القومية الاشتراكية في جامعات القطر ومعاهده, حتى أصبحت عبئاً على المدرس والطالب معا, كونها تحولت إلى مادة مؤتمته, فلم يعد الطالب يهتم بها, إضافة إلى اقتصار تدريسها على الكادر البعثي فقط, الأمر الذي حول تدريسها إلى مسألة انتفاع مادي لا أكثر, فراح يدرسها أو يكلف بها من هم على درجة عالية من الأمية الثقافية. كما ضبطت مسألة الندوات الفكرية ولم نعد نسمع عن ندوات فكرية تدعو إلى التنوير والعقلانية, والالتزام بقضايا الجماهير وتنمية فكرهم, واقتصرت الندوات على المناسبات الحزبية والوطنية وفق خطة مدروسة وممنهجه, الهدف من إقامتها هو إحياء ذكرى أو مناسبة وطنية أو حزبية, وغالباً ما تؤدى بطريقة تسويقية يغلب عل عرضها الأسلوب العاطفي والشعاري, كونها تؤدى من باب رفع العتب لا أكثر.

إن كل هذه المأساة الفكرية التي جئنا عليها هنا, كانت وراء السبب الرئيس لتوجه هذا الكم الهائل من شباب القطر نحو الفكر الديني السفي الذي علمهم مشايخ قطرنا أنه هو الوحيد القادر على انتشال هذه الآمة من كبوتها, وانتشالهم معاً من براثن الفساد والبطالة, وتحقيق دولة العدالة والمساواة. لقد أوصلت المؤسسة الدينية عبر هذا الفكر بعلمهما أو بدونه الكثير من شباب سورية, إلى مرحلة عدائهم للدولة والحزب والوطن معاً, بحيث لم يعد الوطن هو انتماءهم الحقيقي بل العقيدة الدينية في توجهاتها الأممية, الأمر الذي أوجد شرخاً كبيراً ما بين المواطن والوطن والدولة, كان من أهم نتائجه تحميل حالة العداء هذه بعداً طائفياً استغلته قوى سياسية داخلية وخارجية (الإخوان والقاعدة ومن يدعمهم في الخارج), وقد كان لهذا التوجه واستغلاله, الدور الكبير في حمل السلاح ضد الدولة والوقوف مع الخارج وأعداء الوطن ضد الوطن بإسم الدين.

لقد تربى شبابنا في مؤسستنا الدينية على الفكر المتطرف, فلم يعودوا يعرفوا قائداً لهم إلا الرسول محمد, فراحوا يرددون في هذه الأزمة : (قائدنا للأبد سيدنا محمد), وهو الشعار الذي طرحه (حسن البنا- الرسول زعيمنا), كما طرحوا شعار (الحاكمية لله), وشعار القاعدة الأممي (لاإله إلا الله, محمد رسول الله), وهذه شعارات كلها لا تميز بين مسلم وآخر من أية دولة كانت في العالم, كما أنها شعارات تقف ضد أنظمة الحكم الوضعية, وتعتبرها أنظمة كافرة وملحدة وعلمانية وجاهلية يجب أن تحارب وتسقط بحد السيف أو قوة السلاح…

نعم منذ ثمانينيات القرن الماضي والمؤسسة الدينية الرسمية في سورية تربي أجيالاً من الأصوليين التكفيريين الذين تربوا على فكر من قمنا بذكرهم سابقاً من رجال الفكر السلفي التكفيري وفرقتهم الناجية ومعهم فكر الكثير من مشايخ سورية المعاصرين الذين يحاربون العقل على حساب النقل, ويدعون إلى الانتماء للعقيدة بدل الوطن, وللجماعة الإسلامية بدل المواطنة, وعلى رأسهم الشيخ البوطي زعيم هذا التيار السلفي في سورية الذي لم يكن فكره يختلف عن فكر الوهابية السلفي, وهو الذي كان يأخذ مباركة وشرعية الشيخ “عبد العزيز الباز”, والمجمع السعودي لدار الإفتاء عند إصدار بعض كتبه, كما جرى معه عندما أصدر كتابه ( الإسلام ملاذ كل الجماعات الإنسانية), وأرسل إلى الشيخ الباز بعلم وزير الأوقاف نفسه, – بعد أن مجد دور الباز في نشر الدين الصحيح والحفاظ على طريق أهل السلف الصالح -, نسخة من هذا الكتاب يطلب فيها رأيه ورأي المجمع الديني السعودي للإفتاء فيما جاء من أفكار تتفق مع الخط العام للفكر السلفي الوهابي. (راجع رسالته إلى الباز في مجلة ” نهج الإسلام” السورية, العدد /23/ آذار, 1986, ص 40 وما بعد). أما بالنسبة لموقفه من القومية العربية, ففي مقال له بعنوان )حقائق عن نشأة  القومية), صادر بكراس مستقل عن لجنة مسجد جامعة دمشق- قسم النشر (41), 1963 .يكتب البوطي عن القومية ودعاتها وارتباطاتهم بالماسونية والصهيونية والاستعمار, سأقتبس منها بعض أفكاره وأترك للقارئ أو المهتم العودة إلى هذا المقال ليتبين موقف البوطي ومن يقف معه ويتبنى فكره مدى كرههم للعروبة والقومية العربية.!.

