المعرفة والثقافة من الموارد الحيويّة للسياسة، وهي ليست منها بمنزلة المضافات التي قد ترتفع من دون إصابةِ السياسة في مقتل؛ فالسياسة إنما هي تدبير للأوضاع والأزمات انطلاقاً من رصيد من المعارف ، وما من سياسة تستغني عن المعرفة وإلاّ أصيبت بالعمى وخبطت خبط عشواء في المجاهيل. ربما يكون ذلك مدرَكاً حينما يتعلق الأمر بالسياسة الرسميّة، سياسة الدولة؛ حيث ممارستُها في ميادين التنميّة والأمن والسياسة الخارجيّة تجري وفق قواعد الحساب الدقيق للمصالح كما للمكاسب والخسائر؛ وحيث يخضع الحساب هذا لنظام من العقل صارِم مبني على المعرفة والخبرة المعرفية لا على الأهواء والرغائب. ولكنّ القواعد هذه لا تناسب سياسة الدولة فحسب، وإنما هي شاملة كلَّ سياسة، أي كلَّ فعْل يقوم به جسم سياسيّ في المجتمع بما في ذلك الأحزاب والمنظّمات السياسيّة. وكما أنّ السياسات الرسميّة للدولة أو للشركات الكبرى مبناها على عمل خبراء وباحثين، قبل أن تتحوّل إلى مشروعات عملٍ للإنجاز، كذلك لسياسات الأحزاب، في البلدان الحديثة والديمقراطيّة، نصيب من ذلك العمل التحتيّ، التأسيسيّ، الذي يقوم به « خبراؤها» من المثقفين والباحثين، المنتسبين إليها، ممّن يمدّونها بالرّؤى والتصوّرات والتحليلات التي تساعد السياسيّ على بناء الموقف، أو أجهزة التقرير والتنفيذ في تلك الأحزاب على صوْغ برنامج العمل.

من البيّن، إذن، أنّ الرأسمال المعرفي والثقافي رأسمال رئيس في السياسة. والفارق بين سياسات الدولة وسياسات المجتمع أنّ الرأسمال ذاك إذا كان في جملة موارد الدولة، فهو المورد الأساس للسياسات ذات المنبت الاجتماعيّ مثل سياسات الأحزاب؛ إذ الدولة تعتمد منظومة من الموارد المتعدّدة، من مالٍ وقوانين وأدواتِ قوة وثروات، هي ما يصنع قوّتها ويمدّها بالموادّ الحيويّة لاستواء نظام اشتغالها، فيما قد لا تملك مؤسّسات العمل الحزبيّ أكثر من موردها الثقافيّ وجمهورها الحزبيّ والانتخابيّ.

ومَن يعرف تاريخ الحزبيّة السياسيّة في الوطن العربي، يعرف أنّ بعضاً من أسباب ازدهارها وعنفوان قوّتها، بين ثلاثينات القرن العشرين وسبعيناته، إنما يُعْزَى إلى حرصها على صوْن رأسمالها المعرفيّ والثقافيّ وتَعَهُّده بالرعايّة والتنميّة الدائبة. ولم يكن من قبيل الصدفة أنّ المثقفين نهضوا بأدوار رياديّة في تأسيس العديد من الأحزاب والمنظّمات السياسيّة، في فترات مختلفة من تلك الحقبة، بل وفي قيادتها ناهيك عن توفير مادّتها الحزبيّة التوجيهيّة والتثقيفية، والتعبير عن خطّها الفكريّ والسياسيّ في أدبيّات رسميّة، أو من طريق التأليف والنشر: الفرديّ والجماعيّ. فقد كانتِ المعرفةُ والثقافة من عُدّةِ اشتغال السياسة، في ذلك العهد، ومن مستلزماتها.

اختلفت صورةُ العلاقة بين السياسة والثقافة، الحزب والمثقفين منذ ثلث قرن أو يزيد في تجارب الحزبيّة العربيّة؛ أصبح المثقفون ضيوفاً ثقالاً على أحزابهم فلم تعد هذه تتحمّل «ثرثراتهم» النظريّة، أو تَقْبل التعايُش مع أدوارهم «المبدئيّة»، وخاصة بعد أن لفحتْها رياحُ المصالح ودبّت في أوصالها منازِعُ الانتهازيّة، فباتتِ المبادئُ أصفاداً مضروبةً على حريّة حركتها ! حُشِر المثقفون، منذ ذلك الحين، في الزاويّة الأضيق، وضاقت عليهم أحزابُهم بما رحبت فهجروها، أو أبعِدوا عنها بوسائل مختلفة. هكذا تحوّلتِ الأحزاب تلك إلى خرائب لا تسكنُها أفكار، ولا تضيء سبيلَها رؤى، فتقَحَّل داخلُها وصار قاعاً صَفْصَفا، ولم تلبث أن ذوَتْ فاحْدَوْدَب عودُها!

وليس معنى ذلك أن الهجْرات (أو التهجيرات) الجماعيّة للمثقفين منها هي السببُ الرئيسُ في نكْبتها واضمحلالها، ولكنه – قطعاً- في جملة أهمّ الأسباب التي أودتْ بمكانتها في الاجتماع الوطنيّ والسياسيّ؛ ذلك أنّ الانفصال النّكد بين السياسة والرأسمال المعرفيّ والثقافيّ ليس حادثة سيْرٍ عاديّة في مسار العمل السياسيّ، ولا تتولّد منه مجرّد رضوض سطحيّة قابلة للعلاج، وإنما هو (الانفصال) الذي يصادر من السياسة عقلها الإرشاديّ، فتكون أيلولتها بذلك إلى التجريبيّة وإلى مسلك سرعان ما يتدحرج من البراغماتيّة إلى الانتهازيّة، ومن المصالح العامة إلى المصالح الشخصيّة مَن يبغي دليلاً فاقعاً على هذا التدهور الحادّ في العمل السياسيّ، الناجم من انفصاله عن الثقافة والرأسمال الثقافيّ، يكفيه أن يقرأ «أدبيّات» الأحزاب، اليوم، ليعثُر على القرينةِ والبيّنَة عليه: الفراغ الرؤيويّ والخبط في المجهول! ومَن يبغي دليلاً على التّبعات المَهولة التي يلقيها الانفصال النّكد على العمل السياسيّ، يكفيه أن يلاحظ كيف أنّ العمل هذا انحطَّ إلى أسفل درْكٍ؛ فلم يعُد يعنيه غير المنافسة الانتخابيّة وسيلة وميدان عمل: إلى الحدّ الذي اختُزِل فيه العملُ السياسيّ ذاك إلى فعْلٍ يجري في زمن معلوم ومحدود: الموسم الانتخابيّ، وتحوّلت فيه الأحزاب من مؤسّسات للنضال الاجتماعيّ إلى مقاولات سياسيّة!

 

الثلاثاء 17 يوليوز 2018.