(1)

قد يكون التوقيت، دالا بما لم يرده أصحابه، فهو ساعة منتصف الليل، التي تعني لحظة يودع فيها يوم بالرحيل ويوم آخر يستعد للقدوم..

لكنه يعني أيضا منتصف الطريق في تعامل الحكومة مع قضية لا تحتمل التلكؤ .
ففي منتصف القضية قامت رئاسة الحكومة بإصدار بيان تقول فيه ما يلي:
تقدير دقة الموقف…
*العمل على تفادي المزيد من الضرر للفلاحين والقطاع الفلاحي والاستثمار الوطني عموما.
*حرص الحكومة على القيام بمبادرات تهدف إلى تحسين القدرة الشرائية للمواطنين.
* مراقبة السوق وجودة المنتوجات، والتصدي للمضاربين والمحتكرين….
ويطرح التوقيت مسألة غاية في الأهمية: ألم يكن هذا البيان هو أول ما كان على الحكومة القيام به، بإعطاء الأشياء اسمها الحقيقي والتعبيرعن مخاوف حقيقية، عوض الإفراط في الإشارات المبهمة، أو المستفزة أوالمتعالية بشكل يثير القرف؟
رئاسة الحكومة، التي التزمت الصمت بداية الأمر، ثم التفاعل الانفعالي مرة ثانية، توجد اليوم في لحظة تأخر غير واعدة بتاتا، وفي توقيت البدل الضائع من ملف حارق للغاية..تقوم بالدعوة إلى خلق أسباب التطمين والتلويح بأزمة تهز الاقتصاد الوطني برمته وتضرب مصالح الفلاحين..
جاء الرد متأخرا عن لحظته بما لا يقاس بساعات ولا أيام زمنية.
فقد تضاعفت مؤشرات التوتر والغليان وتكرست المقاطعة كأسلوب في التفاعل مع مبادراتها.
كما أن السياق الذي سبقه لم يمهد له بالطريقة التي تجعل منه نقطة تجاوز وأفقا للحل..
* الحكومة أضاعت زمنا سياسيا لا يقاس أيضا عندما لم تقدر الأمور بما يلزم من الفعالية وفضلت الحبل على الغارب، والمقصود به أنها كانت تملك حلولا على الأقل بين يديها، ومنها تفعيل مجلس المنافسة بما يعطي إشارة قوية عن إرادة الحل وليست فقط نية التهدئة.
المطلوب فعليا هو تنفيذ أجندة استعجالية تقنع الناس بأن مواقفهم وجدت صدى في التقدير الحكومي، وهو ما لم يتم على مستويات عدة ومنها بالخصوص:
– تفعيل ما طرحته هي نفسها حول خطة لتسعير السقف الخاص بالمحروقات، فلو كانت الإرادة قد فعلت قرار الحكومة لكانت الأمور تطورت باتجاه إيجابي لدى التقدير العام عند قطاعات عامة من المغاربة..
– التأخير في تنزيل الخطة المتعلقة بدراسات المحروقات وتأثيرها، وهي موجودة على حد ما صرح به السيد الداودي عندما قال إن الحكومة فكرت بدون ضغط..!