يقول البوطي في هذا الكراس: (وإننا لو رجعنا واستقرأنا تاريخ دعاة القومية في بلادنا فإننا لن نجد صعوبة في كشف تآمرهم على بلادهم وقومهم, وبروز حقيقتهم سافرة وهي أنهم عملاء للاستعمار بكل ما في هذه الكلمة من معنى….( ويتابع في النص ذاته) قوله: إن مقدمة نشأة القومية في عالمنا الإسلامي تبدأ مع بدء التجمع الصهيوني وسعيه استلاب فلسطين…ويقول في مكان آخر: .. إن كلا القوميتين (ويقصد العربية والطورانية), اتجهتا في الهجوم على عدو واحد ليس له أي شأن في الأمر, ألا هو الخلافة الإسلامية المتمثلة في السلطان عبد الحميد.). كما يدفعه هذا الاعتقاد إلى نزع الأخلاق عن العرب قبل الإسلام وعن العروبيين المعاصرين كما ذكر في إحدى حلقاته التي تبث على قنوات التلفاز السوري وهي بعنوان, (لن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)  حيث يقول: (إنا العرب ليس لديهم أخلاق قبل الإسلام, وإن القوميين العرب الذين يقولون بأن العرب كان لديهم أخلاق قبل الإسلام هم كذابون.). هذا في الوقت الذي يُعتبر فيه حزب البعث الذي احتضنه حزبا عروبياً, وهو المنادي بالآمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة.

هذا وللشيخ البوطي ذاته زعيم التيار الديني في المؤسسة الدينية السورية, في مكان آخر موقف معاد للعلمانية أيضا أكثر خطورة على الدول والمجتمع, ففي كتابه (العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر), وهو كتاب مقرر لطلاب الشريعة في جامعة دمشق: يقول عن العلمانية متبنياً رأي دار الإفتاء الوهابية في السعودية ذاتها حول العلمانية: ( أما الدين الإسلامي فيحوي في أصله إلى جانب مبادئ الاعتقاد, والأحكام التي تضبط شؤون الدولة وتتكفل بإقامة أنظمتها وقوانينها, فحجزه عن ممارسة صلاحياته ومسؤولياته, ففي ذلك تغيير لجوهره وإبطال لكثير من مضمونه… ). ثم يتابع ناعتاً من يؤمنون بالعلمانية ضمناً, ويتقربون إلى الإسلام قولاً, قائلاً: (إن التظاهر بالخضوع له – أي الدين –  بعد ذلك كذب عليه ومخادعة له ولمشرعه.). وهو في هذه الموقف الفكري يواجه النظام السوري ذاته الذي يقول بالعلمانية ويعتبرها احد المكونات الأساسية للنظام. بل هو لم يتوان أمام اعتبار الإسلام بداية ونهاية كل شيء, أن يدعو للحاكمية بشكل مباشر,

انطلاقا من هذه المواقف المعادية للقومية والعروبة والعلمانية التي كانت تبث في السر والعلن, تبين بشكل واضح إن كل ما جرى في سورية من قبل هذه المؤسسة الدينية والعديد من مشايخها, قد ربى أجيالاً من الشباب السوريين لم يعرفوا حب الوطن ولا المواطنة, وهذا ما أفقدهم الرحمة أو الشفقة الإنسانية تجاه وطنهم وأبنائه… فكان سلاحهم الساطور والسكين والفأس والطلقة  ضد كل من يختلف معهم فكرياً أو عقيدياً أو مذهبياً… أجيال تجيد سرقة وتدمير ممتلكات الوطن والمواطن, والحلم بلقاء حور العين ونكاح الجهاد, والادعاء بأنهم هم أصحاب الفرقة الناجية, ومن يخالفهم كفرة وزناديق تُحلل داؤهم وأموالهم واكل أكبادهم.

