من أشدّ الظواهر التي يعانيها العمل السياسيّ وطأةً عليه، تناقُص جمهوره المباشر، من العاملين في مؤسّساته والمنتسبين إليها، وضمور قاعدته الاجتماعيّة التي اعتاد أن يخاطبها ، وأن تتفاعل معه وتمحضَه تأييدها. والظاهرة هذه (التناقُص والضمور) ليست عرضاً عَرضَ له، بحيث يقبل العلاج والتدارُك بإجراءات تُقْدم عليها مؤسّساتُه التنظيميّة، مثلاً، لتستعيد جمهوراً فقدتْه، أو تجدِد قاعدةً ارْفَضّت عنها، ولا هي (أي الظاهرة) مما يسوغ حسبانه حالة طارئة غير ذات تأثير بعيدِ المدى في مستقبل العمل السياسيّ، ومصيره؛ ذلك أنّ استفحال أمرها وامتداد فعلها في الزمان يهدّد بنضوب المورد الاجتماعيّ الحيويّ للعمل الحزبيّ، وبالتالي القضاء بفناء هذا العمل: الذي ليس له ما يسُدّ به أَوَدَهُ غيرُ جمهوره الاجتماعيّ العريض. ومع أنّ الظاهرة هذه ليست حديثة النشأة، وإنما تعود إلى بدايات عقد الثمانينات من القرن الماضي، إلا أننا نشهد على أطوار جديدة من اشتدادها، واستفحال أمرها في العقديْن الأخيرين على نحوٍ من الحدّة يهدّد بانقراض الظاهرة الحزبيّة في المستقبل المنظور.

والحقّ أنّ العمل السياسيّ (الحزبيّ) لم يكن مسؤولاً، دائماً، عن فقدانه جمهورَه وقاعدتَه الاجتماعيَّين، بسبب ما اقترفه من جسيم الأخطاء، مثلاً، وإنما وُجدت – إلى جانب الأخطاء تلك- أسباب أخرى لاإرادية، أو ليست بإرادة المؤسّسات الحزبيّة، وهي تتعلّق، إجمالاً، بالشروط الاجتماعيّة-الاقتصاديّة العامّة للقوى الاجتماعيّة التي يتفاعل معها العمل الحزبيّ، وما شهِدت عليه الشروط تلك من تدنٍّ، وتدهوُر. وسيكون على كلّ مَن يتصدى لتحليل ظاهرة التأزّم في العمل السياسيّ والحزبيّ ألا يتجاهل عواملها الموضوعيّة: السياسيّة والاجتماعيّة – الاقتصاديّة، من استبداد، وتهميش، وتفقير؛ فهذه جميعُها- وغيرُها كثير- في جملة العوامل والشروط التي تولّد البيئة العامة النابذة للسياسة والعمل السياسيّ، كما سيكون عليه أن يُصوّب النظرَ النقديّ إلى السياسات الاجتماعيّة – الاقتصاديّة المطبّقة، باحثاً فيها عن العوامل التي قد تكون مسؤولة عن إنتاج ظاهرة المباعَدَة المصطنعة بين الناس والشأن العامّ، بين المجتمع والسياسة بما هي (مباعدَة) تعود بأوخم العقابيل على الاستقرار الاجتماعيّ، والسِّلم المدنيّ، خلافاً لما يذهب إليه ظنُّ من يصطنعونها، أو يعوّلون على أن تكون سبيلهم إلى تحقيق الاستقرار السياسيّ، وتأمين شروط سيطرة مريحة على السلطة.