– التعامل مع ما خلفته خلاصات مهمة دراسة التحرير المقرر في الأسعار المرتبطة بالمحروقات، وهي التي خلقت أفقا غير مسبوق في مغرب الاحتقان الاجتماعي.. فكان حريا برئاسة الحكومة أن تفعل ما توصلت إليه اللجنة وتحرك مساطرها وهوامشها السياسية من أجل أن يكون لخلاصات اللجنة البرلمانية امتداد في اليومي وفي الفضاء العمومي بما يكشف وجود إرادة فعلية في تدارك الأمر..
القول إن هناك خطرا يتهدد الاقتصاد الوطني يجعل العارضة أعلى:
هل صار الاقتصاد مهددا فقط بعد المقاطعة؟
ألم يكن الحديث متواترا منذ سنة تقريبا عن فشل النموذج التنموي العام في البلاد؟
كيف يمكن أن يقف مؤشر التخويف عند انطلاق المقاطعة ولا يطرح في العمق القاعدة الوطنية للاقتصاد..
-تخطئ الحكومة عندما تحصر التهديد في مواقف الناس الغاضبة وتكتفي بتفهم» غضبهم بدون قرارات..
الفضاء السياسي ليس عيادة للاستماع أبدا، بل هو فضاء لاتخاذ القرارات التي تعادل مليون استماع!
-دانون عليها أن تساهم في الحل فهي لا تعدم حلولا، لكنها لا تفضل الحل الذي يعفيها من تقليص هوامش الربح: إذا كانت المقاطعة هي السبب ما بال الطرد في حق المياومين من العمال؟..
إنها تطالب المواطنين بأخلاق المسؤولية الاقتصادية دون أن تعلن ذلك على الرابحين من المردودية الاقتصادية.
والحال أنها لا تعاني أبدا من الشيء الوحيد الذي يخيف المقاولات: المنافسة!
فهي في وضع من يحتكر بالقوة والفعل هذا الفضاء المقاولاتي المعني بالحليب..
هناك نقاش آخر مطروح على الحكومة على ضوء الفشل العام للنموذج التنموي، الذي لن تختار المقاولة الأجنبية بتاتا العمل من أجل إصلاحه أو إنقاذه : فلا بد للقرار الاقتصادي من أن يطور قاعدة الاقتصاد الوطني وإعادة الاقتصاد العمومي إلى وضع الأسبقية في القطاع الاجتماعي.…
هناك دوما منزع لدى الفئات المعنية والشركات إلى إحياء التحليل الطبقي!
فبالرغم مما قاله السي الداودي حول التخويف من الشيوعية غير الواردة بالأصل، فإن التحليل الطبقي – صوفت طبعا – يقول للناس إن «أي طبقة تسعى إلى الهيمنة تسعى كي تقدم لنا مصلحتها الخاصة على أساس أنها مصلحة عامة»!
..
– هذا البلاغ صدر بعد اجتماع الأغلبية: وهو ملزم، مبدئيا بروح اللقاء الداعية إلى تجاوز الأزمة، والانتقال إلى إيجاد الحل وليس وصف الحالة والاكتفاء ..بالعلاج البديل الذي يقتضي المراهنة على الزمن والتآكل وتغيير المزاج العام لفائدة الستاتيكو!