نعم.. هذا ما تربت عليه أجيال عديدة في سورية تحت إشراف المؤسسة الدينية, وما يجري في سورية اليوم من دمار وقتل وانتهاك للعرض والمال العام والخاص, يؤكد ذلك. وهذه الأجيال هي ذاتها من استقبل المهاجرين من داعش والنصرة والقاعدة من كل أنحاء العالم, وحضنهم كأخوة لهم في العقيدة يعملون معاً لتطبيق مشروع دولة الخلافة المنشودة التي وعِدوا بها, وبأنها ستبدأ من بلاد الشام.

هذه هي الحقيقة, وكل من يقول غير ذلك هو يضحك على نفسه وعلى الحقيقة والدين نفسه, أو هو كالنعامة التي تحاول إخفاء رأسها, بينما عورتها فرجة للآخرين.

إذا أربعون عاماً من سيادة الخطاب الديني السلفي الذي يعتبر امتداداً للخطاب الديني القروسطي, يمارس في الساحة السورية الدور نفسه الذي كان يمارسه في تلك القرون الماضية من محاربة للعقل والفكر العقلاني ودعاته… أربعون عاما منذ أحداث ثمانينيات القرن الماضي وهو يمارس وينشر الفكر الجبري الشمولي والتكفيري بين أجيال الشباب السوري, وهو الفكر الذي تم التغاضي عنه بعلم أو بدونه من قبل السلطة المعنيّة والحزب الحاكم مع تشويه فاضح للقوى التقدمية وأحزابها, ولدعاة الفكر التقدمي في الدولة وداخل صفوف البعث الحاكم نفسه, بوصفهم كفاراً وملاحدة ومارقين, حتى استطاعت هذه الأيديولوجيا الدينية السلفية بممثليها من مشايخ ورجال دين أن تنحي إلى حد بعيد كل أشكال التعبير والأنساق المعرفية الثقافية التنويرية الأخرى من فلسفة وموسيقى ومسرح وغناء ونحت وسينما.. وغير ذلك من نشاطات وأعمال إبداعية تقدس الحياة وفرحها, وتدعوا الإنسان لأعمارها وتنمية وتطوير نفسه كإنسان خلقه الله خليفة له عليها. بل إن رجال الدين هؤلاء قد سعوا عبر دروسهم في الجوامع أن يعملوا على احتواء (العلم) الوضعي ضمن المنظومة الدينية والفقهية السلفية, واظهار بأن كل العلوم من فيزياء وكيمياء ورياضيات وعلوم اجتماعية وأخلاقية …إلخ, هي علوم لا تخرج إلا من علوم القرآن الذي لم يفرط في شيء, لذلك بدأت تروج تلك المفاهيم والأفكار وحتى الكتب, التي تقول بأن كل ما يكتشف من علوم هو موجود في القرآن, وما دور الغرب وعلمائه إلا اكتشافها فقط, وهنا حول بعضهم القرآن إلى كتاب فيزياء,( راجع حول موقف رجال الدين ودورهم التخريبي في سورية كتاب – ثقافة إقصاء الآخر – للكاتب علي عثمان – اصدار دار التكوين –دمشق- 2004). هذا دون أن ننكر أن هناك بعض رجال الدين العقلانيين الذين أرادوا تطوير الفكر الديني وعقلنته, ومحاولة تفسير نصوصه بما يخدم حركة الواقع وتطوره إلا أنهم حوربوا من قبل من يسيطر على المؤسسة الدينية الرسمية من جبريين ومتصوفه. كما ذكرت الداعية “أسماء كفتارو ” في مقابلة لها على قناة الميادين. في أواخر العام 2014.

من هنا نجد أن الفكر الديني الجبري الذي تشرف عليه المؤسسة الدينية الرسمية في سورية قد شكل عبر أربعة عقود أجيالاً مهزومة فكراً وممارسة.. أجيالاً لا تعرف الانتماء للوطن, ولا تقدر قيمة المواطنة, ولا تهمها الحياة بقدر ما تهمها الاخرة.