وتُطْلِعنا الدراسات العلميّة العديدة للسياسات الاقتصاديّة والاجتماعيّة العامّة المطبّقة، في الأعمّ الأغلب من البلاد العربيّة، خاصّة في بلدان العُسْر منها، أنّ أيلولة السياسات تلك إلى رفع معدلات الفقر والتهميش الاجتماعيّ، ضمن الجدليّة القاتلة المتحرّكة في الهيكل الاجتماعيّ تحَرُّكَ مُفَارقة: تنمية الثراء الفاحش، في نطاق بيئات ضيّقة من السكان، وتنمية الفقر المدقِع في البيئات الأعرض من المجتمع، وبقدر ما تتغذّى ظواهر الفقر والتهميش من سياسات اقتصاديّة غير إنتاجيّة، يَقوم منها الاقتصادُ الطفيليّ والاقتصاد الرّيعي مقام الأسّ، ويتولّد منها اضمحلالٌ تدريجيّ لأعداد القوى العاملة في القطاعات المنتجة، فهي تتغذّى – في الوقت عينِه- من سياسات في توزيع الثروة غير عادلة: سواء بين طبقات المجتمع، أو بين مناطق البلاد (المدن والأرياف). وقد تضافرت السياستان معاً لتُنجِبا حالاً معمَّمةً من التفقير والتهميش لم تَطَل قوّةَ العمل المَقْصيّة من دوائر الإنتاج فحسب، بل طالت ملايين من ذوي الكفاءات العلميّة من خرّيجي الجامعات ومعاهد التكوين العليا لتضمّهم، أخيراً، إلى جيوش العاطلين الجرارة.

إنّ مجتمعات يُلقي التهميشُ الاجتماعيُّ فيها بكلكله على فئات واسعة من الشعب، وينخر الفقر والحرمان حياة أكثر من نصف سكّانها، (هي مجتمعات) مَقْصِيّة، موضوعيّاً، من دائرة الشأن العامّ، وبعيدة من ميدان السياسة والمشاركة، وبالتالي، لا تملك أن تؤلّف جمهوراً إيجابيّاً للعمل السياسيّ، ولا أن تصنع قاعدةً اجتماعيّة تستطيع السياسة أن تخاطب هواجسها.

وليس في وسع حالة العطالة والإملاق والفاقة أن تترُك للمصاب بها مساحة حياتيّة، أو نفسيّة، للتفاعل مع السياسة والفاعلين السياسيّين، فكيف بالانخراط في مؤسسات العمل السياسيّ؛ إنّ منتهى طلب الواقعِ تحت وطأة الحال هذه هو أن يوفّر لنفسه، ولأهله، رغيف الخبز بأيّ ثمن، وليس له من الوقت ما يكفي للانشغال بالشؤون العامّة، لأنه لا يعرف من الشؤون سوى شؤونه الخاصة. ويزيد من حدّة المشكلة، ومن اتساع نطاق المباعدة بين المجتمع المهمَّش، المفَقّر والسياسة، أن القائمين على أمرها يَبْدون للناس تجاراً وانتهازيّين لا يبغون غير تحقيق مصالحهم، وبالتالي، تنعدم الثقةُ بهم، وتفقد مؤسساتُهم أيَّ بريقٍ قد يشدُّهم ( الناس) إليها.

على أن المشكلة في التهميش الاجتماعيّ والإفقار المعمَّم أنّ هذيْن لا يفضيان إلى دقّ الأسافين بين المجتمع والسياسة، من طريق التأسيس لظاهرة اللاّمبالاة والعزوف الاجتماعيّ عن المشاركة في الشأن العامّ، فحسب، وإنما هما يفضيان إلى إشراك المجتمع نفسه في إفساد السياسة والحياة السياسيّة أيضاً؛ وبيانُ ذلك أنّ واحدةً من أظهر مظاهر الفساد السياسيّ، وأشدِّها خطراّ على استقامة أحوال الحياة السياسيّة، وهي المال السياسيّ -الانتخابيّ، وضلوعُه في شراء الذّمم وتزوير التمثيل، ما كانت لتظهر وتستشري وتتحوّل إلى قاعدة من قواعد «المنافسة» الانتخابيّة لولا أنّ المال إياه وجَد البيئة التي يستثمر فيها: فقْر الناس وفَاقَتهم. ومن أسف أنّ الفقر والحاجة يدفعان الناس إلى الانخراط في عملية إفساد السياسة من طريق بيْع أصواتهم في أسواق النخاسة الانتخابية.

 

 

الاثنين : 11 شوال 1439 هج / 23 يونيو 2018.