 

(2)

انتظرنا الزلزال

وكان…
ثم سرعان ما علته غلالة من الضباب السميك، فبدا لنا أنه يعود إلى العصر الجيولوجي الأول.
بدا بعيدا، كأنما بلا أثر، سواء في بنية الأحزاب المعنية به
أو في بنية القرار المرتبط بالتدبير..
تكررت أسبابه، في أرض الواقع الحارقة، وعادت السياسة إلى مجراها الصعب، والمتشقق في حلوق الناس وفي معيشهم.
ثم عادت السياسة إلى الناس، من مصدر مجهول المصدر لكنه معروف العنوان: الفئات المتضررة من السياسة النقدية والمالية والمعيشية.
وبدا لنا فعلا أن الزلزال، الذي لا يفترض أن يحدث مثله سوى مرة واحدة في العهد السياسي الواحد، ينتمي إلى فترة سادرة في القدم…
ثم؟
ثم سقطنا من جديد في انتظار الزلزال!
والحال أن اللغة التي يعتمدها التواصل الحكومي إلى حد الساعة، لا تريد أن تستشعر هذه الضرورة لدى الناس، وربما لدى جزء من الطبقة المالية نفسها وتعبيراتها السياسية..
لنأخذ مثالا لا يمكن العبور عنه مرور الكرام: تصريح الرئيس الجديد للباطرونا ..بدعوته إلى ضرورة خلق رجة سياسية» جديدة ..من أجل احتواء المقاطعة..
الرئيس الجديد قال في حواره مع الزميلة الأحداث المغربية إن» الأشياء إذا استمرت بهذا الشكل فإن السلبي يثير السلبي»، دون تحديد هذا السلبي.
صلاح مزوار، الذي بنى توقعاته أو بالأحرى متمنياته بالرجة السياسية على انتظارات الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والمواطنين، لم يحدد لا طبيعة هذه الرجة ولا درجتها،
بمعنى هل تكون في مستوى الزلزال السابق أو دونه أو أكثر منه قليلا،
من حيث الدرجة ومن حيث الطبيعة لم يقل ما إذا كانت تعني تغييرا في السياسة أو في الرؤوس، في التركيبة الحالية للحكومة أو في الطبيعة الحالية للبرلمان، باعتبار أنه رأى أن الحكومة مسؤولة إلى جانب البرلمان من أجل اتخاذ المبادرة..
وبغض النظر عن انتخاب صلاح الدين مزوار، فهو الآن في قلب القرار الاقتصادي وأن خروجه جاء بعد صدور البلاغ الحكومي أو متزامنا معه، وبالتالي فإن الباطرونا يمكن أن تكون لا تقتسم مع الحكومة، في البلاغ وبعد البلاغ، التدبير الذي تقوم به.
ثم إن صلاح مزوار، وهو يتولى المسوولية لدى الباطرونا، يعرف أن جزءا منها تعنيه المقاطعة، ولعله الجزء الأكثر تسييسا في الاتحاد الباطرونالي..
فقد كان أمامه شخص ينتمي إلى اتحاد المقاولات، وهو يعرفها ويعرف بأنه يمثلها، في حين أن الذين صوتوا على مزوار كانوا يعرفون بأنه هنا لكي تظل لاتحاد الباطرونا أدواره السياسية !
والباطرونا عندما اختاروه كانوا أمام خيارين: هناك من جهة التزام سياسي لا تلغيه استقالة مزوار من التجمع الوطني للأحرار، وهو التزام لا غبار عليه، وهناك من جهة ثانية الخيار الثاني المتمثل في وجود التزام اقتصادي لمنافسيه..
وقد كان الاختيار واضحا،: استمرار الباطرونا في لعب دور سياسي..
وعندما يتكلم رئيسهم فهو يتخذ موقفا سياسيا بهذا المعنى..
وهو أول تكتل له كلمة ومعنى يتحدث عن ضرورة رجة سياسية..
هل سنستطيعها؟
المحقق أن هناك كهرباء خفية في الأجواء..
ولعل البلاغ أعاد هذا الشعور إلى شبكة أوضح تتولى التساؤل عن طبيعة التفاعل مع المتغيرات الحادة التي تسري في البلاد وأوصالها.
والواقع أنه يمكن أن ننعت الطبيعة السياسية، (تعريف افضل من تعريف الطبقة السياسية في تقديري، عند الحديث عن المغرب) بأي نعت نريد،
ويمكن أن نقدح فيها بما نشاء لكن علينا أن نعترف لها بقدرتها على هضم الزلزال.. والقدرة على العيش بالقرب من أنقاضه
ومن ضحاياه
ببرودة حفار القبور!
والالتفاف عليه..
ومثل دودة القز تنسج حوله شرنقة يزداد سمكها مع الأيام
وأحيانا مع تواتر الأسئلة التي لا جواب لها…
لهذا، حتى عندما نغامر بوضع التشريح فإننا نحتار دوما في سؤال البديل:مع إحساس متزايد بأن الطبقة السياسية اليوم، لا تحتاج إلى تعريف بقدر ما تستوجب .. حدسا يفوق التمارين السينمائية على السيناريوهات الممكنة..

 

الاثنين19 رمضان 1439 هج/ 04 يونيو2018.