من هذا المنطلق يُطرح علينا السؤال التالي: ترى, بعد أربعين عاما من عمل هذه المؤسسة الدينية تجاه شبابنا والكثير من مواطنينا, وما قامت به هذه الأجيال الشابة من قتل وتدمير وسفك للدماء وكره وحقد على الاخر المختلف وعلى الوطن ذاته, واحتضان للمهاجرين العرب والأجانب الذين يشاركونهم الفكر الجبري الإقصائي التكفيري, الذي دمر كل شيء في سورية بإسم “الحاكمية لله”, أين كانت هذه المؤسسة عن مشروع (فضيلة) الذي تطرحه اليوم؟, وهل ما يتضمنه هذا المشروع من رؤى وأفكار تدعوا إلى التمسك بالأخلاق المحمدية (وأركز هنا على تركيز هذه المؤسسة اليوم على الأخلاق المحمدية..)  .. لم تكن تُعَلِمُهُ كل تلك السنين الطويلة لشبابنا ومواطنينا؟.

عموماً, من خلال متابعتي (لقناة نور الشام) وبعض النشاطات المحمومة التي تقوم بها المؤسسة الدينية ضد ما يجري في سورية من مجازر, محاولة عبر هذه النشاطات تبرئة نفسها من كل ما جرى ولم يزل يجري في سورية بإسم الدين, أريد أن أأكد على مسألتين أساسيتين هنا وهما:

الأولى: إذا كانت الدولة ممثلة بأصحاب قرارها لم تزل تثق بهذه المؤسسة ودورها للخروج من هذه الأزمة (فكريا), فعلى سورية السلام, وأنا أبشر باستمرار هذه الأزمة, وإن كانت ستنتهي من الناحية العسكرية, فهي ستعود مرة ثالثة, وإن عادت فستكون نهاية الوطن وتذريره أو تقسيمه طائفياعلى يد أصحاب مدرسة الفرقة الناجية الدينية لأشعرية السلفية التكفيرية.

الثانية: إذا كان الكثير من رجال الدين ومشايخ هذه المؤسسة يريدون اليوم بمشاريعهم العملاقة (فقه الأزمة- ومشروع فضيلة) تجاوز هذه الأزمة,, فأحب إن أقول هنا: إن سلوكيات الناس لا تقوم على الوعظ والدعاء, فهذه لوحدها لاتحرك أصغر نبته في الأرض, وإنما الذي يحرك الناس وتاريخهم, إلى الأمام, هو أولا: تغيير الظروف الموضوعية والذاتية التي ساعدت على بروز هذه الأزمة, ويأتي في مقدمتها بالنسبة للمؤسسة الدينية الرسمية في سورية, الفكر الذي يحرك العقول, وخير ما يجب التأسيس له فكرياً هو نشر الفكر الديني القادر على التعامل مع الواقع وقوانينه, أي الفكر الديني العقلاني الذي يستطيع أن يكتشف القوانين التي تتحكم في آلية عمل هذا الواقع والتحكم بها وتسخيرها علمياً لمصلحة الإنسان والمجتمع. لذلك فإن ما تقدمه حتى اليوم للمواطن السوري والعربي عموماً وخاصة عبر قناة نور الشام, من قضايا فكرية تتعلق بـ (العقيدة ), هو ما يخالف هذا التوجه العقلاني الذي أمركم أو وجهكم به السيد الرئيس, إن ما تقدمه هذه المؤسسة الدينية هو في جوهره لا يخرج عن توجهات شيخ مدرستها الراحل (البوطي) , الذي يحارب العقل إرضاءً للنقل, ويحارب الوطن والعروبة إرضاءً للجماعة الإسلامية وخلافتها  العثمانية الموهومة. وفي هذا السياق بالذات أريد الوقوف هنا عند مسألة على غاية من الخطورة وهي: تقديس بعض الشخصيات والخوف من نقدها, تحت ذريعة أن السيد الرئيس قد احترمها وأولاها يعض اهتمامه, ومنها شخصية الدكتور (محمد سعيد رمضان البوطي).

إن السيد الرئيس انطلاقاً من موقعه الرئاسي, كثيراً ما يولي بعض الشخصيات اهتمامه لمواقف معينة تبدر من هذه الشخصية أو تلك لاعتبارات وطنية أو قومية يقدرها هو من موقعه الرئاسي, بيد أن السيد الرئيس لا يمنح هذا الشخص قداسة وفرض احترام الآخرين لكل ما يقوله أو يمارسه حتى ولو تناقض ذلك مع مصلحة الوطن والمواطن. فبعض الأشخاص أولاها السيد الرئيس اهتمامه ومنحها ثقته وكلفها في مواقع قيادية هامة في الدولة والحزب, إلا أنه تبين عبر الممارسة أنها متخاذلة وفاسده, بل وبعضها خائنة تركت الوطن والتحقت بالمعسكر المعادي له. وهذا في الحقيقة ما أريد الاشارة إليه حول شخصية السيد البوطي, الذي راح كل مسؤول في سورية يقدسه ويخاف من نقد أفكاره تحت ذريعة أن السيد الرئيس يحترمه. فدعونا نعرض في عجالة بعض أفكار  الشيخ البوطي التي كانت تدرس في الجامعة, وتعطى في الحلقات الخاصة به تحت رعاية وإشراف المؤسسة الدينية والإعلامية الرسميتين, وتبث على كل القنوات السورية, ويخصص لها أوقات حية في المشاهدة, لنشرها وتعميمها على المواطنين. هذا مع تأكيدنا على أن الشيخ البوطي عندما قتلته المعارضة السلفية المسلحة وهو يحاضر في فكره السلفي, لم تقتله لأنه موالي للنظام, فهم يعرفونه أنه من التيار (المدخلي), وهو التيار السلفي الذي يقر بضرورة عدم الخروج على السلطة, خوفاً من الفتنه, لذلك عندما حقق مع من قتلوا “البوطي” قالوا: بأنهم قتلوه لأنه أدخل الفكر الصوفي في الفكر السلفي.

أما أهم أفكارالشيخ البوطي السلفية المنافية للعقل وفتح باب الاجتهاد, فهي:

1- هو أشعري/ حنبلي في انتماء الفكري, والأشاعرة لا يعترفون بإسلام إلا من هو من أهل السنة والجماعة, وهم الفرقة الناجية, ولو أن من يعمل في المؤسسة الدينية الرسمية من أتباعه, لا يظهرون هذه المسألة بشكل مباشر, ويمررونها تحت شعار (الإسلام الوسطي) الذي يقولون عنه بأنه يحترم الآخر.. والآخر هنا هم بقية المذاهب والفرق الإسلامية الأخرى, وأصحاب الديانات السماوية, وغيرها من ديانات المكوّن السوري, الذي تبين في هذه الأزمة كيف احترم أصحاب هذه المذاهب والفرق والديانات, من قبل أصحاب الفرقة الناجية, إن كان على مستوى تدمير كنائسهم ودور عبادتهم, أو سرقة أموالهم وفرض الجزية عليهم وتقطيع أوصالهم وأكل أكبادهم.

2- هو من يحارب الفكر العقلاني والتنويري والعلماني, ومن يراجع كتابه المقرر دراسته في كلية الشريعة جامعة دمشق. وقد أشرنا إليه قبل قليل.

3= هو من الذين يدافعون عن النقل في مواجهة العقل, وأن الدين لديه هو دين الفطرة والغريزة, وما دعوته غالبا لا ستخام العقل, إلا من باب تثبيت النص الديني وليس للحكم عليه, فالله عز وجل هو من شرع وفرض الأحكام وحدد مصائرها في اللوح المحفوظ, وما على الإنسان إلا تثبيت هذه الأحكام والتشريعات كونها من عند الله, والله الذي خلق هذا الكون والإنسان منه, والله وحده الأدرى بشؤونه وتحديد ما ينفعه ويضره, وقد حدد بنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وتفسيرهما من قبل السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين حتى القرن الثالث للهجرة .

4- هو يرفض السببية في الظواهر, وهذا يعني رفضه القوانين التي تتحكم بسيرورة وصيرورة هذه الظواهر, فهناك قدرة واحدة فقط هي من يتحكم في آلية وعمل هذه الظواهر هي الله, وما دور الإنسان إلا كشف هذه الظواهر, أما كيفية عملها والتحكم فيها وتسخيرها لمصلحة الإنسان, فليس للإنسان دور في ذلك, وما نظرية الكسب الأشعرية التي يبشر بها إلا لتأكيد ما جئنا عليه.

5- هو يعتبر أن الدين الإسلامي هو الدين الصحيح فقط وما عداه لا.. لذلك كثيراً ما يشير في دروسه وحلقاته التلفزيونية, كيف أسلم ذاك العالم أو المفكر المسيحي الغربي, وتخلى عن مسيحيته, وهذا يتنافى مع موقف الوحدة الوطنية في سورية التي يشكل فيها المسيحيون مقارب14% من مجموع سكان سورية.

6- هو يعتبر العقيدة الإسلامية والجماعة الإسلامية هما الانتماء الحقيقي للفرد المسلم, وبالتالي هو في المضمون ضد المواطنة. يضاف إلى ذلك هو ضد العرب والعروبة, كما أشرنا قبل قليل.

7- هو ممن يهدر تاريخية النص ويرفض تفسيره وفقاً لخصوصية سبب النزول, وذلك انطلاقاً من المقولة الفقهية التي يمارسها الإسلام السياسي والقائلة : (العبرة في عموم اللفظ وليس في خصوص السبب), ولكن ليس النظر في هذه اللفظ وفقاً لروح العصر, أي فتح باب الاجتهاد والبحث في هذه النصوص الدينية عما يخدم قضايا العصر, وإنما الأخذ فقط بما فسره وأوله السلف الصالح بناءً على عموم اللفظ, وما فهموه هم في عصرهم الذي تجاوز الزمن الكثير من قضاياه. وبالتالي فالنص في تفسيره الذي قدمه السلفيون الأوائل كالسيوطي والطبري والطبراني وغيرهم, هو ذاته المقرر والثابت في دلالاته عنده, وهو بذلك قد أغلق النص على تطور الواقع في قضاياه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية.

8- هو من الذين يؤمنون بقضايا الأسماء والصفات, ومن يقولون أو يؤمنون بالصفات العقلية, وينكرون كشيخه أبي موسى الأشعري الصفات الشكلية أو الظاهرية, وهو هنا يدخل الدين ومعتنقيه في قضايا عقيدية لاتغني ولا تسمن من جوع, بل على العكس يدخل الكثير من أجيال الشباب المؤمن في صراعات فكرية وخلافات تؤدي إلى تكفير بعضهم بعضاً, بدلاً من العمل على وحدة الصف لدى المؤمنين, عبر التركيز على القضايا الجوهرية في الدين. لذلك نقول في هذا الاتجاه: إن الشيخ البوطي ومدرسته الأشعرية الرسمية في سورية يعملون على تحويل علم الكلام بأنساقه ومنظوماته المتعددة, إلى بنية فكرية ذات ترتيب منطقي صوري, يعطي للإلهيات أسبقية وجودية ومعرفية على الإنسانيات, وهذا هو موقف المنظومة الأشعرية السلفية التي تقوم في أساسها على هذا النسق المعرفي الذي منطلقه (قياس الشاهد العياني على الغائب), والعودة بالتالي إلى مقولة الشافعي وابن حنبل : (كل جديد بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.).

هذه بعض المعطيات الفكرية للخطاب الديني التي يقول به الشيخ البوطي, والكثير من اتباعه في المؤسسة الدينية الرسمية في سورية.

والسؤال المشروع هنا أيضاً : أليست هذه المعطيات الفكرية هي ذاتها المعطيات الفكرية التي تقول بها الوهابية عدا مسألة الصفات التي يقر الوهابيون بأن الله له كل الصفات العقلية والمعنوية, ولكن ليس كمثله شيء, وعلينا الإيمان بها كما وردت في القرآن دون تأويلها أو تفسيرها أو حتى إبداء أي إحساس عاطفي أوجداني نحو دوالها؟. ثم أليس هذا الفكر الذي تروج له المؤسسة الديني ولم تزل حتى اليوم عبر قناة (نور الشام), وحلقات دروس الجوامع المتعلقة بـ (العقيدة), هو الفكر ذاته الذي استقبل ممثلاً بحوامله الاجتماعية من السورين المتدينين الذين حملوا السلاح ضد الدولة, واستقبلوا آلاف المهاجرين من كل دول العالم لقتال السوريين وتدمير الدولة السورية ولحمتها الاجتماية؟.

ختاماً نقول إن ما لمسناه من قيم أخلاقية رديئة عند الكثير من المواطنين السوريين, إن كانوا ممن حملوا السلاح ضد الدولة باسم الدين, أو من الموالين من التجار وغيرهم الذين تاجروا بكل شيء من أجل مصالحهم الخاصة في هذه الأزمة باسم الوطن والوطنية, وبخاصة علينا نحن أبناء ديرالزور الذين حوصرنا من قبل داعش, يؤكد بأن القيم الأخلاقية قد وصلت إلى درجة الصفر في وطننا, وأن كل الدروس التي كانت تعطى في الجوامع ودور تحفيظ القرآن لم تجدِ شيئاً, وبالتالي فإن مشروع “فقه الأزمة” بشكل عام, ومشروع “فضيلة” بشكل خاص لن يُجديا شيئاً ولن يغيرا قيم الفساد الذي استشرى خلال تلك السنين الطويلة رغم وجود (23) ألف جامع وما يقارب (60) ألف داع وداعية في سورية.

إن سورية ممثلة بمن يقودها في المرحلة الحالية أو اللاحقة, عليه أن يدرك بأن الفكر العقلاني والتنويري والعلماني هو الفكر الوحيد القادر على تغيير العقول وتحريكها نحو الوطن والمواطنة, وإن دولة متعددة الطوائف والمذاهب والديانات لا تحل قضاياها المصيرية بمشروع فضيلة ولا بتدخل الدين في كل صفيرة وكبيرة من حياة الإنسان, فقناة (نور الشام) على سبيل المثال هي اليوم تشكل حصان طروادة للفكر السلفي المؤمن بالفرقة الناجية, لذلك إما أن توقف هذه القناة عن البث, أو يسمح لكل المكونات الدينية السورية بفتح قنوات لها ايضاً. (فنور الشام) ليست أفضل وأكثر دلالاً في سورية من (نور السويداء) أو (نور اللاذقية), أو (نور السلمية), أو نور (السيد المسيح).

دعونا يا هؤلاء إذا أردنا أن نحقق الفضيلة في مجتمعنا ان ننظر بمصداقية إلى الأسباب التي دفعتنا إلى طرح هذا المشروع… أن ننظر في الدوافع السياسية والاقتصادية والثقافية التي أدت إلى ما نحن فيه من فوضى وما يرافقها من قتل وتدمير.

إن طرح مشروع فضيلة في الصيغة التي يبشر بها القائمون على المؤسسة الدينية لدينا, هو ليس أكثر من أوهام أيديولوجية, إن لم أقل شعوذة فكرية, فمشروع فضيلة الحقيقي هو المشروع الذي يطالب بتغيير الواقع ذاته الذي أفسد الفضيلة عبر عقود طويلة من الممارسات اللاعقلانية في حياة الدولة والمجتمع, وأقصى الآخرين عن المشاركة الحقيقية في إدارة الدولة والمجتمع. هو المشروع الذي يجب أن يطالب بدولة القانون وحرية الرأي والصحافة واحترام الآخر, وتكريس المواطنة, هو المشروع الذي يطالب بفتح باب الاجتهاد والفسح في المجال واسعا للعقل وحرية الإرادة, هو المشروع الذي يطالب بأن تقام احتفالات لذكرى فلاسفة العقل في التاريخ الإسلامي كابن رشد والفارابي وابن حزم وغيره, لا لبن عربي وغيره ممن يحارب العقل والفلسفة ويعتبر أصحاب العقل زناديق وكفرة.

ملاك القول: من أجل سورية وعدم العودة إلى صراعاتها الدينية الطائفية, فقضاياها المصيرية لن تحل إلا بالديمقراطية والعلمانية. فالديمقراطية بدون علمانية, ستحول البلد إلى كنتونات طائفية وعشائرية وقبلية ومذهبية… وعلمانية بدون ديمقراطية حقيقية, ستحول العلمانية في يد السلطة إلى شعار براغماتي تعمل من خلاله على خلق تسويات اجتماعية وسياسية وثقافية تصب في مصلحة السلطة فقط وليس في مصلحة الشعب… يحب الربط العميق بين الديمقراطية والعلمانية, فمن خلال هذا الربط سيعرف الجميع أن الوطن للجميع, وأنه هو الانتماء الأول الذي يعمل من أجله الجميع ويشارك  في بنائه وتنميته الجميع… أما الدين فهو لله, والله في كل دياناته يدعوا إلى المحبة والألفة بين الناس… ألم يخلقنا قبائل وشعوباً لنتعارف؟. ثم أليس أن لا فرق بين الناس, كل الناس إلا بالتقوى… وألم يكن حب الوطن من الإيمان…فاليكن حب الوطن هو مصدر إيماننا جميعا.

 

لنشرة المحرر الكاتب والباحث من سورية :  د. عدنان عويّد 

 

الجمعة : 16 رمضان 1439.هج/ 01 يونيو 2018.